الذكاء الاصطناعي يدخل صناعة “البرومو”، فهل يقنع المشاهدين؟
"ماذا أشاهد؟ وإلى أين وصلنا؟"
كانت تلك تساؤلات طرحتها على نفسي فوراً، بعد أن مرّ أمامي عدد من الفيديوهات الترويجية، أو ما نسمّيه "بروموهات"، صُنعت بالذكاء الاصطناعي، على غير العادة. فهي، في كثير من الأحيان، تعتمد على حضور بشري ومشاعر إنسانية تدفعك فعلاً لأن تسأل عمّا تخفيه وراءها.
لم يكن مقطعاً واحداً. فعلى مرّ أيام، شاهدت عدداً منها يروّج لبرنامج تلفزيوني، أو فيلم وثائقي، أو أغنية، لدرجة أنني كنت أمرّ عنها دون أن أكترث لما تروّج له، فقط لأنني شاهدت أشخاصاً افتراضيين، وسمعت أصواتاً وضحكات لا تبدو حقيقية.
ذكّرني ذلك، على نحو غريب، بما حدث مع ثورات بصرية سابقة.
عُدت إلى بدايات الألفينات، حين فتحت الرسوم المتحركة والأنيميشن أبواباً جديدة أمام صنّاع الأغنية والفيديو كليب. تذكرت مثلاً أغنية هاني العمري "كل ما طل الصبح علي بفكر فيك"، التي ظهر فيها هاني كشخصية كرتونية تقفز من خزانة إلى أخرى ويتغير حجمها مع مرور الفيديو.
وتذكرت أيضاً شارة مسلسل "مرايا"، التي استعانت بالرسوم المتحركة في أواخر التسعينات، في محاولة لمواكبة موجة تقنية وبصرية كانت تبدو، يومها، جديدة ومثيرة.
لكن هناك فرقاً بين أن تدهشك التقنية، وبين أن تجعلك ترغب في متابعة ما أمامك.
قبل أيام، جالستُ عدداً من الأصدقاء، ووجدنا أنفسنا نتحدث عن الانتشار المتزايد للـ"برومو" المصنوع بالذكاء الاصطناعي. وافقني بعضهم: هذه المقاطع، برأيهم، تبدو مصطنعة إلى درجة أنها لا تثير أي شعور، ولذلك يسهل تجاوزها. أما آخرون فنصحوني بألا أحمّل المسألة أكثر مما تحتمل، وأن أتذكر أن "مصائب الحياة أعظم".
للصراحة، حسّي الصحفي منعني من ذلك، فبدأ السؤال يكبر في رأسي: هل يدخل الذكاء الاصطناعي غرف الترويج فقط ليصنع صورة أجمل، أو مشهداً أكثر غرابة، أو شخصية لا يستطيع البشر صناعتها؟ أم أن الاختبار الحقيقي أصعب من ذلك بكثير؟
في صناعة تعتمد إلى حد كبير على جذب الانتباه خلال ثوانٍ، يبدو البرومو أحد أكثر الأماكن حساسية لاختبار هذه التقنية. فالنجاح، في عالم التلفزيون، لا يقاس فقط بجودة الصورة أو سرعة الإنتاج، وإنما بما تتركه تلك الثواني في ذهن المشاهد.
ولم تتغير الفكرة كثيراً عندما انتقلنا من شاشة التلفزيون إلى الشاشة الرقمية.
علينا بدايةً أن نفهم ما يفترض أن يفعله البرومو أصلاً. فهو ليس مجرد مقطع قصير يعرض لقطات من العمل، بل محاولة لاختصار فكرة ومزاج وقصة كاملة في ثوانٍ قليلة، وترك قدر كافٍ من الفضول يدفع المشاهد إلى الضغط والمشاهدة.
وبينما ينشغل الجدل حول "البرومو" المصنوع بالذكاء الاصطناعي بمصداقيته ودقة ما يقدمه، يبقى الاختبار الأهم أبعد من جودة الصورة:
هل تستطيع الآلة أن تصنع شعوراً حقيقياً؟ وهل يمكن لشخصية رقمية، مهما بلغت درجة إتقانها، أن تقنع المشاهد بزيارة موقع أثري كما قد يفعل إنسان حقيقي بتعابيره ومشاعره؟ والأهم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتركه راغباً في معرفة ما سيأتي؟
"الإنسان بطبيعته يبحث دائماً عن الأصالة"
يرى الدكتور سليم شريف، أستاذ علم النفس الإعلامي، أن قدرة البرومو المصنوع بالذكاء الاصطناعي على جذب المشاهد لا يمكن اختزالها في الإبهار البصري، إذ يظل الإنسان، في رأيه، باحثاً عن الأصالة واللمسة الإنسانية حتى وسط سيل المحتوى الذي تنتجه الآلة.
ويقول شريف لبي بي سي إن "الإنسان بطبيعته يبحث دائماً عن الأصالة"، مشيراً إلى أن "الدماغ قادر على التمييز بين العمل الذي يحمل جهداً وإبداعاً وتجربة إنسانية، وبين المنتج الصناعي". ويعتقد أن الإنسان ينظر إلى ما تنتجه الآلة باعتباره أقرب إلى البرودة وأبعد عن العاطفة، لأن وراءه، في نهاية المطاف، آلة "لا تحمل أي شعور أو روح أو فكر أو تاريخ أو أخلاق".
ولا يعني ذلك، بحسب شريف، أن الجمهور سيرفض بالضرورة المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي. فعلى العكس، قد يكون الفضول أحد أبرز دوافع التفاعل معه، إذ قد يتوقف المشاهد ليرى "ما أنتجته الآلة"، ثم يشارك المقطع مع الآخرين بدافع التعجب. لكنه يلفت إلى أن الإعجاب بالمحتوى لا يعني بالضرورة وجود ارتباط عاطفي عميق به.
ويستحضر شريف مثال الفن لتفسير هذا الفرق، موضحاً أن المتلقي قد ينجذب إلى لوحة رسمت قبل مئة عام لأنها تحمل تاريخاً وتجربة وأصالة، حتى لو لم تكن الأكثر إبهاراً من الناحية التقنية. ومن هنا، فإن الإبهار الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي قد ينجح في جذب العين، لكنه لا يضمن وحده بناء علاقة طويلة الأمد مع المشاهد.
في المقابل، يرى شريف أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة استثنائية على خلق مشاهد ووقائع يصعب على المخرج تنفيذها حتى مع إمكانات أكبر الاستوديوهات. وهذه القدرة تمنح البرومو أداة قوية لإثارة الفضول، وقد تدفع المشاهد إلى متابعة المحتوى لساعات، حتى لو كانت القصة أو المشاهد غير حقيقية.
ويقول إن "الإنسان سيستمتع حتى لو كانت القصة غير حقيقية بسبب السرد والمحتوى"، خصوصاً عندما توظف المؤثرات بطريقة تشده لمعرفة ماذا سيحدث بعد قليل. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على اللعب على مشاعر الجمهور وتحويل الفضول إلى مشاهدة وتفاعل ومشاركة، وهي الأهداف الأساسية التي يسعى إليها صانع البرومو، بحسب شريف.
لكن خلف هذه المتعة، يبرز أثر نفسي آخر؛ فالمشاهد، وفق شريف، قد يظل محتفظاً بإدراك داخلي يردّد معه: "هذا ليس حقيقياً".
لكن إذا كان الإحساس بالإنسان هو ما ينقص الصورة الاصطناعية، فماذا يرى صانع البرومو نفسه؟ وهل يعتبر الذكاء الاصطناعي منافساً للمخرج، أم أداة توسّع ما يستطيع فعله؟
"الذكاء الاصطناعي قلّل المسافة بين الخيال والتنفيذ"
بالنسبة لمحمود جمعة، مخرج ومنتج الإعلانات الترويجية، تبدأ صناعة البرومو من الفكرة، قبل الكاميرا أو الأداة أو أي من عناصر التنفيذ.
ويقول جمعة لبي بي سي إن السؤال الذي يطرحه في البداية، قبل الإنتاج، هو: "ما الذي أريد أن أقوله؟ وما الإحساس الذي أريد أن يصل إلى المشاهد؟ وما الذي سيجعله يتوقف أمام البرومو ويرغب في معرفة المزيد؟"، ثم تأتي الصورة والإيقاع والموسيقى والمونتاج لتخدم جميعها هذه الفكرة.
ويرى جمعة أن الذكاء الاصطناعي لم يغيّر هذا الأساس، لكنه "وسّع جداً مساحة التنفيذ"، إذ أصبح بالإمكان تجربة أفكار ومشاهد كان تنفيذها سابقاً يتطلب إمكانات إنتاجية كبيرة. والأهم، في رأيه، أن التقنية "قلّلت المسافة بين الخيال والتنفيذ"، وفتحت "مساحة كبيرة جداً للإبداع والتجريب".
لكن وفرة الإمكانات لا تعني أن كل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي يخدم البرومو، بحسب ما يشرح.
ويقول جمعة، الذي يمتلك خبرة تتجاوز عشر سنوات في صناعة البرومو والمحتوى البصري، إن "الأداة يمكن أن تقدم لك الكثير من الصور المبهرة، وهنا يبدأ الدور الحقيقي للمخرج: أي صورة منها تخدم الفكرة؟ وأي صورة لها معنى داخل الحكاية؟". لذلك، يؤكد أن "الفكرة هي التي تحدد الأداة، وليس العكس".
ويعتقد جمعة أن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي يكون عندما يحتاج العمل إلى بناء عالم بصري مختلف، أو استعادة زمن أو مكان معين، أو تنفيذ مشهد يصعب إنتاجه واقعياً. أما في المشاهد التي تعتمد على أداء الإنسان، فقد تكون "نظرة أو رد فعل أو حركة بسيطة أو إحساس حقيقي" أكثر تأثيراً من صورة مصنوعة رقمياً.
ولا يرى جمعة أن التصوير التقليدي والذكاء الاصطناعي في حالة منافسة، بل إن الجمع بينهما قد يكون إحدى أهم المساحات الإبداعية حالياً. فالذكاء الاصطناعي، كما يقول، قادر على إنتاج صور واقعية ومحاكاة المشاعر، لكن "هناك فرق بين أن تصنع صورة لشخص يبدو حزيناً، وبين أن تعرف لماذا يجب أن تؤثر هذه اللحظة في المشاهد".
ويضيف أن قوة البرومو قد تكمن أحياناً في "نظرة، أو لحظة صمت، أو تردداً في الصوت، أو حتى ثانية إضافية" قبل الانتقال إلى اللقطة التالية، لأن "الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحاكي شكل الإحساس، لكن الإنسان هو الذي يمنح هذا الإحساس معناه".
وبالنسبة لجمعة، فإن البرومو الناجح "يعطي المشاهد ما يكفي ليشعر، ويخفي عنه ما يكفي ليسأل". فالذكاء الاصطناعي قد ينجح في جذب الانتباه في اللحظات الأولى، لكن بعد الدهشة يحتاج المشاهد إلى فكرة أو إحساس أو قصة تبقيه مهتماً.
ولهذا، لا يرى أن السؤال هو ما إذا كان البرومو قد صُنع بالذكاء الاصطناعي أم بالتصوير التقليدي، بل: "هل نجح البرومو في الوصول إلى المشاهد؟ وهل جعله يشعر بشيء؟". وفي ختام حديثه مع بي بي سي يرى جمعة أن المنافسة لن تكون بين الإنسان والآلة، وإنما بين من "يمتلك الأداة فقط"، ومن "يمتلك رؤية ويعرف كيف يستخدم هذه الأداة ليحكي شيئاً يستحق المشاهدة".
- في يوم التلفزيون: كيف تطوّرت "أم الشاشات"؟ وهل يمكن أن نستغني عنها؟
- لماذا لا يعرف أطفال الجيل الجديد أفلام الكرتون؟
- العلاج بالموسيقى: طبيبة تمنح مسنة لحظة حنين بنغمةٍ عربية
قد تنجح الآلة في خطف عين المشاهد، لكن كسبه يحتاج إلى ما هو أبعد من الإبهار: فكرة تثير فضوله، وإحساس يترك أثراً، وقصة تجعله يرغب في البقاء. وبينما تتسع قدرات الذكاء الاصطناعي على صناعة الصورة، يبقى الإنسان هو من يقرر إن كانت تلك الصورة تستحق أن تُشاهَد.
- الذكاء الاصطناعي "ليس ذكياً"، فما القصة؟
- في الهند، كيف أصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة للتقرب من الآلهة؟
- كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في تحسين الرعاية الصحية؟
🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.




