فيروس كورونا والعلاقات الاجتماعية: الوباء سبب إنهاء زواجنا

ريتشارد ورفايلا يقولان إن بقاءهما معا طوال الوقت والعمل في نفس المنزل مع وجود طفلين أصبح أمرا يا يطاق بالنسبة لهما.

BBC

ريتشارد ورفايلا يقولان إن بقاءهما معا طوال الوقت والعمل في نفس المنزل مع وجود طفلين أصبح أمرا يا يطاق بالنسبة لهما.

في كل أرجاء العالم، أخذ أزواج كثيرون بالانفصال بعد أن كانوا سعداء في السابق. وألقى كثيرون اللوم على الضغط الذي تسبب به وباء كورونا، في حين يعتقد آخرون أن كل ما فعله الوباء هو الكشف عن مشاكل قديمة.

من غرفة في بيتها في نيجيريا، تهمس رينيه (اسم مستعار) عبر سماعة الهاتف: “عرفت خلال الحجر أن زوجي كان على علاقة بأخرى”.

وتضيف: “واجهته بالأمر، لكن كل ما قاله كان: كيف تمكنت من الوصول إلى هاتفي؟ أعتقد أنه يريد الطلاق. إنه لا يعرف أنني أكلمك الآن، لذلك لا أستطيع الكشف عن وجهي”.

شعر كثيرون منا، بعد أشهر من البقاء سجناء في بيوتنا، بضغوط مختلفة في ما يتعلق بالعلاقات مع الشركاء؛ إذ تركنا الوباء قلقين بخصوص عدة أمور كرعاية الأولاد، وأعمال المنزل، والصحة، والأمور المالية كما كنا قلقين حول وضع العالم عموما، فكنا ندير أزماتنا الداخلية خلف أبواب بيوتنا الموصدة.

وبالنسبة لبعض الأشخاص، مثل رينيه، فإن الحجر المنزلي مكّنها من اكتشاف بعض الأسرار لكن كان عليها التعامل مع تبعات ذلك.

لم يترك الوباء شيئا على حاله

خلال فترة الحجر، ارتفع عدد الأزواج الساعين للحصول على استشارات بخصوص علاقتهم.

تقول د.ربيكا بيندار باوم: “غالبا ما كان معظم عملائي أفرادا، ولكن منذ بداية الحجر بدأ تغير ملحوظ؛ إذ أصبحت غالبية الاستفسارات تأتيني من طرف أزواج”.

كما أن الطبيبة مارني فويرمان، وهي معالجة نفسية من فلورديا، تقول إنه بعد تراجع الحالات في أول أسابيع من الحجر، لاحظت هي أيضا فيضانا من الاستفسارات من قبل أزواج.

وتقول: “أكثر ما أسمعه هو عن جدل بين الأزواج بخصوص توزيع الأعمال المنزلية. يحاول الناس العمل من المنزل وأيضا العناية بالأولاد – لقد انقلبت حياتهم إلى فوضى”.

ريتشارد ورفايلاBBC

ريتشارد ورافايلا

هذا ما حصل مع ريتشارد، 41 عاما، ورافايلا، 31 عاما، اللذين يعيشان جنوبي البرازيل؛ إذ تطلق الزوجان الشهر الماضي وقالا إن الحجر كان السبب الذي حفزهما على اتخاذ القرار.

تقول رافايلا، التي تعمل في الخدمة الاجتماعية: “لقد أمضينا معا فترة جميلة امتدت 12 عاما. لكن الوباء لم يترك شيئا على حاله. أصبحنا نعمل من ذات المنزل ونعتني بابنتينا. لقد أظهر لنا الحجر أن هناك كثيرا من الأمور بيننا لم تعد منسجمة”.

وتضيف: “عشنا لحظات من الغضب والاختلاف وانتقاد بعضنا البعض. لقد أخذت بعض الأمور على محمل الجد مثل ارتداء قناع الوجه، وتغيير الثياب عند العودة إلى المنزل، والاستحمام. في حين كان رأيه مختلفا. الآن أجد الأمر مضحكا لكننا كنا فعلا غاضبين في تلك الفترة”.

أما ريتشارد، وهو مدير مشاريع، فيقول: “بدأنا بالشجار حول أمو تافهة. كان الحجر المنزلي صارما للغاية ولم نستطع مغادرة المنزل حتى لاستنشاق هواء منعش. أعتقد أنني لم أتقبل كل تلك الصرامة”.

صدمة جماعية

أجرت جمعية “ريليت” البريطانية مسحا في شهر أبريل/نيسان توصلت فيه إلى أن ربع الأشخاص شعروا بأن الإغلاق العام أضاف عبئا على علاقاتهم. وقال ربع الأشخاص إنهم كانوا منزعجين من شركائهم – وكان عدد النساء أكبر ضمن هذه المجموعة.

تقول الجمعية إن الإغلاق العام وضع كثيرا من العلاقات على المحك وتوصل كثيرون إلى “إدراك حقيقة وضع علاقاتهم” سواء كان ذلك الإدراك إيجابيا أو سلبيا.

وتوصل مسح آخر قامت به الجمعية إلى أن 8 بالمئة من الأشخاص قالوا إن الإغلاق جعلهم يدركون أنهم بحاجة إلى إنهاء علاقاتهم، لكن 43 بالمئة منهم قال إن الإغلاق قربهم أكثر من بعض.

تقول الطبيبة فويرمان إنه في كثير من الحالات ضخّم الإغلاق العام الدينامية السائدة في العلاقة. ومنذ فترة وهي تقدم استشارات لأزواج من خلال تطبيق زووم – وأحيانا كثيرة كانوا يتحدثون معها من حديقة المنزل أو من السيارة لإضفاء بعض الخصوصية.

وتقول: “لقد تسبب الوباء بالتوتر للجميع. حدثت صدمة جماعية. لكن بالنسبة للأزواج الذين تمتعوا بعلاقة قوية بالأساس، فإن علاقتهم ازدادت متانة. كانوا يعرفون كيف يستخدمون هذه العلاقة كمصدر دعم في وقت الشدة. أما الذين تأثروا فكانوا أولئك الذين كانوا بالأساس يواجهون مشاكل في علاقاتهم حتى قبل بدء الوباء”.

بالنسبة لرينيه، فإن الإغلاق العام كشف النقاب عن حقيقة تتعلق بزواجها. إذ تقول إنها غالبا ما كانت مشغولة كثيرا لتلاحظ سلوك زوجها الجاف أو غير المعتاد، لكن بسبب الحجر لاحظت ذلك وتفقدت هاتفه.

ورغم اكتشافها موضوع خيانته لها، يبقى الطلاق أمرا غير وارد بالنسبة لها. “حتى وإن اتصلت بوالديّ وبكيت فلن يقبلا بالانفصال أو الطلاق لأنهما مسيحيان مؤمنان. قالا لي إنه علي البقاء مع زوجي مهما فعل”.

وتضيف: “هل أحبه؟ لم أعد متأكدة من ذلك. أتمنى أن يتوقف عن الحديث مع حبيبته. لكني سعيدة أنني عرفت بتلك العلاقة، إذ منحني ذلك راحة البال لمعرفة أن سلوكه القاسي لم يكن خطأي”.

وقال محامو طلاق في بريطانيا والولايات المتحدة إن طلبات الطلاق قد تزايدت بشكل لافت. ففي واشنطن وحدها سجلت شركة محاماة في شهر أكتوبر/تشرين الأول زيادة في الاتصالات قدرها 70 بالمئة مقارنة بأكتوبر من العام الماضي.

نصائح للعلاقات في فترة الإغلاق:

كايت مويلBBC

كايت مويل

تقدم المعالجة النفسية، كايت مويل، من المجلس البريطاني للعلاج النفسي هذه النصائح:

  • خلال فترة الإغلاق العام، يمكن أن يزداد وضوح عادات الشريك التي عادة ما كانت تزعجنا. النصيحة هي محاولة الابتعاد عن الانتقاد أو اللوم للشريك أو الشريكة من خلال استخدام مفردة “أنا” بدلا من “أنت”. فمثلا يمكن القول “أشعر أنني”، بدلا من “أنت فعلت كذا وكذا، أنت جعلتني أشعر كذا وكذا”.
  • قال معظم الأزواج إنهم يمضون كل أوقاتهم معا – لكن قلة فقط من يمضون هذا الوقت على نحو جيد. من المهم أن تكونا واعيين لتخصيص وقت لكما كشريكين، وأيضا أن تخصصا وقتا لكل منكما كفرد مستقل حتى ولو كنتما في ذات المنزل.
  • من الصعب جدا خوض تجربة الانفصال في مثل هذا الوقت. وإن مررت بهذا، فمن المهم التواصل مع الأهل والأصدقاء للحصول على الدعم، وأن تراعي نفسك أيضا من خلال القيام بما يجعلك سعيدا وتشعر بالرضا عن نفسك.

تشير أيضا إحصائيات قادمة من السعودية وإندونيسيا وعدد من المدن الصينية إلى ارتفاع في طلبات الطلاق الرسمية. لكن أستاذ علم الاجتماع في جامعة فيرجينيا، براد ويلكوكس، يحذر من التسرع في التوصل إلى نتائج تتعلق بازدياد عالمي في معدلات الطلاق.

ويوضّح ذلك: “تشير الأرقام التي وصلتنا من أربع ولايات، من أصل خمسة هي موضع البحث، إلى انخفاض معدلات الطلاق فيها. لاشك في أن أحد أسباب هذا الانخفاض هو عدم القدرة على رفع قضايا طلاق بسبب ظروف الإغلاق”.

ولكن بناء على اتجاهات حدثت سابقا في فترات عصيبة مماثلة، مثل الركود الاقتصادي قبل 10 سنوات، يتوقع البروفسور أن كثيرا من الأشخاص سيترددون كثيرا قبل اتخاذ قرار مصيري كالطلاق، في ظل عدم استقرار في حياتهم بسبب الظروف الأخرى المحيطة. “أعتقد أننا سنلاحظ تراجعا في الطلاق عام 2020، وارتفاعا طفيفا عام 2021 عندما تعود الأمور إلى طبيعتها”.

أما بالنسبة للذين انفصلوا بالفعل أثناء الوباء، فإن وضعهم يترافق بتحديات أخرى: كيف سيتعاملون مع تحطم قلوبهم في فترة الحجر؟

في ملبورن، في أستراليا، يجلس الموسيقي كيرون بيات في الغرفة التي تقاسمها طيلة تسع سنوات مع حبيبته. يقول إنهما أثناء بقائهما محبوسين في هذا المنزل، وهما يعيشان وضعا غريبا عن حياتهما العادية، فوقعا في حالة من الروتين.

“تراجع وضعنا بسرعة.. انتقلنا من الحديث عن شراء منزل سوية إلى … مغادرتها. وشعرت بوحدة شديدة”.

ألقى كيرون بنفسه في روتين صارم يتضمن العمل وممارسة تمارين رياضية، لكن ألم الانفصال، إلى جانب إجراءات إغلاق ملبورن الصارمة لمدة 112 يوما، كان له أثر على صحته العقلية.

“عندما انفصلنا، كانت ملبورن تفتح أبوابها مرة أخرى، لكننا عدنا بعد ذلك إلى حالة الإغلاق. وكنت أسأل نفسي: هل يمكن أن يزداد الأمر سوءا؟ وصلت إلى مرحلة من الاكتئاب وبكيت كثيرا”.

“لم يكن الانفصال ما أردته”

في البرازيل، تمكن ريتشارد ورافايلا من إنهاء زواجهما بطريقة ودية وبقيا صديقين، وغادرت رافايلا المنزل إلى مكان بالجوار. ولا يزالان يلتقيان كل يوم ويعتنيان بابنتيهما.

يقول ريتشارد: “جعلنا الحجر نواجه مشاكلنا بشجاعة بدلا من الهرب منها” – تهز رافيلا رأسها موافقة. وتضيف: “لم أكن أود الانفصال. لكني لم أجد بديلا عن ذلك. أعتقد أننا شخصان لطيفان وأعتقد أننا نستحق السعادة”.

ويشاركهما الموسيقي كيرون الأمل في مستقبل أجمل. “يتحسن وضعي مع كل يوم. لكن طبعا تمر عليك أيام صعبة… إن وضعي شبيه جدا بكل هذه الحالة التي تسبب بها الوباء”.

“في بعض الأيام ينخفض عدد الإصابات وفي يوم آخر يرتفع العدد من جديد. علينا المحافظة على الأمل في أن الأمور ستكون أفضل”، كما يقول الموسيقي.

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولك عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com