اللاجئون السوريون: قصص معاناة في مخيمات اليونان وسط مخاوف من فيروس كورونا والتحرش بالنساء

للمشاركة

عصام داود، الطبيب والمعالج النفسي للأطفال والبالغين، ومدير الخدمات النفسية في منظمة الإغاثة الدولية "هيومانتي كرو"

BBC

يبذل الطبيب والمعالج النفسي عصام داود، مدير الخدمات النفسية في منظمة الإغاثة الدولية “هيومانتي كرو”، جهودا لمساعدة اللاجئين السوريين في اليونان

خيم متراصة، وحياة تدب فيها رغم المعاناة. وعلى أرجوحة خشبية معلقة على باب خيمة، تمرح طفلة صغيرة، وهناك طفل آخر يلهو بين الخيام بسيارة خشبية، لكن هذه ليست الصورة الكاملة داخل المخيم الجديد للاجئين بجزيرة ليسبوس في اليونان.

فداخل تلك الخيام التي أقيمت بعد حريق مخيم موريا الشهير، هناك حكايات لا تنتهي عن أشكال المعاناة اليومية.

“حياتنا كلها صفوف وطوابير… صفوف للأكل، وأخرى للشرب، وأخرى لدخول المراحيض”، هكذا تصف اللاجئة السورية أم محمد لبي بي سي حياتها اليومية داخل المخيم الجديد، بعدما أتت النيران على مخيم موريا للاجئين، أكبر مخيم للاجئين في اليونان، الذي كان سكنها الأول.

ففي طوابير المخيم الجديد الطويلة التي تضم آلاف اللاجئين من جنسيات سورية وأفغانية، وأفريقية، وغيرها، يلتقي الجميع، وينتظرون بصبر من أجل الحصول على الطعام، أو المياه، أو حتى قضاء الحاجة.

وعلى شاطيء البحر الذي يطل على المخيم، تستطيع أن ترى أسلاكاً شائكة تطوقه من كل الاتجاهات، ومن هناك تحكي أم محمد عن تجربة لم تعش مثلها قط، فقد كانت تحلم بالسفر لتكمل دراستها، لكنها لم تستطع تحقيق ذلك حتى اللحظة، في وقت لا تتمكن فيه حتى من إلحاق أطفالها بالمدارس.

وتقول أم محمد لبي بي سي: “أول ما نفيق في الصباح، أهم شيء هو تعبئة المياه، لأنها لا تأتي إلا لفترات معينة مرة في الصباح، ومرة في المساء، كما تبعد المراحيض عنا مسافة تبلغ 500 متر، ولا أقدر على الذهاب إلى المغاسل هناك ومعي ملابس بناتي أو الأواني”.

وقد ابتكرت هي ورفيقاتها من اللاجئات بالمخيم طريقة للتعايش مع ذلك الوضع من خلال تخصيص أماكن ملحقة بالخيم للطهي، والاستحمام، في حين يلجأ الرجال للاستحمام في مياه البحر.

وكان البقاء في الخيمة طيلة اليوم حماية لأم محمد ونساء أخريات من التحرش، أو أي اعتداءات جنسية محتملة، كما تقول.

فقد تحدثت إلينا عن وقوع حوادث تحرش جنسي بنساء في مخيم موريا، فضلا عن حوادث اغتصاب.

عائلة مهاجرةBBC

ذكريات حريق مخيم موريا

أتت النيران على مخيم موريا بكامله تقريباً في التاسع من سبتمبر/أيلول هذا العام، وكان المخيم يضم حوالي 13 ألف لاجئ، وانتقدت منظمات الإغاثة الإنسانية الدولية حينها وضع المخيم، نتيجة اكتظاظه باللاجئين، والظروف غير الإنسانية فيه.

وتحدث إلينا أيضا الزوج أبو محمد، الذي لم تفارق تلك الذكريات مخيلته، وقد حكى لنا عن إنذارات وجهت للاجئين قبيل الحريق على يد من وصفهم بـ “ميليشيات وعصابات من داخل المخيم”.

  • مخيم موريا: مأساة عائلة من اللاجئين التهمت النيران خيمتها في جزيرة ليسبوس في اليونان

ويقول أبو محمد إنهم حرقوا المخيم من كل الاتجاهات، مضيفا: “القسم الذي كنا نمكث فيه لم يحترق في البداية، لكن في اليوم التالي، أشاعوا بين الناس أنهم سيأتون على بقية المخيم، كما أنذرتنا عائلة أفغانية كانت تقيم بجورانا”.

وتابع أبو محمد مستعيدا ذكريات مؤلمة في ذلك اليوم: “طلبت من زوجتي تجهيز الأوراق الثبوتية، والأغراض الشخصية لننجو بحياتنا، وبالفعل بعد مغيب الشمس بدأ القسم الذي كنا نقيم فيه يحترق”.

بدا أبو محمد متماسكاً وهو يحكي عن وقوف الرجال حراساً على أبواب المخيمات في مخيم موريا لحماية أسرهم من “سرقات” و”تحرشات جنسية” على يد عصابات من داخل المخيم، كما يقول.

أما أبو هند، وهو لاجيء سوري من المخيم أيضا، فلا يستطيع أن ينسى حريق مخيم موريا حينما كان يهرع لإنقاذ أفراد عائلته من النيران.

وكلما أشعل أبو هند حطبا لطهي الطعام، بسبب انقطاع الكهرباء في المخيم الجديد، تذكر ذلك اليوم الذي لا يزال يثير في نفسه الأحزان.

ويقول: “أن أظل كذلك في الطريق وفوقي السماء، أفضل من أن أكون في مكان قد يتحول إلى سجن في أي لحظة”.

وعلى باب المخيم الجديد، يقف اللاجئ السوري سومر الذي يرفض العيش داخله، ويفضل أن يتخذ من الشارع مأوى له بسبب قلقه على حياته، بعد تجربة حريق مخيم موريا، كما يقول لبي بي سي.

فالشعور بالأمان لديه يكاد يكون “منعدماً”، إذ يثير ذلك الحريق لديه ذكريات سنوات الحرب في شمالي سوريا، حينما اعتقل على يد مقاتلي جبهة النصرة، في وقت كان يخشى فيه الاعتقال على يد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

إحياء مشاعر الصدمة

مهاجرون في مخيمات اللاجئين في اليونانBBC

ويحمل سومر في يده طلقات رصاص فارغة التقطها من الأرض، وهي من مخلفات تدريبات أمنية بالمخيم الجديد، الذي كان معسكراً سابقاً لقوات الأمن اليونانية، كما يقول اللاجئون.

أما عصام داود، الطبيب والمعالج النفسي للأطفال والبالغين، ومدير الخدمات النفسية في منظمة الإغاثة الدولية “هيومانتي كرو” فلم يكن شاهدا فقط على حريق مخيم موريا، بل كان يقدم الدعم النفسي للاجئين أيضا.

ويقول عصام عن حريق مخيم موريا: “بمجرد أن تنتهي من مهمتك في أول خيمة، تشعر أن روحك تكاد أن تخرج مما تراه من الألم”.

ويقول عصام إن الحريق وما أعقبه تسبب في إحياء مشاعر الصدمة والخوف لدى كثير من المهاجرين مرة أخرى ممن فروا من ويلات الحرب في سوريا.

ويتذكر عصام صعوبة إجراء حالات ولادة لنساء صادفت ليلة الحريق وهن يهربن بأنفسهن، كما روى لبي بي سي حالات هلع لنساء أخريات كن مهددات بما وصفه بـ “اعتداءات جنسية”، أو “استغلال جنسي” مقابل الحصول على ما يكفلن به عائلاتهن في مخيم موريا، على يد مجموعات غير معروفة داخل المخيمات.

ويروي عصام كيف كانت النساء يبتن في الشوارع والطرقات وهن ينتقلن من مكان إلى آخر للفرار من الحريق، وقلوبهن تمتلئ بالخوف على ذويهن، حتى إن بعضهن اضطر للنوم في مقابر قريبة من المخيمات.

تحديات الانتقال ووباء كورونا

جمع بعض اللاجئين أغراضهم في حقائب بلاستيكية حين تحركوا من مخيم موريا إلى المخيم الجديد، ومنهم من حمل أغراضه وأطفاله في حاويات للقمامة بسبب صعوبة الطريق، أو على عربات خشبية مصنوعة يدوياً، كما يحكي غياث الجندي لبي بي سي.

يجد اللاجئون صعوبة في الحصول على المياه والطعامBBC

يجد اللاجئون صعوبة في الحصول على المياه والطعام

وغياث هو شاب بريطاني من أصل سوري متطوع لمساعدة اللاجئين في مخيمات اليونان، ويقول لنا إن المخيم الجديد يفتقر للمقومات الأساسية للحياة، وقد بنيت داخله الخيام وتحيطه قوات أمنية وأسلاك شائكة.

ويحاول غياث مساعدة النساء، وخاصة الحوامل، بعدما تعرضن له من معاناة. ويحكي عن سيدات تعرضن للإجهاض بسبب الإرهاق الذي حل بهن خلال رحلة الانتقال إلى المخيم الجديد، ولم يستطعن الحصول على أي خدمات صحية ملائمة.

ويقيم لاجيء سوري آخر – لم يرغب في ذكر اسمه – في خيمة برفقة سبعة لاجئين سوريين وعراقيين، وقد روى لنا مخاوفه من الإصابة بفيروس كورونا بسبب أن خيمته ملاصقة لخيمة خصصت لعزل المصابين بالفيرس، وتحيط بها فقط أسلاك شائكة.

وقد حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري من أن المعايير الدولية لحماية اللاجئين شهدت ضغوطا شديدة في عام 2020، بسبب وباء كورونا.

وقالت جيليان تريغز، مساعدة المفوض السامي لشؤون اللاجئين، إنه في ذروة تفشي الوباء أغلقت 168 دولة حدودها كلياً أو جزئياً، ولم تمنح حوالي 90 دولة أي استثناء للأشخاص الذين يطلبون اللجوء.

كما حذرت من أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومات للتصدي للوباء تراوحت بين إجراءات إنسانية بدرجة كبيرة، وبين أخرى تتسم بالحرمان الكامل، أو الاستخدام التعسفي لسياسة احتجاز المهاجرين.

وقد أثار ميثاق الهجرة واللجوء الذي تبنته أوروبا مؤخراً جدلاً وانتقادات من عدة دول بشأن “التوزيع الإلزامي” لطالبي اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي، وسط وجود كتلة أوروبية بدت منقسمة في هذا الشأن.

وتقول اليونان إنها تكافح بقوة لمساعدة المهاجرين وتطالب الاتحاد الأوروبي بتحمل الأعباء في ظل أزمة اقتصادية تواجهها.

وتنقل اليونان مئات من المهاجرين وطالبي اللجوء منذ الأسبوع الماضي إلى البر الرئيسي، ومن بينهم أبو محمد، الذي انتقل وأسرته إلى إحدى الشقق السكنية، يحدوه الأمل في مستقبل أفضل له ولأبنائه ومن يعانون مثله.


للمشاركة
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com