كيف تُقرأ زيارة رئيس الوزراء العراقي لواشنطن؟

“إن الولايات المتحدة ملتزمة بأمن إسرائيل”، عبارة قالها الرئيس الأمريكي جو بايدن متعمداً أن ينظر أثناء قولها إلى عيون ضيفه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

بدأ بايدن الحديث عن الهجوم الإيراني على إسرائيل مباشرة بعد الترحيب بالسوداني ليظهر التناقض واضحاً بين الرجلين.

فبايدن يؤكد على مشاركة بلاده في الدفاع عن إسرائيل ضد الهجوم الإيراني بينما مواقف السوداني وحكومته معروفة؛ فهي ضد إسرائيل وسياساتها وحربها في غزة.

يرأس السوداني حكومة تسيطر عليها الأحزاب العراقية الأكثر قرباً من إيران. لكن العراق مع ذلك يبقى بلداً مهماً لأمريكا، وقد استطاع السوداني أن يؤمّن هذه الدعوة من بايدن إلى أمريكا وإلى البيت الأبيض رغم الخلافات في الرؤى والمواقف. تحدّث السوداني بما سماه روح الصراحة والشراكة عن ذلك الخلاف في الرؤية تجاه أزمات الشرق الأوسط بين العراق وأمريكا لكنه تحدّث عن الإيمان المشترك بالقانون الدولي والرغبة في إنهاء قتل المدنيين.

جاءت زيارة السوداني في أصعب توقيت ممكن مع هذا التوتر بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى. يتمثل جزء كبير من المهمة السياسية لأي رئيس وزراء في العراق اليوم – في قدرته على إقامة علاقة قوية مع كل من إيران وأمريكا، وكلما توتر الوضع بين واشنطن وطهران أصبحت تلك المهمة أصعب.

كان السوداني وما يزال يأمل في الحفاظ على ما تحقق في السنوات الماضية من استقرار نسبي في العراق أمنياً وسياسياً واقتصادياً مقارنة بالسنوات الماضية التي شهدت حرباً مدمرة مع تنظيم الدولة الإسلامية، وقبل ذلك فترات من العنف الطائفي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

اصطحب السوداني وفداً كبيراً ضم العشرات من الوزراء وكبار الموظفين والمستشارين ورجال الأعمال والمعلقين الإعلاميين وغيرهم. واستجابة لدعوة وجهها لوسائل الاعلام العالمية لحوار مختلف قليلاً عن صيغة المؤتمر الصحفي – ذهبنا إلى مقر إقامته للحديث اليه والاستماع له.

بدا السوداني مرتاحاً رغم صعوبة الظروف التي رافقت الزيارة، فخبرته السياسية ليست قليلة الآن إذ شغل مناصب وزارية متنوعة على مدى السنوات العشر التي سبقت وصوله إلى رئاسة الوزراء.

خيّم موضوع الهجوم الإيراني على إسرائيل على الأسئلة، خصوصاً وأن الهجوم مَر عبر الأجواء العراقية التي دخلت منها الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية في طريقها إلى إسرائيل.

تلقّى رئيس الوزراء العراقي أسئلة كثيرة عن ذلك أجاب عنها موازناً بين ثوابته وبين ما يقتضيه المنهج الدبلوماسي الذي تطورت على أساسه علاقته بأمريكا ليصل إلى زيارتها. ألقى اللوم على إسرائيل ولم يوجه اللوم أو الإدانة بوضوح لإيران لاختراقها المجال الجوي العراقي أثناء الهجوم.

سألته بوضوح عن موقفه من حيث المبدأ من الهجوم، ومن اختراق مجاله الجوي من قبل إيران التي يتمتع معها هو ومجموعته السياسية بعلاقات قوية. أجاب أيضاً بطريقته التي تتجنب المباشرة عن أنه يضع العراق أولاً، وأن هذا هو منهجه في هذه الزيارة، وبأنه يريد تجنيب العراق أي اختراق مماثل أو أن يتحول إلى ساحة للصراع.

قال السوداني أكثر من مرة إن الأراضي العراقية لم تكن منطلَقاً للهجوم. لكنني ذكّرت رئيس الوزراء العراقي بأن بايدن اتهم جماعات عراقية مدعومة من إيران بالمشاركة في الهجوم، وسألتُه إنْ كان بايدن قد طلب منه تغيير سياسته في التعامل مع تلك الجماعات، خصوصاً وأن السوداني لم يتردد في ضم قوى تخضع للعقوبات الأمريكية إلى حكومته وفي الظهور مع شخصيات تخضع للعقوبات الأمريكية علناً.

هنا جاءت اللحظة الأكثر صراحة في حديث رئيس الوزراء العراقي الذي قال إنه لا يحتاج لتلقي النصائح من أحد، وبأن السياسات العراقية يضعها العراق فقط.. كانت تلك لحظة نادرة غادر فيها السوداني خطابه الحريص في هذه الزيارة أو كاد. لكن وبغض النظر عن الخطاب والألفاظ فإن لإيران نفوذاً كبيراً في العراق، ولها حلفاء عراقيون قريبون من حكومة السوداني أو هم فيها.

العنوان الآخر الذي استبق وصول السوداني إلى واشنطن إعلامياً كان فكرة الانسحاب الأمريكي من العراق. إذ يقع رئيس الوزراء العراقي تحت ضغط القوى العراقية القريبة لإيران والتي تريد انسحاباً شاملاً للقوات الأمريكية. لذلك ركزت بعض عناوين التغطيات الإعلامية على فكرة أن السوداني قادمٌ لمناقشة الانسحاب.

لكن تلك القضية أعقد مما تبدو.

فالولايات المتحدة لا تستخدم أبداً مصطلح الانسحاب، إذ يشكّل الوجود العسكري الأمريكي ضماناً لواشنطن على استمرار الوضع العسكري الراهن في العراق وسوريا والذي تحقق بعد الحملة على تنظيم الدولة.

تعرّض السوداني لوابل من الأسئلة الصحفية عن الانسحاب الأمريكي وتفاصيله وعن كونه أمراً تريده إيران أو القوى العراقية المدعومة من إيران، وكان جوابه دائماً يتمثل في القول إن الانسحاب الأمريكي مطلب عراقي أوّلاً وليس مطلباً إيرانياً.

أعاد لأكثر من مرة ما قاله أثناء لقائه بايدن من تذكير بأعمال اللجان العسكرية المشتركة الأمريكية العراقية التي تبحث في تراجع وانحسار تنظيم الدولة الإسلامية، وفي تطور قدرات القوات العراقية، وتدرس الظروف من أجل تحديد موعد إنهاء مهمة قوات التحالف الذي تقوده أمريكا منذ تشكيله لمساعدة العراق في قتال التنظيم قبل عشرة أعوام.

رغم كثرة الأسئلة والأجوبة عن هذا المحور إلا أن السوداني أبى أن يغير خطابه الذي يوازن فيه بين مواقفه ومواقف القوى التي تدعمه في العراق، وبين أمريكا وما تريد.

تحدث السوداني كثيراً عن قناعته بأن القضية الفلسطينية وسياسات إسرائيل فيها وخصوصاً في حرب غزة تمثل المعضلة الأساسية التي تمنع الاستقرار في الشرق الأوسط. لكن فيما يخص العراق تحديداً قال إنه يريد تجنب تحول بلده إلى ساحة للصراع، وبأنه يتحدث مع إيران من جهة ومع أمريكا من جهة أخرى من أجل ضمان ذلك. استفاد السوداني كثيراً من الاستقرار النسبي في العراق، وانخرطت حكومته في خطة إنفاق كبيرة شملت مشاريع بدأت تظهر ملامحها في بغداد وأماكن أخرى راسمةً صورة مختلفة نوعاً ما للعراق. ما زالت الخلافات السياسية موجودة، وما زالت هناك مشاكل كبرى مثل الفساد الهائل الذي يدخل في مفاصل الحكومة على مستوياتها المتعددة.. وما يزال الاقتصاد العراقي معتمداً بشدة على النفط دون خطط تنمية حقيقية.. وما زالت نسبة الفقر واضحة في المجتمع، لكنّ هنا تغييراً يتحدث عنه مَن يزور العراق ويتحدث للناس العاديين. يأمل السوداني أن يتحول هذا التغيير إلى إنجاز سياسي يطبع فترته في رئاسة الحكومة التي قد يحلم أيضاً بأن يلحقها بفترة أخرى، لكن نجاح زيارته وتحقيق أهدافه سيعتمدان على نفس المعادلة التي تعامل معها أسلافه من رؤساء الحكومات في العراق طوال العقدين الماضيين – وهي معادلة إرضاء إيران وأمريكا معاً.

مسؤلية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.
مواضيع تهمك

Comments are closed.