حرب أوكرانيا: كيف يبدو العيش من دون ماء في بلدة منكوبة بعد انهيار سدّ كاخوفكا العملاق؟

في بلدة مارهانتس المتضررة من انهيار السد

BBC

في بركة مياه ضحلة قليلة الملوحة، على مقربة من الخطوط الأمامية لأوكرانيا، كانت سمكتان صغيرتان تلهثان وتتخبطان في حرارة منتصف النهار.

وحولهما، نشرت الشمس أشعتها على مساحات واسعة من الطين والصخور، بعد أن كانت المياه تغمرها على مدى 75 عاماً.

وانزلقت ثعابين المياه والضفادع عبر المياه الضحلة وكأنها تبحث عن ظلّ.

بعد مرور أسبوعين على تدمير السد الذي يعيق نهر دنيبرو ليشكّل خزان كاخوفكا العملاق، في عملية يشتبه بأنها “تخريبية” روسية، اندفع نحو 18 كيلومترا مكعبا من المياه باتجاه الجنوب لتختفي في البحر الأسود.

قال أناتولي ديركاش، أمين عام مجلس بلدة مارهانتس الواقعة على الساحل الغربي للسدّ: “إنها كارثة. جُرف كل شيء. الغزلان والخنازير البرية والأسماك والعديد من الأنواع المهددة بالانقراض. وأصبح نحو نصف مليون شخص حاليا بلا ماء”.

ونظر ديركاش من مكتبه في الطابق الرابع نحو ظلال أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا. ويقع مصنع زابوريجيا بمفاعلاته الستة تحت سيطرة الاحتلال الروسي. ومع اختفاء المياه، بدا المصنع – على بعد حوالي 10 كيلومترات – أقرب بكثير.

وقال بحسرة: “إنهم يقولون إنه (المصنع) سيكون لديه ما يكفي من المياه في خزاناته لستة أشهر تقريبا. لكننا لسنا متأكدين”. وذكر كلمة تحذير لا مفر منها، “تشيرنوبيل”، للتذكير بانفجار مفاعل المحطة النووية في أوكرانيا خلال حقبة الاتحاد السوفييتي عام 1986، مما تسبب في أكبر حادث تسرب نووي على الإطلاق.

طابور السكان للحصول على الماء في بلدة مارهانتس

BBC
الاصطفاف في انتظار الحصول على الماء في بلدة مارهانتس

في غضون ذلك، تستهدف المدفعية الروسية بلدة مارهانتس الصغيرة الواقعة على تلة مشرفة على الخزان.

وقال ديركاش: “إنهم يراقبوننا بالطائرات المسيّرة. إن رأوا أكثر من خمسة أشخاص في مكان واحد، يبدأون بالقصف”.

ومع إفراغ الخزان، وانقطاع إمدادات المياه الآن، اضطر مجلس البلدة لإنشاء نقاط توزيع حول البلدة. وتقف لوليا المتقاعدة من وظيفتها في طابور من أكثر من عشرين شخصا بجانب مجموعة من الصنابير وخزان من البلاستيك كبير في وسط البلدة.

وقالت: “كيف تعتقد أنني أشعر الآن؟ أسير في الأرجاء مثل الحمار، مجبرة على حمل الماء”. أما جارتها نينا البالغة من العمر 70 عاماً فقالت: “هذه ليست حتى مياه للشرب. أنا خائفة من المستقبل. لا أرى أي طريق للخروج من هذا”.

وتخطط مارهانتس والبلدات المجاورة لحفر قنوات جديدة تربطها بخزانات أخرى. لكن العديد من السكان غادروا، وأُجبرت المناجم المحلية والمصانع الأخرى على الإقفال.

ويحاول المزارعون المحليون الآن الوصول إلى آبار قديمة وجداول أخرى صغيرة لإيجاد مصادر بديلة للماء.

وأخذ إيفان زاروسكي (56 عاماً) استراحة قصيرة، بعد تجميع أكوام القش قي مقطورة مع مجموعة من الأقارب والجيران في حقل خارج البلدة. وقال: “لا أعلم بماذا كان الروس يفكرون من وراء ذلك. فالبيئة ستعاني. وسيكون الأمر صعباً علينا جميعا”.

وأضاف مبتسماً: “الأمر الأهم هو أن محطة الطاقة النووية لم تنفجر. لكننا سننجو من كل هذا. ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه، لذلك ليس لدينا خيار”.

وقد نفت موسكو أي علاقة لها بتدمير سد كاخوفكا في الأراضي التي تحتلها روسيا، واتهمت أوكرانيا باستهدافه بالصواريخ.

 إيرينا وإفغيني -  بلدة مارهانتس جنوب أوكرانيا

BBC
وصلت مياه الفيضانات إلى سطح منزل إيرينا وإفغيني

أما جنوباً، خلف السدّ المدمرّ، تراجعت حدة تدفق مياه الفيضانات إلى حدّ كبير. وذلك بعد أن اجتاحت دون سابق إنذار مدينة خيرسون الساحلية وبلدات صغيرة، وتسببت بمقتل عشرات الأشخاص وأجبرت الآلاف على الفرا ر.

وقالت لنا المعلمة المتقاعدة إيرينا، 73 عاماً: ” “نحن مثل الفئران – نستطيع النجاة من أي شيء”.

كانت هي وزوجها إيفغيني يسحبان ببطء المحتويات المبللة من كوخهما الصغير إلى الخارج.

في وقت من الأوقات، وصلت مياه الفيضان إلى سطح منزلهما في شارع تشايكوفسكي، بالقرب من نهر دنيبرو في وسط خيرسون. ولكن الآن لم يبق سوى عدد قليل من البرك الكبيرة في الخارج، إلى جانب العديد من القوارب الصغيرة التي استخدمت أثناء الفيضانات.

قال إيفغيني: “حدث ذلك على الأقل في بداية الصيف. ما زال لدينا الوقت لتجفيف الأشياء في الخارج”.

باكرا في صباح ذلك اليوم، انفجرت عدة قذائف مدفعية في وسط خيرسون، وأصابت العديد منها هذا الحي في الساعات والأيام اللاحقة، أطلقتها مواقع روسية من الضفة البعيدة. وكانت القوات الأوكرانية تمنع السيارات من الاقتراب من النهر، وبدت معظم أنحاء المدينة مهجورة.

أتت أوكسانا لمساعدة أهلها المسنين في شارع تشايكوفسكي للتنظيف بعد الفيضان. وقالت: “كان ذلك اليوم رائعا”، وكانت تشير إلى الأنباء عن الهجوم الأوكراني المضاد.

قالت أوكسانا: “شبابنا يقوم بعمل عظيم. يمكننا أن نقول من يطلق النار وأين. شبابنا حققوا نجاحات كبيرة ضد المواقع الروسية.

وقد هوى والدها، البالغ من العمر 78 عاما، على كرسي بجانبها. وكان يعمل على ركبتيه لإفراغ أجزاء خزانة قديمة من المياه.

وقالت أوكسانا: “لقد ولد هنا. قضى حياته كلها هنا. معظم الناس الذين بقوا في هذا الحي هم من كبار السن. لن يذهبوا إلى أي مكان”.

مسؤلية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.