لبنان.. صراع «فجوة الخسائر» لا يُطَمئن مودعي البنوك

أضفت مجموعة من أكبر المصارف اللبنانية البُعدَ القضائي على نزاعها المستمرّ مع الدولة في شأن توظيفاتها المحتجَزة في البنك المركزي، والتي تحول دون تمكينها من سداد الحقوق المتوجبة للمودعين لديها، في حين تنشغل الحكومة بمعاودة صوغ مندرجات مشروع قانون لإصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها يخلو من أي إشارة لمصير هذه المستحقات.
ومن جديد، يبدو المَشهد «سوريالياً» في ما خص المقاربات ذات الصلة بمعالجة الفجوة المالية التي تعانيها البلاد، والمقدَّرة رسمياً وبتأييدٍ من صندوق النقد الدولي بنحو 73 مليار دولار. وللعام الخامس على التوالي، يستمرّ الجدال العقيم بدءاً من تعريفها الرسمي كخسائر محتّمة ينبغي عزْلُها بعملية «شطبِ» العجز في ميزانية البنك المركزي، في تَجاوُزٍ للواقع القانوني لكونها ديوناً مستحقة لمصلحة المصارف جرى توظيفها من مدّخرات وحقوق المودعين.
وتكشف هذه المعطيات المكامن الواقعية للفجوة العالقة، والتي تشي بالمصير «الخاسر» بالاقتطاع أو بالإنكار للجزء الأكبر من حقوق نحو 1.5 مليون مودع من مقيمين وغير مقيمين، ومن لبنانيين وغير لبنانيين جلّهم من الأشقاء العرب أفراداً ومؤسسات، لا يزالون يحوزون قيوداً مثبتة تناهز 92 مليار دولار كمدخرات وجنى أعمار لدى الجهاز المصرفي.
وقد فرض ارتفاعُ مخاوف المصارف من «تهريبٍ محتمل» لتشريع موجبات إعادةِ هيكلةٍ تغفل الإقرارَ بالذمم المالية العائدة لها ضمن توظيفاتٍ ممتدة تبلغ أكثر من 85 مليار دولار لدى البنك المركزي، مسارعة 11 مصرفاً الى عملية «ربْط نزاع» قانونية تحتكم الى مسؤوليةٍ الدولة عن تغطية أي عجز في ميزانية المركزي سنداً الى المادة 113 من قانون النقد والتسليف التي تمنح الدولة حق الحصول على الأرباح المحققة، بالتوازي مع النص الصريح بأنه «اذا كانت نتيجة سنة من السنوات عجزاً، تغطى الخسارة من الاحتياط العام. وعند عدم وجود هذا الاحتياط او عدم كفايته تغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة».
وفيما بدا انه قَطْعٌ مُحْكَمٌ لمسارِ وضْع القطاع المصرفي تحت ضغوط إعادة الهيكلة ذاتياً تحت طائلة «التصفية» للمؤسسات العاجزة عن استعادة الملاءة المطلوبة، عمّمت جمعية المصارف النصّ الكامل لمذكرة ربْط نزاع تَقَدَّمَ بها المحاميان أكرم عازوري وإيلي شمعون، بوكالتهما عن 11 مصرفاً عاملاً يشكلون الكتلة الأكبر لاجمالي القطاع، وموجَّهة الى وزارة المال لإلزام الدولة اللبنانية بتنفيذ موجباتها القانونية والتعاقدية تجاه مصرف لبنان عن طريق التسديد الفوري الى «المركزي» للمبالغ المستحقة بذمتها تجاهه، وتحت طائلة اللجوء إلى القضاء الاداري.
وفي الخلاصة الرقمية، نصت المذكرة على مطالبة الدولة بسداد دينها الى مصرف لبنان والبالغ نحو 16.6 مليار دولار، وسداد نحو 51.3 مليار دولار، لتغطية خسائر المصرف الظاهرة في ميزانيته لسنة 2020 تطبيقاً لقانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 113 منه. كذلك تغطية زيادة العجز في المصرف عن عاميْ 2021 و2022، من خلال اتباع طريقة الاحتساب التي اتبعتها شركة التدقيق الجنائي الدولية «الفاريز اند مارسال» في تحديد الخسائر حتى العام 2020.
وفي البُعد القانوني، استندت المذكرة الى معادلةٍ متوازية لايفاء الحقوق. فالمصارف المستدعية هي دائنة لمصرف لبنان ومتضرّرة من عدم مطالبته الدولة اللبنانية بديونها. ولذا فهي تنشد إلزام الدولة بسداد ديونها والتزاماتها الى «المركزي» كي يتمكّن بدوره من سداد التزاماته الى المصارف، وبالتالي تتمكّن هي من إعادة أموال المودعين.
ودعمت هذا البُعد، بارتكازِ المذكرة في حيثياتها على ميزانيات مصرف لبنان، وعلى نتائج التدقيق الجنائي الذي أصدرتْه الفاريز اند مارسال (Alvarez &Marsal)، وعلى التدقيق المحاسبي الذي أصدرته اوليفر وايمن Oliver Wyman، بناء على طلب من الدولة اللبنانية.
وبعد سرد مفصّل للطريقة التي أدّت الى تجميع الخسائر في البنك المركزي من خلال استخدام الدولة للأموال، أكدت المصارف المتضررة أن توظيفاتها المالية هي أموال المودعين التي أودعتْها في مصرف لبنان، سواء بإرادتها أو بقوةِ التعاميم والقرارات التي كان يُصْدِرُها المركزي وهي مُلْزِمَة للمصارف.
وفي النتيجة، يرسي رئيس جمعية المصارف سليم صفير معادلةً صريحةً مفادها «أن الودائع مؤمَّنة بالكامل إذا قامت الدولة بتنفيذ موجبها القانوني بتغطية العجز في المصرف المركزي وفق القوانين المرعية، لا سيما المادة 113 من قانون النقد والتسليف». وعليه، «فإن معالجة هذه المطلوبات تقع على عاتق الدولة التي أودت بممارساتها وعجوزاتها المالية المتراكمة الى إيجاد عجز كبير في ميزانية مصرف لبنان
الرإي

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

مواضيع تهمك

Comments are closed.