من “التغريبة” إلى “أنا القدس” كيف تناولت الدراما العربية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

“تمكنت القوى الناعمة من إيصال رسائل لا تستطيع القوى والوسائل الأخرى تأديتها كونها تسكن البيوت والعقول”

واسع هو عالم الدراما، ومساحة الخيال فيه تكاد تكون بلا حدود. فكل ما على الكاتب فعله، أن يطلق العنان لأفكاره ومخيلته ليخرج بسيناريو يجسده فيما بعد ممثلون وممثلات يقفون أمام الكاميرات، معرضون بطبيعة الحال للوقوع في فخ الأخطاء الإخراجية. أو ربما، قد يرتجلون بعض النصوص لإخراج أنفسهم من مأزق النسيان. لكن من يلاحظ؟ فهو أصلاً مسلسل خيالي.

لكن، ماذا لو لم تكن هذه المسلسلات من وحي الخيال؟ ماذا لو كانت تبنى على قصص حقيقية عاشها وعايشها من كتب القصة؟ فالخروج عن النص وقتها، يصبح تزييفاً للحقيقة، والأخطاء الإخراجية التي من الممكن أن يقع فيها أي مخرج آخر، تتحول إلى اتهامات بتحريف التاريخ.

في الدراما العربية التي تناولت القضية الفلسطينية، هذا هو الحال. يرافق المخرج الفلسطيني شعور بالمسؤولية لإيصال ما عايشه في وطنه، ويحاول ذلك من خلال إنتاج مسلسلات وأفلام تحاكي ماضيه “المرير”، كما يصفونه.

والعديد من هذه الأعمال الدرامية التي كتبها وأنتجها وأخرجها وجسد شخصياتها فنانون وأدباء عرب رسخت في ذاكرة المشاهد العربي، لا بل شكل بعضها المصدر الوحيد لتشكيل الموقف من القضية الفلسطينية لأجيال من المشاهدين العرب. نستعرض فيما يلي أبرز هذه الأعمال.

التغريبة الفلسطينية

يكاد يكون مسلسل التغريبة الفلسطينية الذي عُرض للمرة الأولى عام 2004، من تأليف الكاتب وليد سيف، وإخراج الراحل حاتم علي، أهم الأعمال الدرامية الفلسطينية حتى يومنا هذا. ولا يزال يشكّل المسلسل حتى اليوم، مرجعاً للعديد ممن لا يعرفون أسباب نشوب الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وحصل المسلسل على العديد من الجوائز، بما في ذلك أفضل كاتب سيناريو للكاتب وليد سيف، وجوائز عن أفضل ممثل وممثلة للنجم السوري جمال سليمان والأردنية جولييت عواد.

لم يلخّص “التغريبة” تاريخ تلك المرحلة فحسب، بل استعرض كذلك الحياة الاجتماعية الفلسطينية بطبقاتها المختلفة، فضم الفلاح والعامل والشاعر والمثقف والثائر وحتى “الخائن” لوطنه.

يروي المسلسل قصة أُسرة فلسطينية تكافح من أجل البقاء في ظل الانتداب البريطاني ثم خلال ما يعرف بالـ”النكبة” عام 1948، مروراً بما يعرف بالـ”نكسة” عام 1967م.

يقول الفنان جمال سليمان الذي لعب دور أبو صالح في مسلسل التغريبة الفلسطينية، لبي بي سي: “التغريبة الفلسطينية كانت من المحطات الكبيرة في حياتي المهنية وشخصية أبو صالح كانت بالنسبة لي آسرة وهي التي قادتني ولست أنا من قادها. لقد تركت في روحي أثراً لا يزول، وفي كل موقف عشت هذه الشخصية كنت أغرق بتفاصيل مشاعرها”.

وتقول الصحفية والناقدة السينمائية عُلا الشيخ لبي بي سي: “في مسلسل التغريبة الفلسطينية على سبيل المثال لا الحصر، يظهر التناقض بين الحنين للوطن والحاجة إلى التكيف في بيئة جديدة، مما يلقي الضوء على تحديات الاندماج الثقافي وحلم العودة، وهو يحاكي ما تعيشه مدينة غزة من محاولة خلق نكبة جديدة ودفع الشعب الفلسطيني لهجرة ثانية، لذلك كانت عودة المسلسل بحواراته في هذه الفترة يتناسب مع الحالة الفلسطينية، ويحاول ان يوصل الفكرة لمن لا يريد أن يفهم”.

وتضيف: “هذا العمل تحول الى حالة توثيقية من الصعب إلغاؤها، أهميته تكمن أنه بات كمرجع أساسي للحديث عن النكبة الفلسطينية، و تعتمده عائلات وحتى مناهج مدرسية لتعريف أبنائهم م وطلابهم كوثيقة لتسهيل الحديث عن تلك الحقبة، هنا المعنى الحقيقي لتأثير الفن الممتد”.

الاجتياح

كان مسلسل الاجتياح، أول عمل عربي يحصل على جائزة إيمي العالمية في تاريخ الدراما العربية. وتدور أحداثه في مدينة جنين الفلسطينية خلال اجتياح القوات الإسرائيلية للضفة الغربية.

وجسّد المسلسل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، المُدرس خالد، والمُعتقل أمجد، والمُطارد مصطفى، والمُمرضة حنان، بالإضافة إلى شخصيات مستقاة من الواقع الفلسطيني.

يقول كاتب المسلسل رياض سيف لبي بي سي: “لم تأت كتابة المسلسل من باب الإلهام، فالإلهام يأتي من التخيل للحدث، بل أتى من معايشتي لحظة بلحظة لما كان يجري على الأرض حيث كنت اعيش في رام الله وسط المعارك، وأرى بعيني الموت والدمار”.

أما في ما يتعلق بقصة الحب التي تناولها المسلسل، والتي جمعت بين مصطفى الفلسطيني، ويائيل اليهودية، يقول سيف: “أصداء المسلسل كانت متناقضة في بعض الأحيان، البعض القليل دقق في مسألة علاقة بطل العمل مع اليهودية واعتبرها تطبيعاً، لعدم إدراكه لمعنى رسالة الدراما أو التدقيق في تفاصيل الشخصيات وعدم التفريق بين أن تكون الشخصية اليهودية في الأصل عربية وغير صهيونية.” ويضيف: “أما بالمجمل العام، اعتبروا أن الاجتياح أيقونة الدراما العربية على الإطلاق، وأنا قصدت أن يكون هذا العمل موجهاً للعالم”.

ويقول سيف: “مثل هذه الأعمال هي قوة ناعمة تفوق في مفعولها أعتى الأسلحة المدمرة كونها تغير في المفاهيم، وتوعي الجماهير حول حقائق لم تُعرف من قبل”.

عائد إلى حيفا

يتناول المسلسل قصة عائلة فلسطينية اضطرت إلى ترك ابنها الرضيع وحده في المنزل عند وقوع حرب عام 1948. وهو مسلسل مأخوذ عن قصة الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني “عائد إلى حيفا”.

عمل المسلسل على تأريخ يوميات سقوط حيفا عام 1948 من خلال عرضه لأحداث تعرض مصير الكثير من العائلات الفلسطينية، وسلط المسلسل الضوء على قصة المدرس الفلسطيني سعيد وزوجته صفية اللذين فقدا ابنهما الرضيع، خلدون، الذي تُرك وحيداً في منزله.

وبعد مرور 20 عاماً، سُمح لسعيد وصفية بالدخول إلى حيفا، لتبدأ صفية رحلة البحث عن ابنها خلدون. يحاول زوجها اقناعها بعبثية البحث عنه، ليجدانه في منزل لعائلة يهودية، وبات خلدون يحمل اسم “دوف” اليهودي، المجند في الجيش الإسرائيلي.

يقول الفنان جمال سليمان لبي بي سي: “بدأت حياتي الاحترافية بتقديم شخصية خلدون في فيلم عائد إلى حيفا عن رواية الراحل غسان كنفاني و إخراج قاسم حول عام 1980. أحب التاريخ وأؤمن أننا يجب أن نعيد قراءته وخاصة من خلال الأعمال الفنية التي تصل لشرائح واسعة ومختلفة من الناس، وأحب أن أكون جزءاً من ذلك”.

وجه الزمان

هو مسلسل من إنتاج التلفزيون الأردني عام 1988، عن قصة للكاتب الأردني طاهر العدوان، وشارك في بطولته معظم نجوم الشاشة الأردنية منهم زهير النوباني، شايش النعيمي، جولييت عواد، وغيرهم.

يتحدث عن انتقال الناس من حياة البداوة إلى الفلاحة وكيف تغيرت من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في إطار القضية الفلسطينية وهجرة الفلسطينين إلى الأردن وكذلك عن دور الجيش الأردني في حرب 1948.

وتدور أحداث المسلسل حول واقع عايشته عائلة الكاتب وعشيرته في تلك الفترة، وتفاصيل احتضان عائلته للاجئين فلسطينيين هُجروا عام 1948 من أراضيهم، ومقتل والده خلف عبد العزيز الوريكات العدوان على يد الجيش الإسرائيلي.

تقول الصحفية والناقدة السينمائية عُلا الشيخ: “يمكن أن تشكل هذه الأعمال مصدر إلهام يؤثر في تشكيل وجهات نظر الجمهور، ويمكن للتمثيل القوي والسيناريوهات المعقدة أن تترك أثراً عميقاً في فهم الناس للقضايا الاجتماعية والسياسية، وقد تؤدي إلى تحفيز التفكير والنقاش في المجتمع.”

أنا القدس

يرصد العمل فترة زمنية حاسمة في تاريخ القدس بدأت منذ عام 1917 وصولاً إلى عام 1967. إلى جانب التركيز على مصير مجموعة من الفلسطينيين الذي تأثروا بهذه التحولات السياسية والاقتصادية التي أفقدتهم أراضيهم وأهاليهم.

صُوّر المسلسل في بلدة مشتى الحلو بمدينة طرطوس السورية، وهو من تأليف باسل الخطيب وشقيقه تليد الخطيب، وبطولة نخبة من الممثلين أبرزهم عابد فهد، كاريس بشار، صبا مبارك، وفاروق الفيشاوي.

وتتداخل الوثيقة التاريخية في المسلسل مع النسيج الدرامي للعمل الذي يروي مجموعة من الحكايات التي تتطور مصائر شخصياتها بالتوازي مع الوقائع، في نص مأخوذ عن رواية كتبها باسل الخطيب مطلع تسعينيات القرن الماضي وحملت عنوان “أحلام الغرس المقدس”.

تقول الصحفية والناقدة السينمائية عُلا الشيخ: “عندما تبرز هذه الأعمال قضايا العدالة الاجتماعية والهوية الوطنية، يمكن أن تلهم المشاهدين وتحفزهم على التفكير بعمق في هذه القضايا، ويمكن للشخصيات والقصص أن تخلق تأثيراً عاطفياً يعزز التواصل بين الفلسطينيين والجمهور العالمي، وخاصة بعد انتشار المنصات العالمية مثل نيتفليكس الذي يحتفي بأعمال درامية تدعم رواية الاحتلال، وهي أعمال فاقت التوقعات بنسب المشاهدة، لذلك حرب الصورة الذي يتجسد حاليا والذي ساهم في تعريف العالم بعدالة القضية الفلسطينية والذي كشف زيف كبرى المحطات الإعلامية في طريقة تناولها ، يؤكد على أهمية ضرورة دعم إنتاجات تحكي فلسطين، بلغات متنوعة.”

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

مواضيع تهمك

Comments are closed.