الإضراب عن الطعام في تونس “آلية مضنية للاحتجاج”

أنصار ائتلاف جبهة الإنقاذ الوطني التونسي المعارض يحملون لافتات طبع عليها صور السجناء السياسيين، خلال احتجاجهم على اعتقال بعض قادتهم وغيرهم من المنتقدين البارزين للرئيس التونسي في العاصمة التونسية، نهاية شهر سبتمبر الماضي.

EPA

يشنّ قادة سياسيون تونسيون يقبعون وراء القضبان في القضية التي اصطلح إعلاميا على تسميتها بقضية “التآمر على أمن الدولة” إضرابا عن الطعام، احتجاجا على استمرار حبسهم دون محاكمة. وتُعتبر هذه الآلية السلمية للمعارضة إحدى أبرز الآليات التي لجأ إليها معارضون تونسيون للحكومات المتعاقبة، منذ منتصف القرن الماضي، للتعريف بمحنتهم، وإن أدّى ذلك إلى حالات وفاة.

يتذكر زعيم حزب العمال، حمة الهمّامي، تاريخ 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2005. كانت تونس تستعد حينها لاحتضان القمة العالمية لمجتمع المعلومات الذي تنظمه الأمم المتحدة. دفع نظام الرئيس الراحل، زين العابدين بن علي، بكل إمكانياته الدعائية لإنجاح المؤتمر. لكنّ إضرابا عن الطعام شنّه سياسيون يساريون وإسلاميون وصحفيون وحقوقيون انتزع الاهتمام بالقمّة.

“كان إضرابا ناجحا لفتنا فيه النظر إلى وضع الحريات في البلاد.” لكنّ الهمّامي، الذي قضّى ما مجموعه 200 يوم من الإضراب عن الطعام طيلة مسيرته السياسية، يشدّد على أنّ هذه الخطوة لم تكن كسابقاتها التي خاضها وراء القضبان.

ويروي القيادي اليساري، في حوار مع بي بي سي، أنّ أوّل إضراب عن الطعام شنّه كان عام 1974، احتجاجا على إعلان الرئيس التونسي الراحل، الحبيب بورقيبة، رئيسا مدى الحياة. “صُعق مسؤول السجن، يومها، بسبب موقفي وزميلي الراحل، الصادق بن مهني.”

ويتابع الهمّامي: “الإضراب الثاني أطلقناه بعد عام ودام 22 يوما وكنا ثمانية من المعتقلين اليساريين وحققنا جملة من المطالب من بينها الطبخ في الزنزانة والحصول على الكتب.”

تاريخ من الإضرابات عن الطعام

وأشار محدّثي إلى أنّ الجامعة التونسية شهدت عددا من الخطوات المماثلة، بداية سبعينيات القرن الماضي. ولعلّه من الصعب تأريخ مسار الإضرابات عن الطعام. ويذكر المؤرخ التونسي، محمد ضيف الله، أنّ طلبة جامع الزيتونة قد أقدموا على تلك الخطوة، في عام 1950، حين ضغطت سلطات الاستعمار الفرنسي على الإدارة التونسية لتغيير المناهج التعليمية.

ويضيف ضيف الله أنّ الوضع الكارثي في المحتشدات، غداة اندلاع المقاومة المسلّحة للاستعمار الفرنسي، قد دفعت بالمناضلين التونسيين إلى الدخول في إضراب عن الطعام.

ومن باب التندّر، تذكر المحامية والناشطة النسوية التونسية الراحلة، جيزيل حليمي، في مذكّراتها أنّها شنّت إضرابا عن الطعام لمطالبة عائلتها بحقّها في المطالعة، أتبعته بإضراب ثان للكفّ عن ترتيب غرفة شقيقها.

زعيم حزب العمال حمة الهمّامي (وسط) خلال تظاهرة في العاصمة تونس عام 2022

Getty Images
زعيم حزب العمال حمة الهمّامي (وسط) خلال تظاهرة في العاصمة تونس عام 2022

ويُعدّد الهمّامي سلسلة الإضرابات التي خاضها فيضيف إلى جانب عامي 1974 و1975، “لجأت للآلية ذاتها سنوات 1992 و1994 و2002 و2003،” قبل أن يستدرك: “لم أعد أستطيع أن أحصيها.”

ويذكر الكثير من التونسيين كيف أنّ الرئيس الراحل، زين العابدين بن علي، خرج في ربيع عام 2000، محاطا برؤساء تحرير صحف محلية، ليرفض طبقا من الحلويات قدّمه له أحد خدم القصر الرئاسي وهو يقول مستهزئا: “أنا أيضا في إضراب عن الطعام.” كان ذلك المشهد الشهير ردّا على إضراب الصحفي، توفيق بن بريك، عن الطعام، احتجاجا على إيقافه.

“كان نظام بورقيبة يخشى الإضرابات عن الطعام أما نظام بن علي فيخشى الإضرابات المفتوحة عن الطعام،” يؤكد الهمامي، الذي يتذكر كيف أنّه وُضع، في السبعينيات، في مصحّة السجن، بينما حاول حراس السجن، مدعومين بطبيب، إرغامه على شرب الحليب، في التسعينيات.

“شرّ لا بدّ منه”

ورغم رحيل نظام بن علي، غداة ثورة شعبية اندلعت نهاية عام 2010، فإنّ الإضراب عن الطعام لا يزال إحدى آليات المقاومة السلمية في تونس. وفي أعقاب هجوم متشددين على مبنى السفارة الأمريكية في تونس، في سبتمبر 2012، ألقت السلطات القبض على عشرات الناشطين السلفيين.

وشنّ بعضهم إضرابا عن الطعام احتجاجا على ما اعتبروه “عقابا جماعيا.” وقضى السجينان السلفيان، البشير القلي ومحمد البختي، بعد امتناعهما عن الأكل لنحو شهرين، رغم حملة للإفراج عنهما، بعد تدهور حالتيهما الصحية. وطالبت هيئات حقوقية وزير العدل آنذاك، نور الدين البحيري، بالاستقالة. ومن المفارقات أنّ البحيري ذاته شنّ إضرابا عن الطعام، نهاية عام 2021، احتجاجا على سجنه. ومع تدهور وضعه الصحي، ردّ الرئيس التونسي، قيس سعيد، قائلا: “إن كان يريد أن يجعل من نفسه ضحية فهو حرّ.”

ويقول حمة الهمامي إن السجين لا يملك سوى جسمه للتعبير وراء القضبان للردّ على المظالم، ملاحظا أنّ الإضراب عن الطعام لم يتوقف، يوما، عند المعتقلين السياسيين، بل امتدّ إلى سجناء الحق العام.

قصة متواصلة

“هي طريقة للفت الانتباه،” يؤكد الرجل، مضيفا أنّه “ما من أحد يخرج من هذه التجربة سليما معافى. لكن، قد يكون ذلك ثمنا مستحقّا لمكسب ما.”

وانضمّ القادة السياسيون عصام الشابي وعبد الحميد الجلاصي وغازي الشواشي وخيام التركي إلى الناشط السياسي، جوهر بن مبارك، الذي بدأ، الأسبوع الماضي، إضرابا عن الطعام، احتجاجا على استمرار حبسه دون محاكمة في قضية “التآمر على أمن الدولة.” وكان زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، قد أضرب عن الطعام ثلاثة أيام، تضامنا مع بن مبارك. وذكرت هيئة الدفاع عن السياسيين الموقوفين أنها “تتفهم الظروف التي دفعتهم لهذا القرار الخطير رفضا للـظلم واحتجاجا على توظيف القضاء في خصومة سياسية.”

https://twitter.com/SMGhannoushi/status/1707724837563539717

https://twitter.com/AymanNour/status/1708820816358502635

ويتذكر الهمامي كيف أن رفيقة دربه الناشطة اليسارية، راضية النصراوية، شنت إضرابا عن الطعام عامي 2002 و2003، بما مجموعه نحو 90 يوما “وهي مثخنة بالأمراض.”

“يكذب من يقول إنّ الإضراب عن الطعام لا يترك أثرا،” يختم الهمامي الحوار.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

مواضيع تهمك

Comments are closed.