نجم البوب الياباني الراحل جوني كيتاجاوا: يحظى بالاحترام رغم اتهامه بالتحرش الجنسي

تقارير إخبارية يابانية عن وفاة جوني كيتاجاوا في يونيو 2019

Getty Images
النظام الذي أنشأه كيتاجاوا أتاح له القدرة على السيطرة على فئة واسعة من الشباب الذين باتوا يعرفون باسم “المجندين الصغار”

يعد جوني كيتاجاوا نجم البوب الياباني من الذين أسسوا لصناعة الموسيقى في البلاد، إذ قام بتأسيس شركة المواهب اليابانية المعروفة باسم “جوني وشركاؤه” التي أنتجت سلسلة من الفرق الموسيقية الناجحة. وحقق النجم الراحل الرقم القياسي العالمي كصاحب أكثر الحفلات الموسيقية وأكثر الأغاني الفردية التي حصلت على المرتبة الأولى من إنتاج شخص واحد.

لكن مزاعم الاستغلال الجنسي أعاقت مسيرة كيتاجاوا، فلم تكن هذه مجرد همساتٍ خلف أبوابٍ مغلقة، حيث طُرحت هذه المزاعم في الصحافة المحلية وتم إثبات بعضها في إحدى المحاكم المدنية، إلا أن ذلك لم يمنع كيتاجاوا من الاحتفاظ بمكانته والاحترام الذي يحظى به بين الناس.

ويقول أحد الأشخاص في طوكيو عن كيتاجاوا “إنه بمثابة الإله”، الأمر الذي يشعر به الكثيرون في اليابان. وكانت جنازة كيتاجاوا في عام 2019 حدثاً وطنياً، حيث أرسل رئيس الوزراء الياباني آنذاك، شينزو آبي، برقية تعزية، كما قام مشاهير يابانيون وأعضاء فرقة “بوي باند” بوداعٍ أخير في حفلٍ تذكاري أقيم في قاعة مدينة “قبة طوكيو”.

برغم شهرته الواسعة، إلا أنه لا توجد هنالك صور كثيرة لكيتاجاو، إذ كان نادر الظهور العلني، وقليل الظهور في المقابلات الإعلامية.

كما كان ينهج سياسة صارمة مع فريقه في شركة إنتاجه، إذ لم يكن يسمح بالظهور كثيرا على شاشات التلفزيون وحتى في اللوحات الإعلانية في الشوارع اليابانية.

ويبدو أن مزاعم الاعتداء الجنسي لكيتاجاوا لم يكن لها تأثير كبيرعلى شعبيته، على الرغم من تكرار هذه الاتهامات عبر عقود.

وثائقي لبي بي سي سبق وأن سلط الضوء على مساهمة الصمت الإعلامي حول هذه الاتهامات باستغلال المراهقين في اليابان من قبل نجم موسيقى البوب في اليابان.

مر الآلاف من الفتيان والشباب عبر شركة “جوني وشركاؤه”، حينما كان كيتاجاوا على قيد الحياة، إذ كان هؤلاء الشباب على اتصال مباشر مع كيتاجاوا الذي يعد مكتشف هذه المواهب وراعيها على مدار مساره المهني الممتد لستة عقود.

النظام الذي أنشأه كيتاجاوا أتاح له القدرة على السيطرة على فئة واسعة من الشباب الذين باتوا يعرفون باسم “المجندين الصغار”.

هؤلاء يتدرجون في شركته إلى الحد الذي يسمح لهم بالحصول على مناصب إدارية أو في العلاقات العامة وهو ما قد يستغرق سنوات.

هاياشي وهو (اسم مستعار) كان يبلغ من العمر 15 عاماً عندما أرسل سيرته الذاتية إلى شركة “جوني وشركاؤه” وكان انطباعه الأول عن كيتاجاوا الذي التقى به في اختباره أنه “شخصٌ لطيف ويراعي مشاعر الآخرين”، لكن الأمور سرعان ما تحولت.

رسمة لوجه جوني كيتاجاوا

BBC
عمل فني لوجه جوني كيتاجاوا معلق في مكتب الاستقبال الرئيسي في شركته

لم يتحدث هاياشي علناً عن تجاربه من قبل وهو قلق بشأن سرد تجربته مع كيتاجوا.

بعد أسبوع واحد فقط من اجتماعه الأول بكيتاجاوا، تمت دعوة هاياشي للإقامة في أحد منازله المعروفة باسم “المهجع”. ويقول هاياشي “إن كيتاجوا قال لي:”اذهب واستحم حيث قام بغسل جسدي كله وكأنني دمية”.

كان هاياشي منزعجاً بشكل واضح، بعد أن تذكر ما قام به كيتاجاوا الذي مارس عليه الجنس الفموي.

أخبرنا هاياشي أن الإساءة حدثت في مناسبة أخرى أيضاً، قائلاً “إنه كان من الواضح أن الفتيان الآخرين يعرفون ما يجري”.

مضيفا “قالوا لي جميعاً عليك أن تتحمل الوضع وإلا فلن تنجح، لم يستقيل أحد من الشركة، كان جوني الشخص البالغ الوحيد، لذلك لم يكن الوضع يسمح بالحديث عما جرى”.

كشخص بالغ ، يعتقد هاياشي أن هذا الصمت كان مرتبطاً جزئياً بأحلام الأولاد بالنجاح.

ويقول هاياشي إن “الأولاد الذين نجحوا ، بفضل جوني ، تغيرت حياتهم في اللحظة التي دخلوا فيها الشركة أعتقد أنهم ممتنون للغاية. هذا شيء مختلف عن تلك الجرائم الجنسية. لقد عشت فقط في اليابان واعتقدت أنها بلد عظيم لكن ربما أكون مخطئاً”.

قصص مشابهة لحالة هاياشي

في عام 1999، التقى صحفيان من مجلة “بونشون” الأسبوعية التي تُعنى بالأحداث الجارية صبياً ادعى أنه تعرّض للإيذاء من قبل كيتاجاوا، حيث التحق الصبي بالشركة عندما كان في المدرسة الثانوية وبدأ يعتدي عليه جنسيا بعد فترة وجيزة من التحاقه.

استمع الصحفيان إلى الفتيان والشباب الآخرين الذين مروا بتجارب مماثلة، فقد كانت رواياتهم محسوبة بشكل جيد لدرجة أن المراسلين تمكنوا من رسم خريطة لـ “المهجع” في منزل كيتاجاوا ، حيث وقعت الكثير من الإساءات.

ونتج عن التحقيق الصحفي سلسلة من المقالات التي توثق مزاعم أكثر من عشرة من نجوم موسيقى البوب الطامحين الذين قالوا إنهم تعرضوا للإيذاء الجنسي في سن المراهقة، كان بعضهم في سن 12 في وقت الاعتداء.

وتتضمن الشهادات المصورة إشارات إلى الجنس عبر الإكراه، ففي إحدى الروايات التي نشرتها المجلة، قال أحد الناجين إنه يعتقد أنه في حال رفض ممارسات كيتاجاوا فإن ذلك سيضر بحياته المهنية، “إذا عصيت السيد جوني، فسيتم تجريدك من منصبك”.

في رواية أخرى، قيل أن كيتاجاوا كان يمارس الجنس مع الفتيان في منازلهم. تقول إحدى الشهادات “أتمنى لو أنسى ذلك، حينما جاء إلى بيتنا وقاسمني غرفة النوم، حينها وضع أعضائي التناسلية في فمه…الأمر يبدو صعب التصديق فعلاً”.

على الرغم من الشهادات اللاذعة، فإن سلسلة المقالات بالكاد تم تسجيلها في الرأي العام.

من المحتمل أن تقطع العلاقة التبعية بين الصحافة اليابانية وإمبراطورية كيتاجاوا شوطاً طويلاً في تفسير سبب تجاهل القصة.

عندما نُشرت التقارير، منعت شركة “جوني وشركاؤه” مجلة “بونشون” والمنشورات المشابهة من التحدث إلى أي من مواهبهم. وفي عام 2000، بعد عام من التحقيق الذي أجرته المجلة، رفع كيتاجاوا وشركته دعوى قضائية بتهمة التشهير.

استمرت الإجراءات لمدة أربع سنوات وشهدت إفادات العديد من الرجال الذين قالوا إن كيتاجاوا أساء إليهم وهم أطفال.

وفي النهاية، قضت محكمة طوكيو العليا بأن تسعة من الدعاوى العشر المقدمة في مقالة مجلة “بونشون” كانت صحيحة في الواقع، بما في ذلك الادعاء بأن كيتاجوا كان يعتدي جنسيًا على القُصَر في شركته. ولم يتم إثبات صحة الادعاء بأن كيتاجاوا زودهم فعلا بالسجائر والكحول.

لكن الحكم قوبل بمزيد من الصمت، ولم تفضي قضية التشهير إلى محاكمة جنائية، إذ لم يتم توجيه أي تهم إلى كيتاجاوا واستمر في العمل كرئيس لشركته الفنية حتى وفاته في عام 2019.

الطريقة التي تم بها طي الملف أثارت غاضب أحد المراسلين، ريوتارو ناكامورا، قائلا “لقد كنت في حالة من اليأس بشأن هذا لمدة 23 عاماً”.

لكن ناكامورا يعتقد أيضاً أن التحيز لعب دوراً في الإنكار بقوله “في اليابان، علاقات الحب أو العلاقات الجنسية بين الرجال- يبدو الأمر كما لو أن الناس لا يؤمنون بذلك”.

اليابان دولة تفتخر بالأدب، فلا يُنظر إلى كونك غير مهذب على أنه أمر مزعج أو وقح فحسب، بل هو أمرٌ غير مقبول اجتماعياً. ويعتقد الكثير من اليابانيين أنه يجب تجنب إزعاج الآخرين، حيث يمكن أن يغذي هذا بيئة يُنظر فيها إلى أن إثارة المخاوف بشأن الاعتداء الجنسي على أنها مثار رفض الآخرين.

رسمة لوجه جوني كيتاجاوا

BBC
عمل فني لوجه جوني كيتاجاوا معلق في مكتب الاستقبال الرئيسي في شركته

إلى وقت قريب كان الرجال في اليابان لايعترف بهم كضحايا للاغتصاب في نظر القانون. إذ لم يكن ممكنا أن يعتبر الرجل مغتصبا قبل قانون 2017. كل هذه العوامل أسهمت في عدم إدراج الاستغلال الجنسي للرجال والفتيان ضمن المحرمات، بل غالبا ما تظل هذه الاعتداءات طي الكتمان.

ليس من المستغرب إذن أن العديد من الرجال الذين عانوا من الاعتداءات الجنسية من كيتاجاوا في سن المراهقة لا يزالون يجدون صعوبة في الاعتراف بأن ما حدث لهم كان خطأً.

انضم “ريو” إلى شركة “جوني وشركائه” في عام 2002 وكان راقصاً مساعداً لمدة 10 سنوات. على غرار “هاياشي” ، لم يتحدث قط عن تجاربه علناً من قبل.

شاب يرتدي قبعة سوداء

BBC
الشاب ريو تعرّض لاعتداء من قِبل جوني كيتاجاوا إلا أنه لا يُدين كيتاجاوا

قال ريو “عندما ذهبت إلى غرفة النوم، جاء كيتاجاوا وقال إنه كان مشغولاً للغاية. واقترح أن يقوم بتدليكي فبدأ من كتفي ونزل تدريجياً. وفي نقطة معينة ذهب بعيداً وقلت: “لا تفعل أكثر من ذلك”. قال: آسف، آسف، وذهب إلى غرفة أخرى”.

كان ريو يبلغ من العمر 16 عاماً في ذلك الوقت، فيما كان كيتاجاوا في السبعينيات من عمره.

اليوم ، كشخص بالغ، لا يدين ريو كيتاجاوا. “أنا لا أكره كيتاجاوا، أنا أحبه، كان شخصاً رائعاً حقاً وأنا مدينٌ له كثيراً. ما زلت أعتقدُ أننا عوملنا بحب كبير، لم تكن هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لي”.

دافع فتيانٌ سابقون آخرون تحدثنا إليهم عن معلمهم القديم.

كان رين مع شركة “جوني وشركاؤه” حتى عام 2019، عندما توفي كيتاجاوا. يتذكر مقدمته للشركة باعتزاز.

“عندما اتصلت بنا شركة جوني لأول مرة ، كانت والدتي تبكي من السعادة. وقالت عائلتي حينها إنه “أمرٌ رائع يمكنك كسب الكثير من المال وسنصبح أثرياء” حينها “شعرتُ وكأنه حلم”.

يقول رين، الذي يعمل الآن في حانة في أوساكا، إنه يفهم طبيعة المعاملات للعلاقة التي تربط كيتاجاوا ببعض النجوم الطموحين. مضيفا “كانت هناك شائعات بأنه إذا حدث ذلك التحرش الجنسي فستواصلُ العمل معه”.

عندما سُئل رين عما إذا كان سيمتثل لمطالب كيتاجاوا الجنسية مقابل الحصول على وظيفة، أجاب “حلمي هو أن أصبح مشهوراً لذلك أعتقد أنني كنت سأقبل هذه المطالب”.

اليوم، لا تزال شركة “جوني وشركاؤه” قوية للغاية في عالم موسيقى البوب، ولا يزال كيتاجاوا يحتفل به كرئيس، فقد تم تصميم عمل فني عملاق لوجهه وفقاً لإحدى الصور القليلة جداً له وعُلّقت في حفل الاستقبال بمقر طوكيو.

جولي فوجيشيما، رئيسة شركة “جوني وشركاؤه” الحالية، وهي ابنة أخت جوني قد أصدرت بياناً بعد عدة طلبات للتعليق قائلة “منذ وفاة رئيسنا السابق في عام 2019، نعمل على إنشاء هياكل تنظيمية شفافة للغاية تتكيف مع الأوقات وفقاً للقوانين واللوائح وتعزيز الحوكمة مع خبراء محايدين. إضافة إلى التخطيط للإعلان عن الهياكل والأنظمة الجديدة وتنفيذها في عام 2023. “

ولم ترُد فوجيشيما بشكل مباشر على مزاعم الاعتداء الجنسي.

المعالج نوبوكي ياماغوتشي يجري مقابلة

BBC
المعالج الياباني نوبوكي ياماغوتشي يقول إن “الخطوة الأولى للتعافي هي الاعتراف حقًا بحدوث سوء المعاملة”

لم يكن هناك اعتراف عام بأن جوني كيتاجاوا اعتدى جنسياً على الفتيان والشباب. كثير من الرجال لا يريدون التحدث عن تجاربهم على الإطلاق. نتيجة لذلك، قد لا نعرف أبداً عدد نجوم البوب الطموحين الذين تعرضوا للإيذاء الجنسي.

وقال نوبوكي ياماغوتشي، أحد المعالجين القلائل في اليابان المتخصصين في مساعدة الناجين من الاعتداء الجنسي “إن ظهور الناجين للعامّة أمرٌ في غاية الشجاعة”. مضيفا “اليابان لديها ثقافة العار، وإذا كانت لديك مشكلة شخصية، فلا يمكنك التحدث عنها حيث إن وصمة العار والصمت يمكن أن يستغلها المعتدون”. مضيفا بأن “الخطوة الأولى للتعافي هي الإقرار حقاً بحدوث الإساءة”.

بالنسبة للعديد من الناجين من اعتداءات كيتاجاوا وبالنسبة للمجتمع الياباني ككل، لا تزال هذه الخطوة لا تؤخذ بعين الاعتباربعد.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

مواضيع تهمك

Comments are closed.