الانتخابات الإيطالية: جورجيا ميلوني تصل إلى رئاسة وزراء إيطاليا في مرحلة حرجة بالنسبة لأوروبا

حي غارباتيلا

BBC

جاءت جورجيا ميلوني، التي ستصبح أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في إيطاليا، من هامش السياسة لتصل إلى قمتها.

فهذه هي اللحظة التي كانت تنتظرها ميلوني طوال حياتها السياسية، والتي بدأتها في سن المراهقة كناشطة يمينية في منطقة تقطنها أغلبية من الطبقة العاملة في روما.

ميلوني سياسية بارعة تعمل بجد، وقد ظهرت بوجهين خلال حملتها الانتخابية، حيث كانت تتحدث بلهجتها الحادة النارية المعتادة تارة، وتبدو وكأنها شخصية متحفظة تتسم بالتريس تارة أخرى. وقد نجحت المغامرة وتحقق الحلم، وها هي تتأهب للانتقال إلى مقر رئاسة الوزراء.

ولكن هذا ليس شعور الجميع في إيطاليا، فهناك الملايين الذين لم يعطونها أصواتهم. ويقول هؤلاء إن مقترحاتها القومية الحمائية، وخطاباتها المعادية للهجرة وقيمها الأسرية المحافظة لا تمثلهم.

أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فوصولها للسلطة يعد بمثابة كابوس. فأفكار جورجيا ميلوني القومية الحماسية تثير قلق بروكسل إلى حد كبير.

تعتبر إيطاليا ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد وأحد أعضائه المؤسسين. وميلوني من المتشككين في جدوى عضوية الاتحاد، وقد تحدثت خلال مؤتمراتها الانتخابية بشكل متكرر عن كون إيطاليا مضطهدة من قبل أعضاء الاتحاد الأوروبي الأكبر.

ورغم أنها لم تطالب بخروج بلادها من منطقة العملة الأوروبية الموحدة “اليورو” أو الاتحاد الأوروبي، يُعتَقد أنها سوف تتحالف مع دول أعضاء ترى بروكسل أنها تتسبب في مشكلات للاتحاد – مثل المجر وبولندا – ولا سيما فيما يتعلق بقضية الهجرة.

Giorgia Meloni

Reuters
سعد ميلوني مؤخرا إلى التخفيف من حدة تصريحاتها

لكن نيكوليتا بيروتزي من معهد العلاقات الدولية في روما قالت لي إنه “لا ينبغي على بروكسل أن تشعر بالذعر”.

وتمضي لتصف ميلوني بأنها سياسية برغماتية تدرك جيدا أهمية أموال الاتحاد الأوروبي، لا سيما المساعدات الخاصة بكوفيد-19 التي تهدف إلى تعزيز اقتصادات الدول الأعضاء في أعقاب الوباء.

لكن السياسة المالية قد تصبح بالتأكيد نقطة خلاف مع بروكسل. فإيطاليا واحدة من أكثر الدول الأوروبية مديونية، ومع هذا فإن تعهدات جورجيا ميلوني الخاصة بنظام الرفاهة ستتكلف مبالغ طائلة. وتشمل تلك التعهدات المزيد من المساعدات للمعاقين، وللأسر لإعانتها على تحمل نفقات رعاية أطفالها، وللمتقاعدين والنساء الإيطاليات.

وتقول إنها تسعى إلى تشجيع الإيطاليين على إنجاب المزيد من الأطفال وإلى تقليل عدد العمال المهاجرين في البلاد.

تنفيذ تلك التعهدات، فضلا عن تعهدها بفرض ضريبة ثابتة على الشركات، سيحتاج إلى الكثير من المال. وسواء كانت تلك الوعود واقعية أم لا، فإنها على الورق تعني انخفاض الدخل الحكومي ومزيد من الضغط لاقتراض المزيد من الأموال.

يأتي نصر جورجيا ميلوني الانتخابي بينما تمر أوروبا بمرحلة حرجة، ولا سيما مع عودة الحرب إلى القارة. والعقوبات المفروضة على روسيا أدت إلى تفاقم الضغوط الناتجة عن التضخم الاقتصادي. وتعي ميلوني جيدا أن المخاوف الرئيسية للإيطاليين تنصب حول الارتفاع الهائل في تكلفة المعيشة، والزيادة المستمرة في أسعار الطاقة. وقد تضررت إيطاليا بشكل خاص لأنها كانت تعتمد بشكل كبير على إمدادات الغاز الروسي.

ويخشى حلفاء إيطاليا بحلف الناتو من أن تؤدي الضغوط الشعبية الإيطالية خلال ما يُتوقع أن يكون شتاء قاسيا إلى إقناع جورجيا ميلوني بالانسحاب من العقوبات التي يفرضها الحلف على موسكو والتراجع عن الموقف الصارم معها بسبب غزوها لأوكرانيا.

وما يضيف إلى تعقيدات الموقف هو أن الشريكين اللذين دخلت ميلوني في تحالف معهما – الملياردير سيلفيو برلسكوني والسياسي الشعبوي المعادي للهجرة ماتيو سالفيني – تربطهما علاقات تاريخية بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في حين أن ميلوني تنظر إلى نفسها على أنها مؤيدة لكل من أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

عندما زرت حي غارباتيلا الذي يزين فن الغرافيتي بعض جدرانه في العاصمة روما، والذي نشأت فيه ميلوني واتجهت نحو السياسية، لاحظت أن رواد أحد المقاهي المحلية كانوا يترددون في إخبارنا بما إذا كانوا قد صوتوا لجارتهم السابقة أم لا. لكن كل من تحدثنا إليهم قالوا إنهم يأملون في أن تفي بتعهداتها لتحسين الأوضاع المتعثرة في البلاد.

Alessandro Cesaroni

BBC
أليساندرو سيزاروني

وأخبرني صانع القهوة ذو الشخصية الكاريزمية أليساندرو سيزاروني بأنه في نفس عمر ميلوني (45 عاما)، ولكنه لم يقابلها من قبل. ويضيف ضاحكا، بأن حياة كل منهما سارت بالطبع في مسارين مختلفين: “فأنا مجرد فتى من الحي، بينما هي ستتولى أرفع منصب سياسي”.

وقال إنه معجب بأسلوبها السياسي: “ميلوني تذهب إلى ساحات المدن، وإلى المناطق الصغيرة مثل هذه. إنها تعرف كيف تخاطب الأشخاص العاديين الكادحين، بدلا من أن تخطب من فوق منبر كما يفعل الآخرون. لا يسعنا إلى أن نتمنى أن تفي بتعهدها بجعل إيطاليا تقف على قدميها من جديد”.

Paula Cesaroni

BBC
من وراء ماكينة الدفع تومئ بولا والدة أليساندرو برأسها في إشارة على اتفاقها معه في الرأي

كما يأمل الاتحاد الأوروبي كذلك في ألا تتشكل جبهة يمينية قومية في أوروبا.

وسوف تكون حكومة ميلوني أكثر حكومة إيطالية تجنح صوب اليمين منذ الحرب العالمية الثانية. وتأتي انتخابات إيطاليا بعد وقت قصير من انتخابات السويد التي أدت إلى أن أصبح حزب ديمقراطيو السويد – الذي تعود أصوله إلى الحركة النازية الجديدة – ثاني أكبر حزب في البلاد.

كما أحرزت مارين لوبان زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني نتائج مبهرة في الانتخابات البرلمانية الفرنسية التي أجريت في صيف هذا العام. وكما ألمحنا آنفا، فإن الاتحاد الأوروبي يتصارع بالفعل حول ما يصفه “قضايا تتعلق بحكم القانون” مع حكومتي كل من بولندا والمجر.

المعركة التي يبدو أن المتحمسين للاتحاد الأوروبي قد خسروها بالفعل هي حلم إقامة وحدة سياسية أوثق بين الدول الأعضاء. فلا يوجد سوى القليل من البلدان الأوروبية التي قد تقدم على خطوة كهذا، بغض النظر عن التوجهات السياسية لحكوماتها.

وسواء كان الرئيس الفرنسي ماكرون أو المستشار الألماني شولتز أو رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، فإن الموقف السائد بين غالبية الزعماء الأوروبيين يمكن أن يلَخص كالتالي: فلنتحد معا عندما تكون هناك مصلحة مشتركة، مثل شراء اللقاحات أثناء الوباء، ولكننا لن نتخلى عن قدر كبير من سيادة دولنا.

ومن منطلق لغة المصالح تلك، فإن جورجيا ميلوني سوف تتسق مع المنظومة الحاكمة في الاتحاد الأوروبي.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

مواضيع تهمك

Comments are closed.