«الخط الأخضر» في البال: ويك إند «النزوح» يعيد ذكريات الحرب إلى الأذهان

ذكريات الحرب تحاصر أهالي الخط الأخضر (محمود الطويل)

وفجأة عاد «الخط الأخضر» الى اذهان اللبنانيين. ولمن لا يعرفه، هو أحد خطوط التماس التي رافقت فصل المناطق اللبنانية عن بعضها في الحرب الأهلية، شاطرا بين ضفتي ساحل المتن الجنوبي (قضاء بعبدا)، ومنها الشياح وعين الرمانة انطلاقا من دوار الطيونة المعروف سابقا بدار الكتاب، وصولا الى محطة صفير التي تلي الفاصل بين كنيسة مار مخايل ومنطقة الحدث.

انتهت الحرب الأهلية رسميا في 13 أكتوبر 1990 تاريخ إطاحة الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون وقتذاك، وفتحت المناطق على بعضها البعض، وكان عبور الآليات عسكرية ظهرا في ذلك السبت، من «الخط الأخضر» صعودا من غاليري سمعان الى الحازمية فبعبدا. ولكن بقي الخط الممتد الى قصقص والمتحف البربير وصولا الى بشارة الخوري والسوديكو والمرفأ مرورا بساحة الشهداء، يذكر طويلا بما كانت عليه «البيروتين» أيام الحرب. الا انه مع مرور السنوات، تغير الكثير لجهة ارتفاع عمارات شاهقة وناطحات سحاب في تلة الأشرفية وزقاق البلاط والقنطاري. واستعاد الناس حياتهم الطبيعية، في سعي لطي تلك الحقبة الأليمة. وتُرك لهم معلم يذكر بالحرب لأخذ العبر، وهو مبنى بركات الذي حمل اسم «بيت بيروت» في الضفة الشرقية لتقاطع بشارة الخوري.

حتى الأمس القريب، تخلى اللبنانيون بأجيالهم المختلفة عن الحذر الذي لازم تنقلاتهم على جانبي خطوط التماس: مدرسة الليسيه الفرنسية اللبنانية الكبرى في الأشرفية تحتضن تلامذة من كافة أرجاء بيروت وضواحيها. وكذلك جامعة القديس يوسف ومبنى الإدارة المركزية للجامعة اللبنانية والمقار الأمنية وتلك الخاصة بمجمع السفارة الفرنسية وبقية الشركات التي تتخذ من النقاط الفاصلة سابقا مراكز لها بين شطري العاصمة، لتجمع بين مواطنين من كافة المناطق اللبنانية. وعادت الشقق في رأس النبع وبدارو والطيونة لتشهد ارتفاعا في بدلات الإيجار، وصولا الى تكريس بعضها بـ«الدولار الأميركي الطازج» بعد انهيار العملة الوطنية.

وحدهم سكان «الخط الأخضر» القدامى يتذكرون تلك الحقبة التي حرمت عليهم العبور الى الضفة الأخرى. حقبة مشوبة بالحذر، ومرفقة بحكايات عن «أعمال قنص» ورشقات كانت تصيب «المكشوف» من البيوت والشقق والمحلات في الجانبين.

وفجأة، في يوم الخميس 14 أكتوبر، اندلع صوت الرصاص في مناطق الطيونة وبدارو وفرن الشباك وعين الرمانة وغادر كثيرون بيوتهم وقصدوا أماكن سكن أخرى متاحة، كالبيوت في الجبل حيث اعتادوا تمضية فصل الصيف، او منازل الأقارب من أهل الزوج او الزوجة. اختار هؤلاء تمضية أيام بعيدا من منارلهم خشية تكرار مشاهد القنص وصوت الرصاص، وابتعادا عن الاضرار التي أصابت بشكل كبير الضفة الشرقية من «الخط الأخضر».

عادت ذكريات التهجير القسري، خصوصا لدى الجيل الذي عاش الحرب وكان في عمر الطفولة. في المقابل، لم يبارح كثيرون بيوتهم، وانصرفوا بعد هدوء أزيز الرصاص الى لملمة الزجاج المتناثر والحطام من الباطون والحديد والالمينيوم، وهم الذين تابعوا الاشتباكات من أماكن يعتبرونها آمنة، انطلاقا من خبرة كونوها في هذا المجال أيام الحرب الأهلية. وبينهم قسم تابع يومياته المعتادة في منازلهم في عين الرمانة، والمكشوف على الضفة الأخرى من الطيونة، مع التزام الحذر وتفادي الخروج الى الشرفات والأماكن المطلة.

«النزوح» جاء بداعي الخوف وتجنيب الأطفال سماع دوي الرصاص والقذائف الصاروخية في حال تجدد المواجهات ليلا، بحسب اهال تركوا بيوتهم لمدة يومين او ثلاثة. والقسم الأكبر من الذين اختاروا المبيت خارج تلك المنطقة لا يلامون، بعدما واجهوا صعوبات في تأمين عودة أطفالهم من المدارس والوصول الى منازلهم في المنطقة قبل مغادرتها لاحقا. وقد حملوا معهم ما خف حمله وغلا ثمنه (اوراق ثبوتية، دولارات، ذهب، ادوية…). هذا ما حصل مع كثيرين حملوا أولادهم الى أماكن أكثر أمانا، وهم الذين تمسكوا سابقا بشراء وحدات سكنية في «منطقة التوتر» على رغم ارتفاع ثمنها، كونها تجعلهم على مقربة دقائق من كل الخدمات في بيروت الإدارية ومرافقها.

«تمضية ليال خارج المنزل، أفضل من المخاطرة والشعور بالقلق»، بحسب أب لأسرة مكونة من طفلين. أب اعتاد الترحال وهو صغير مع عائلته المؤلفة من ستة أفراد الى منزلهم الصيفي في المتن الشمالي. ترحال اختلف في كل مرة، وحمل عناوين الحروب الصغيرة التي عرفتها الحرب الكبرى (1975 – 1990).«أكثر من هدنة وأقل من حرب»، شعار كان يرفعه الأهالي القاطنين في مناطق ساخنة. تعبير مستعاد من الحرب الأهلية، ويضاف الى اليوميات اللبنانية الحالية المفتوحة على «أخبار غير سارة».

الانباء – جويل رياشي

للمشاركة


لبنان
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com