«حرب البيانات الرئاسية».. والانتقال الساخن من «أزمة حكومة» إلى «أزمة حكم»

للمشاركة

لم يسبق أن حصل يوما مثل هذا الاشتباك السياسي الإعلامي المكشوف والحاد في شكله ومضمونه بين رئاستي الجمهورية والمجلس النيابي. لم يعد مهما معرفة من كان البادئ و«الأظلم»، وتحديد مصدر الشرارة وسواء انطلقت من

كلام عالي النبرة قاله الرئيس نبيه بري لـ«قناة الميادين» أو من «بيان جامد» صدر عن رئاسة الجمهورية، النتيجة كانت أنه تم إسقاط الهدنة الهشة بين بعبدا وعين التينة واشتعلت علاقة كانت منذ العام 2016 «نارا تحت الرماد»،

وسجل قصف سياسي عنيف ومتبادل على جبهة بعبدا ـ عين التينة.

بعد «بيان رئاسي» اعتبره تصويبا على مبادرته ودوره واتهاما له بالتدخل في تشكيل الحكومة ومخالفة قواعد الدستور، أصدر الرئيس بري بيانا باسم الشعب اللبناني وبدا أقرب الى «بلاغ سياسي رقم واحد» يعطي إشارة البدء للتحرك في اتجاه بعبدا وضدها. وتضمنت رسالة بري غير المسبوقة في مضمونها وأسلوب مخاطبة رئيس الجمهورية نقاطا مهمة أشار فيها الى:

ـ «حصول أكثر من اجتماع في القصر الجمهوري وخلافه لإنجاح ما سمي بمبادرة بري من دون حضوري الشخصي». وبذلك يؤكد بري عقد اجتماعات من أجل تأليف الحكومة، بحضور باسيل والخليلين، في القصر الجمهوري، وهو ما يشكل سابقة لم يألفها قصر بعبدا سابقا.

ـ عدم وجود حق دستوري لرئيس الجمهورية بوزير واحد «لكونه لا يشارك في التصويت، فكيف تكون له أصوات بطريقة غير مباشرة؟».

ـ تذكير بري رئيس الجمهورية بخلاصة مناقشة رسالته إلى مجلس النواب المتعلقة بتكليف الحريري. وما قاله مواربة يومها، قاله بالحرف الواحد في بيانه الأخير: «ليس من حقكم رفض سعد الحريري. وقرار تكليفه ليس منكم، بل ناشئ عن قرار النواب». ولعل النقطة الدستورية الأهم هي إعادة بري تذكير عون بأن «من يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة هو الرئيس المكلف، ورئيس الجمهورية تعود له صلاحية التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيسها».

لم يتأخر رد بعبدا متضمنا اتهاما صريحا لرئيس مجلس النواب بالانخراط في الحملات التي يتعرض لها رئيس الجمهورية لتعطيل دوره الدستوري وإقصائه بالقول والفعل عن تحمل مسؤولياته، كما نزع البيان عن بري صفة الوسيط الساعي الى حلول وجعله طرفا لا يستطيع أن يعطي لنفسه حق التحرك باسم الشعب اللبناني.

هذا التطور السياسي الدراماتيكي الذي أخذ شكل «حرب بيانات» على وقع شارع متحرك، وحركته هذه المرة على صلة وثيقة بالمعركة السياسية وفي خدمتها.. يعني:

1 ـ أن العلاقة بين عون وبري سقطت بالكامل ولم يعد بالإمكان ترميمها فيما تبقى من العهد، وقد خرجت عن سيطرة حزب الله الذي يوازن بدقة وصعوبة بين رئيس حليف لا يقبل بانكساره لحسابات استراتيجية، وزعيم شريك لا يريد مشكلة معه حفاظا عل تماسك الطائفة الشيعية واستقرارها.

2 ـ أن فرصة تشكيل «حكومة برئاسة الحريري في عهد عون» لم تعد موجودة، بعد سقوط كل المبادرات وآخرها مبادرة بري، رغم تمسكه بها وتأكيده على استمرارها. وبالتالي، لم ينجح حزب الله في تقديره السياسي لماهية الدور الذي يمكن أن يقوم به بري وللتفويض الذي أعطاه إياه في مجال الدفع الى تشكيل حكومة.

3 ـ الأزمة العميقة والمتشعبة بكل أشكالها ومستوياتها والمعززة باشتباكات سياسية ورئاسية، لم تعد «أزمة حكومة» وإنما تحولت الى «أزمة حكم» وتنطوي بالتأكيد على «أزمة نظام».

4 ـ الأزمة السياسية الوطنية تكتسب خطورة بنقلها أو انتقالها الى الشارع الذي انسحبت منه قوى التغيير والثورة وصادرته قوى وأحزاب السلطة، واتخذت من دعوة الاتحاد العمالي العام الى الإضراب والتحرك غطاء ومناسبة لتوظيف الشارع في اللعبة السياسية ورفع درجة الضغوط على رئاسة الجمهورية، وفي إطار معادلة جرى الكشف عنها أخيرا وفحواها أن اعتذار الرئيس المكلف يقابله تنحي رئيس الجمهورية، وأن استمرار الضغوط في موضوع الحكومة يقابله تكثيف الضغوط في اتجاه بعبدا.

5 ـ ما يجري في السياسة وعلى الأرض مازال من حيث المبدأ في دائرة الضبط ومن قبل ضابطي إيقاع: سياسي هو حزب الله، وأمني هو الجيش اللبناني، ولكن ما يجري مرشح للتفاقم والتفلت، ولأن يصبح مصدر تهديد جدي للأمن والاستقرار، والانتقال من مرحلة الانهيار الى مرحلة الانفجار.. في ظل اصطفافات وسجالات طائفية تتجاوز هدف شد العصب قبل الانتخابات، وتعيد الى الأذهان مشاهد مر عليها الزمن، مثل مشهد 6 فبراير الذي قاده الرئيس بري في عهد الرئيس أمين الجميل وكان قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون.


للمشاركة
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com