لقاح لتعزيز وانعاش… الوطنية اللبنانية!

رغم حالة العداء التي تطغى على العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية – الأميركية، وتبادل التصريحات الحادة اللهجة، ومسلسل الاغتيالات من قاسم سليماني إلى العالم النووي فخري محسن زاده، تُرى، هل بالإمكان الوصول إلى تقارب إيراني – إسرائيلي برعاية أميركية في ضوء وقائع ثابتة وأحداث سابقة، إضافةً إلى مجموعة من الظروف المؤاتية؟

هذه هي فرضية مقالي (hypothesis) والتي كأي فرضية عرضة للنقاش وللتأييد أو الدحض. ولكن، بدايةً وبما أن إيران هي أحد محاور هذا المقال، فقد استغربت الضجة التي أثيرت حول تمثال سليماني. ترى ألا يستأهل سليماني إقامة تمثال له لمناسبة عامٍ على رحيله، وهو الذي كان الحاكم العسكري الفعلي لليمن، للعراق، وسورية ولبنان؟

علماً أن سليماني نفسه اعتبر عام 2018 أن حلفاء طهران حققوا الأكثرية في الانتخابات النيابية وحصلوا على أكثر من 70 مقعداً في البرلمان اللبناني.

ثم أننا لا نكشف سراً، فالناس، حتى البسطاء منهم، تعلم أنّ بلاد الأرز، ترزح تحت وصاية انتداب إيران عبر «حزب الله»، الذراع اللبنانية المسلح لطهران! انتداب يباركه ويحتضنه على ذمة الناس، وزير الطاقة الأبدي جبران باسيل وتياره الذي كان حراً لمصالح سياسية خاصة.

من هنا، كان من الأجدى أيضاً وضع تمثال آخر لسليماني في البترون مسقط رأس باسيل! وعلى ذمة رئيس حزب الكتائب سامي الجميل «ميشال عون واجهة لمنظومة متكاملة قبلت بالتسليم سيادة لبنان (لحزب الله) ومحاصصة البلد» (مقابلة مع تلفزيون الحرة 18 /1 /2021).

والإنصاف يقتضي ألا نوجه اللوم إلى «حزب الله»، فلا حول له ولا قوة طالما أنه يمتثل لتعليمات طهران، وهذا ما أكدّه قائد سلاح الجو الإيراني علي خاجة زاده بأنّ «كل ما تملكه غزة ولبنان من قدرات صاروخية تم بدعم إيران وهما الخط الأمامي للمواجهة» (النهار 2-1-2021).

وإذ أعتذر لاستعمالي تصنيفاتٍ مذهبية، إلا أن الواقع ومتطلبات المقال تحت ذلك… لأشير إلى أنه إذا كان العالم قد سبق وشهد «كومنترن شيوعي» سابقاً، مركزه موسكو، تأتمر به الأحزاب الشيوعية أينما وجدت، فواقعنا الحالي يشير إلى أنّنا اليوم أمام «كومنترن شيعي» مركزه طهران، تأتمر به أذرعه الإقليمية ومنها «حزب الله» ونظيره العراقي إضافةً إلى حوثيي اليمن.

والمؤسف أن نظام الملالي عمل ويعمل على جعل فئة من العرب الشيعة حزباً تابعاً لطهران، وبالتالي تم تجريدهم من وطنيتهم وعروبتهم.

وفي العودة إلى تمثال سليماني فلا شيء يدعو للغرابة… ذلك أن قدر هذا الوطن الصغير منذ الاستقلال، مع الأسف، أن تكون مكوناته في أزمنة مختلفة مرتبطة بخارج إقليمي! ذلك أنّنا شهدنا سابقاً تمثالاً لعبدالناصر وللأسد الأب والابن (باسل) ولم يحرك أحد ساكناً. وكان ينقصنا تمثالان واحد لـ «أبو عمار» وآخر لمناحيم بيغن أو أرييل شارون!

وللتذكير فقط، فإذا كانت الصور الضخمة لسليماني على طريق مطار بيروت الدولي مع تمثاله في محلة الغبيري تشعرك بأنك لست في وطنك، فهذا الشعور نفسه كان يراود اللبناني الحر حين كان يرى صور الأسد الأب معلقة في مكاتب مطار بيروت زمن الانتداب السوري!

لكن ما هو مستغرب، أنّ انفجار مرفأ بيروت (4 /8 /2020) المخزي والمدمر، لم يقتلع التماثيل لا بل الأصنام السياسية التي لا تتوقف عن طلب مزيدٍ من القرابين من اللحم الحي للشعب اللبناني، الذي مع الأسف يبدو أنه تماهى مع تلك الأصنام، وكأنه يعيش في زمن الجاهلية السياسية!

وفي الوقت الذي يذبح فيه الشعب كل يوم، نسمع معزوفات يومية أضحت مملة ابتداءً من جهنم، الثلث المعطل، توحيد المعايير، حقوق المسيحيين، تعديل الدستور، المادة 53 و54، مروراً بالمعابر غير الشرعية، وسلاح المقاومة، وصواريخها، وانتهاءً بالكورونا والتأخير المخزي في الحصول على اللقاح المطلوب.

وعلى سيرة الصواريخ، فيا ليتها تُسْتخدم لصد الغارات الجوية الإسرائيلية على سورية، وقد بلغت الـ 50 العام الماضي، وتُوجت منتصف يناير من هذا العام بأقسى الغارات على دير الزور.

ويا ليت من يهمهم الأمر يدركون، أنّ حصول اللبناني الكسندر نجار، كما أُعلن أخيراً على جائزة الفرانكوفونية من الأكاديمية الفرنسية في باريس، يعادل كل الصواريخ السابق ذكرها! لأنّها ترمز، كما ذكر نجار، بعد نيله الجائزة، إلى ثقافة لبنان وتنوعه، وهذا أمضى سلاح للبنان، لبنان الرسالة، التنوع والانفتاح.

وعلى سيرة التنوع، ما زلت أذكر حواراً جرى بين والدي وضيفه. كان ذلك منتصف الستينات وكنت يومها يافعاً. قال الزائر: «ما في خوف ع البلد طالما أن العدرا فاتحة ذراعيها في حريصا».

سألت والدي بعد خروج الزائر عما قصد في كلامه، فرد: «حارة بلا نصارى خسارة». لكنه وبسرعة اكمل: «عبدالرحمن، الأفضل، أن تقول: وطن بلا نصارى خسارة»!! هذا هو لبنان الذي نريد والذي في تنوعيه ووحدته يحمي كل أبنائه. بعيداً عن الشعارات الطائفية الزائفة، كاستعادة حقوق المسيحيين والتي لا تخدم إلا لخدمة مصالح محض شخصية.

في عودة إلى فرضية التقارب بين إيران وإسرائيل، فان ما يجمع بينهما أكثر مما يفرق. فالعلاقات تعود إلى أوائل خمسينات القرن الماضي. تركيا، كانت البلد «الإسلامي» الأول الذي اعترف بإسرائيل. كان ذلك عام 1949. إيران لحقت بتركيا العام الثاني وتبادلت العلاقات الديبلوماسية. وفي 1958 وبقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون تم عقد «معاهدة الإطار» التي جمعت إسرائيل وتركيا وإيران، وهدفت إلى تحالف يجاور العالم العربي خدمة لمصالح الدولة العبرية.

أهداف مشتركة جمعت بين إيران وإسرائيل: قبل سقوط الشاه وبعده: العداء للناصرية، والمد العروبي، الحذر من الاتحاد السوفياتي الشيوعي إضافةً إلى العراق، متمثلاً خاصة بصدام حسين الذي استضاف المعارضة الإيرانية وعلى رأسها الخميني (الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت 8 سنوات لا تزال في الذاكرة…). كان العراق ملجأ المعارضة ضد الشاه. واستمر ذلك بطبيعة الحال في زمن الخميني، والذي بدأ بتصدير أفكاره ونظريات ولاية الفقيه إلى العراق محاولاً استمالة الشيعة ودول عربية أخرى.

أستعرض بعض الوقائع قبل الاستشهاد بأحداث سابقة واستعراض الظروف المؤاتية. أولى هذه الوقائع أنّ اسرائيل منذ تأسيسها 1948 شكلت حجر الرحى في العالم العربي، وكانت وستبقى شئنا أم أبينا مركز الثقل والتأثير.

إيران، كانت ولا تزال تشكّل محوراً مهماً للتأثير في أحداث ومجريات المنطقة. يعود الأمر، في جملة ما يعود إلى فترة الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون (1969 – 1974) والذي أرسى مبدأ «شرطي المنطقة» أي أنه بدلاً من أن تتحرك واشنطن بنفسها، لتحقيق أهدافها توعز إلى «وكيلها» في المنطقة للقيام بالمهمة. هكذا تم إيكال الأمر إلى الجنرال بينوشيه في تشيلي ليتولى الأمر في أميركا الجنوبية. وايران على إيام الشاه، أضحت «شرطي الخليج»… إضافة إلى اسرائيل الشرطي الآخر من الضفة الأخرى للإقليم.

ثاني هذه الوقائع: المصالح. المثل الإنكليزي معروف: في السياسة لا صداقات دائمة ولا خلافات دائمة. في السياسة: مصالح دائمة. والأمثلة على ذلك أكثر من تعد وتحصى.

العلاقات بين طهران وتل أبيب شهدت تعاوناً موثوقاً حتى في زمن الخميني والذي وصل إلى الحكم بغطاء أميركي. ذلك أنّه كان من المطلوب حسب بريجينسكي، مستشار الأمن القومي السابق الأميركي، أن يتم إنشاء «حزام إسلامي» حول الاتحاد السوفياتي.

أيام الخميني وخلال الحرب العراقية – الإيرانية جرى توريد أسلحة اسرائيلية إلى الطرفين. الصفقة التي كان لولبها ضابط الاستخبارات الأميركي أوليفر نورث.

التعاون الإيراني – الإسرائيلي، تُوّج مع الاسف، حين قدمّت طهران لتل أبيب هدايا لا تقدر بثمن لزعزعتها وخلخلتها لأربع مجتمعات عربية (اليمن، العراق، سورية ولبنان) من خلال إيجاد وتكريس اجواء مذهبية لا تمت إلى روحية الإسلام ومبادئه بصلة.

ضمن نطاق المصالح أيضاً، فالقاسم المشترك بين الدولتين عدم اكتراثهما عملياً وضمناً بالقضية الفلسطنية. ذلك أنّ هاجس طهران الأساس، هو نفوذها الإقليمي من خلال تعميم نظام ولاية الفقيه، والحرص على إبقاء وتعزيز «الكومنترن الشيعي». أما الزود عن القضية الفلسطنية فهو مجرد غطاء لتحقيق الهدف الفعلي. وهذا ما يفعله تنظيم «داعش» الإرهابي والذي لم يقم بأي عملية عسكرية – انتحارية داخل فلسطين.

أما في الظروف المواتية لتقارب ايراني – اسرائيلي، فتندرج في هذا الإطار عوامل عدة: أولاً، إنتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة بدلاً من دونالد ترامب. صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية (24/1/2020) ذكرت أنّ محادثات سريّة بدأها فريق بايدن مع طهران منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.

صحيح أن الإدارة الأميركية لن تلبي ما تطالب به طهران، لكنّ الأكيد والثابت أنّها ستبدي مرونةً وليونة مقابل أثمان، ستطلبها طهران.

ثانياً، الحرص على المصالح الأميركية والإسرائيلية. وهذا ما فعله اوباما حين فاجأ العرب بالاتفاق النووي مع طهران 2015.

ثالثاً، ان المنطقة لم تعد في أولويات واشنطن، بل الصين والتي في ضوء المستجدات الأخيرة توجب لها كل اهتمام.

أما العامل الرابع في الظروف المواتية، فيكمن في التقارب الاسرائيلي – العربي. وكما فاجأنا أوباما عالم 2015 بالاتفاقية مع إيران، لماذا، لا نفاجأ، باعتماد واشنطن ومباركتها لتقارب إيراني – إسرائيلي والموافقة على تكريس زعامة كل من القوتين الإقليميتين.

ويا حبذا لو أنّ طهران، تعمل على تحقيق حلم، أعرف أنّه صعب المنال: تعاون اقتصادي تنموي يجمعها مع دول الخليج العربي وتركيا.

المفارقة أن تونس تشهد منذ أكثر من أسبوعين انتفاضة جديدة تطالب بالتغيير وإقصاء الطبقة الحاكمة، فيما الحال عندنا أكثر رداءة وسوءاً، ومع ذلك لا أحد يتحرك لهدم الأصنام السياسية التي سبق الإشارة إليها! هل أضحى قمع السلطة (الظاهرة والخفية) شبيهاً بقمع كيم جونغ أون في كوريا الشمالية، الذي نجح في تخدير الناس وشل قدراتهم على الرفض؟ ما سر ذلك الخضوع والخنوع الذي يعتري الشعب اللبناني؟

إذا كان من المُلح والضروري إحضار «لقاح كورونا»، فالثابت، أنّ من الملح لا بل أكثر إلحاحاً، أن نعمل على تطوير لقاح «لبناني الصنع» على أن يُستعمل على دفعتين، الأولى للبنانيين الذين يرتبطون بالخارج، ويرهنون قدر لبنان ومستقبله برهانات وحسابات إقليمية لا تهتم إلا لمصلحتها وذلك للقضاء نهائياً على ذلك «وباء الولاء للخارج»، والدفعة الثانية من اللقاح، لتلك المجموعة أيضاً ولكل اللبنانيين عامة وذلك بهدف تعزيز وانعاش الوطنية اللبنانية في النفوس. وطنية هاجسها الأساس لبنان أولاً وأخيراً. لكنها وطنية لبنانية، منفتحة، تؤمن أنّ قدر لبنان من قدر العرب، وأنّها كلّما تمسكت بانفتاحها وتنوعها ازدادت ثراءً وتألّقاً.

وطنية لبنانية، تؤمن بلبنان الواحد الموحد الديموقراطي، الحر، السيد، المستقل.

أخيراً، لعلّ أفضل ردٍ على تمثال سليماني وغيره من التماثيل، مضمون ما جاء على لافتةٍ وُضعت على قاعدة تمثال الرئيس رياض الصلح وذلك بعد اندلاع الأزمة اللبنانية سنة 1975 وانفلاش الجنون الطائفي والتدخل الخارجي: «قم يا رياض الصلح حارب / عبث الأحبة والأقارب / اخذوا مفاتيح البلاد / وسلموها… للأجانب!»

أيها الراحل الكبير: لن تكون وحدك لتحارب. اللبنانيون الأحرار سيكونون معك، للحصول على الاستقلال الثاني!
عبدالرحمن عبدالمولى الصلح – الراي

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com