عادات المصريين في رمضان كما وصفها الرحّالة والمستشرقون

لوحة لمنظر داخلي من مسجد السلطان حسن للرسام البريطاني ديفيد روبرتس القرن الـ 19

Getty Images
لوحة لجماعة من المصلين في صحن مسجد السلطان حسن بالقاهرة للرسام البريطاني ديفيد روبرتس القرن الـ 19.

حظي شهر رمضان باهتمام كبير في كتابات الرحّالة والمستشرقين الذين زاروا مصر على مدار العصور المختلفة، إذ وجدوا في طقوسه ومظاهره الاحتفالية والدينية على حد سواء مصدراً للدهشة، لاسيما وأنه شهر تتغير فيه ملامح الحياة اليومية وإيقاعها بشكل جذري بين المصريين، إذ تمتزج فيه الروحانيات الدينية بمظاهر احتفالية فريدة تنبض بالحياة.

ولم يغفل هؤلاء الرحّالة والمستشرقون تسجيل أدق التفاصيل عن عادات المصريين في هذا الشهر، مثل “الفوانيس” المضيئة في الشوارع والمساجد، و”مدفع” الإفطار، و”موائد الرحمن” التي تجسد روح التكافل الاجتماعي وغيرها من المظاهر الاحتفالية الخاصة، مما جعل شهر رمضان تجربة استثنائية في ذاكرة كل من زار مصر، فجاءت كتاباتهم حافلة بشهادات ورؤى حفظت لنا صورة تاريخية حيّة، غلبت عليها الدقة وطرافة الوصف في ذات الوقت.

ويمكن تقسيم الرحّالة الذين زاروا مصر إلى قسمين، منهم الرحّالة العرب المسلمون الذين رصدوا عادات وتقاليد المصريين بعين المسلم الذي يألف ما يراه، والعالم ببواطن الأمور الشرقية لغوياً ودينياً، من أمثال الرحّالة ابن الحاج، وابن جبير، وناصر خسرو، وابن بطوطة، ومنهم الرحّالة الأجانب الذين نعرض لهم بعض شهادات كتبوها خلال زياراتهم لمصر، حملت في كثير من الأحيان طابع الدهشة لاعتبارات الاغتراب الديني والثقافي، فاجتهدوا في رسم صورة للقاريء الأوروبي لشهر الصيام رغم حاجز الفروق اللغوية وجهل بعض الأحداث في سياقاتها الإسلامية.

“رؤية الهلال”

لوحة بعنوان "صلاة في القاهرة" من أعمال الرسام الفرنسي جان ليون جيروم عام 1865

Getty Images
لوحة بعنوان “صلاة في القاهرة” من أعمال الرسام الفرنسي جان ليون جيروم عام 1865.

رصد المستشرق الإنجليزي إدوارد وليام لين، الذي زار مصر وأقام بها بضع سنوات، عادات المصريين في دراسته الشهيرة بعنوان “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم” بين عامي 1833-1835، وقدم صورة تفصيلية مطولة لاستطلاع هلال شهر رمضان في زمنه.

ويقول وليام لين: “بعد أن يصل الخبر اليقين لرؤية القمر (الهلال) إلى محكمة القاضي، ينقسم الجنود والمحتشدون فرقاً عديدة، ويعود فريق منهم إلى القلعة بينما تطوف الفرق الأخرى في أحياء مختلفة في المدينة ويهتفون (يا أتباع أفضل خلق الله! صوموا، صوموا)”.

ويضيف: “إذا لم يروا القمر في تلك الليلة، يصيح المنادي (غدا شعبان، لا صيام، لا صيام)، ويمضي المصريون وقتاً كبيراً في تلك الليلة يأكلون ويشربون ويدخّنون، وترتسم البهجة على وجوههم كما لو كانوا تحرروا من شقاء يوم صيام”.

وكان علماء الحملة الفرنسية في مصر (1798-1801) قد سبقوا وليام لين في تقديم صورة حّية عن حياة المصريين، من بينهم العالم إدم-فرانسوا جومار في دراسته بعنوان “وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل” التي وردت ضمن مجموعة دراسات موسوعة “وصف مصر”، إذ تحدث عن صورة تفرّد بها عن سائر ما هو مألوف في كتابات الرحّالة أنفسهم.

يقول جومار: “يبدأ شهر رمضان مع ميلاد هلال هذا الشهر، ويعلن عن ذلك موكب احتفالي يسبق بداية الشهر بيومين، ويتكون هذا الموكب من حشد من الرجال يحمل بعضهم مشاعل، وبعضهم يحمل عصي، ويقومون بأداء حركات مختلفة بها. ويفتتح سير الموكب عازفون يمتطون ظهور الجمال ويضربون على طبل معدنية، بينما يمتطي عازفون آخرون ظهور الحمير ويضربون كذلك على طبل أو يعزفون على بعض آلات النفخ الأكثر صخبا”.

“مدفع الإفطار”

لوحة بعنوان "وليمة" من أعمال الرسام الإنجليزي جون فريدريك لويس القرن 19

Getty Images
لوحة بعنوان “وليمة” من أعمال الرسام الإنجليزي جون فريدريك لويس القرن 19.

ارتبط المصريون بفكرة “مدفع الإفطار” وترسخت في عاداتهم وحافظوا عليها لفترة طويلة وأصبح دوي هذا المدفع مع غروب الشمس “الإشارة” التي يجتمع عليها الجميع إيذانا لبدء الإفطار بعد صيام يوم طويل، كما أصبح من السمات المميزة للمظاهر الاحتفالية في مصر طوال شهر رمضان وحده.

تضاربت الآراء التاريخية من حيث نشأة تلك العادة وأجمعت الروايات، رغم اختلافها، على كونها وليدة الصدفة، أبرز تلك الروايات ما يشير إلى أن العادة ترجع إلى عهد “خوش قدم” المملوكي الذي يقال إنه أمر بتجربة مدفع وصادف ذلك الأول من رمضان عام 869 هجريا (1465 ميلاديا)، وتزامن سماع دويّه وقت الإفطار فاعتقد الأهالي أنه إعلان لتناول الطعام، وفي اليوم التالي أمر خوش قدم بتكرار العادة طوال شهر رمضان، بعد علمه باستحسان الأهالي لها.

بيد أن رواية أخرى تنسب العادة إلى عهد محمد علي باشا (1769-1849 ميلاديا)، الذي صادف تجريبه مجموعة من المدافع في لحظة الغروب في يوم من أيام رمضان، فاعتقد الناس أنها إشارة تعلن بدء الإفطار، وطلبوا استمرارها في الشهر، بل وفي وقت الإمساك أيضا، واستمرت العادة واستمر المدفع يدوي بطلقاته من قلعة محمد علي في القاهرة حتى وقت قريب.

ويقول البعض إن العادة تعود إلى الخديو إسماعيل، وأن أحد الجنود كان ينظف مدفعاً، فانطلقت قذيفة بالخطأ، وصادف ذلك لحظة الغروب، فاعتقد الأهالي أيضاً أنها إعلان ببدء إفطارهم، وترسخت العادة كما حدث مع الراوية السابقة المنسوبة إلى عصر محمد علي باشا.

لوحة لساحة جامع أحمد بن طولون للرسام الفرنسي باسكال كوست عام 1839

Getty Images
لوحة لساحة جامع أحمد بن طولون للرسام الفرنسي باسكال كوست عام 1839.

والأرجح أن العادة أقدم من الخديو إسماعيل بدليل أن الرحالة الإيرلندي ريتشارد بيرتون، الذي زار مصر عام 1853 في أواخر عهد عباس باشا الأول (1848-1854)، ذكرها في مذكرات رحلته المنشورة بعنوان “رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز” قائلاً :”بعد نصف ساعة من منتصف الليل ينطلق مدفع السحور منبها المسلمين بوجوب الاستعداد لتناول طعام السحور وهو بمثابة إفطار مبكر. وبمجرد سماع المدفع يوقظني خادمي إذا كنت نائماً … ويضيع أمامي بقايا وجبة المساء (الإفطار)”.

ويضيف بيرتون: “أظل أدخن بوهن وضعف كما لو كنت أودع صديقاً حميماً حتى ينطلق المدفع الثاني في حوالي الساعة الثانية والنصف معلناً الإمساك، ثم أنتظر أذان صلاة الفجر الذي يُرفع في شهر رمضان مبكراً شيئاً ما عن المعتاد”، ويبدو من مشاهدات بيرتون أن العادة كانت في الإمساك تقضي بإطلاق المدفع مرتين وليس مرة واحدة.

  • هل آمن المصريون القدماء بـ “إله واحد أحد” قبل الأديان السماوية؟

ويواصل بيرتون مشاهداته: “تبدو القاهرة عند اقتراب موعد أذان المغرب (ساعة الإفطار)، وما أبطأ حلوله، وكأنها أفاقت من غشيتها، فيطل الناس من النوافذ والشرفات ليرقبوا اقتراب ساعة خلاصهم، وبعض الناس يصلون ويبتهلون وآخرون يسبّحون بينما آخرون يتجمعون في جماعات أو يتبادلون الزيارات لقتل الوقت حتى يحين موعد الإفطار”.

ويضيف: “يا للسعادة! أخيرا انطلق مدفع الإفطار من القلعة. وفي الحال يجلجل المؤذن بأذانه الجميل داعيا الناس إلى أداء الصلاة، وينطلق صوت المدفع الثاني من قصر العباسية (نسبة لعباس باشا الأول). ويصيح الناس (الإفطار الإفطار) وتعم همهمة الفرح في أنحاء القاهرة الصامتة”.

“فانوس رمضان”

لوحة لتفاصيل داخلية من مسجد المتولي بالقاهرة عام 1839للرسام البريطاني ديفيد روبرتس

Getty Images
لوحة لجماعة من المؤمنين يستمعون إلى وعظ ديني داخل مسجد المتولي بالقاهرة للرسام البريطاني ديفيد روبرتس في القرن الـ 19.

يعد فانوس رمضان واحدا من أبرز المظاهر الاحتفالية في هذا الشهر، ولايزال يحظى بإقبال من الجميع على مدار عصور مختلفة حتى الآن، ومن أشهر الروايات التاريخية عن أسباب ارتباط الفانوس في مصر بشهر رمضان تلك الرواية التي تحدثت عن استقبال المصريين في الخامس من رمضان عام 358 هجريا الخليفة المعز لدين الله الفاطمي (931-975 ميلاديا)، الذي قدم إليها ليلا، فاستقبله أهلها وهم يحملون المشاعل المغطاة من الجوانب، والتي رجّح البعض أنها كانت اللبنة الأولى والملهمة لفكرة الفانوس المعروف حاليا، مع تطور أشكاله من عصر إلى عصر.

كما تحدث آخرون عن كون الخليفة العزيز بالله الفاطمي (955-996 ميلاديا) هو أول من أمر بوضع فوانيس أمام البيوت لإضاءة الشوارع، وأن الخليفة الحاكم بأمر الله (985-1021 ميلاديا) هو أول من أمر الناس بأن يحمل كل منهم فانوساً يضيء أثناء سيره في شوارع مصر طوال شهر رمضان.

وكان من أقدم الرحّالة الذين زاروا مصر ورصدوا مظاهر شهر رمضان فيها هو الأب فليكس فابري الذي قدم إلى مصر في رحلة عام 1483، وصادف بداية شهر رمضان الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وقدم شهادة تفصيلية في دراسة بعنوان “رحلة في مصر”، ترجمها إلى اللغة الفرنسية جاك ماسون نقلا عن الأصل اللاتيني الذي كتبه الأب فابري.

فعندما زار الأب فابري القاهرة رأى في شوارعها “فوانيس بمختلف أشكالها وألوانها، يحملها الكبار والصغار”.

وعن عادة إضاءة المساجد بالفوانيس في شهر رمضان كنوع من المظاهر الاحتفالية، يذكر المستشرق الإنجليزي وليام لين في دراسته أن المصريين، بمجرد علمهم بثبوت رؤية هلال شهر رمضان، يبدأون في تزيين المساجد بالمصابيح على خلاف المعتاد، إذ “تتلألأ الجوامع بالأنوار كما في الليالي المتعاقبة وتُعلّق الفوانيس عند مداخلها وفوق المآذن” خلال أيام الشهر.

كما ذكر الرحالة الأندلسي، ابن الحاج، الذي زار مصر خلال القرن الرابع عشر الميلادي، أنه كانت من عادة المصريين في ذلك العصر تعليق الفوانيس، وكان من عادات المصريين وقتها أيضا عدم خروج المرأة ليلا في شهر رمضان أو غيره إلا ويتقدمها صبي يحمل في يده فانوسا مضاء ليعلم المارة بأن إحدى السيدات تسير كي يفسحوا لها الطريق، وفقا لما ذكره فؤاد مرسي في دراسته “معجم رمضان”.

“الكنافة” معشوقة المصريين

لوحة لصانع الكنافة من أعمال الرسام والعالم الفرنسي كونتيه

Getty Images
لوحة لصانع الكنافة من أعمال الرسام والعالم الفرنسي كونتيه من كتاب وصف مصر لوحات الدولة الحديثة القرن 19.

احتلت الكنافة أهمية وأصبحت وثيقة الصلة بمائدة المصريين في شهر رمضان، وكان يُطلق عليها اسم “زينة موائد الملوك”، واختلفت الروايات التاريخية بشأن ارتباطها بهذا الشهر تحديدا، اشهر تلك الروايات ما يُنسب إلى “معاوية بن ابي سفيان” (608-680 ميلاديا) أنه أول من قُدمت له الكنافة من العرب كطعام للسحور، أثناء ولايته على الشام، حسبما ذُكر في كتاب “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” لابن فضل الله العمري.

كما أشارت روايات إلى أن المصريين صنعوها لاستقبال المعز لدين الله الفاطمي كنوع من مظاهر الاحتفال به، صادف بعد الإفطار في شهر رمضان، فأصبحت عادة منذ ذلك الوقت، وثمة رواية أخرى تقول إن أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، المعروفة بلقب “قطر الندى”، أول من أدخلها إلى مصر من بلاد الشام من خلال رحلاتها العديدة.

بلغ اهتمام المصريين بالكنافة إلى حد جذب انتباه الرحّالة الأوروبيين الذين زاروا مصر في القرنين الـ 18 والـ 19، وتحدّثوا عنها وعن طرق إعدادها، كما اهتم بتسجيلها علماء الحلمة الفرنسية في موسوعة “وصف مصر” في الجزء الثاني من لوحات الدولة الحديثة، وقدم العالم كونتيه رسماً دقيقاً لورشة صانع الكنافة، كما خصص لها العالم الفرنسي بوديه مقالا استهله بعبارة “فن صناعة الكنافة”.

ويقول: “يمسك شيخ الكنفانية في يديه إناء تخترق قاعه ثقوب عديدة … ويملأ هذا الإناء بخليط من سائل يتكون من دقيق القمح التركي أو الذرة البيضاء والبيض والماء، وعن طريق حركة دائرية يقوم بها الحرفي باليد التي تحمل الإناء تنبسط المادة متسرّبة عن طريق الثقوب على سطح صينية محماة، لتنضج في وقت قصير ثم تنفصل من تلقاء نفسها”.

ويضيف: “المصريون شرهون للغاية لهذا النوع من الطعام، ويأكلونه وهو شديد السخونة، وفي معظم الأحيان في المكان الذي أُعد فيه (أي في المحل نفسه)”.

كما قدم وليم لين وصفا موجزا في دراسته لماهية الكنافة وطريقة إعدادها كما رآها قائلا: “تقدم أحياناً أنواع عديدة من الحلويات لا دخل لها هنا بأنواع اللحوم، منها (الكنافة) وهي من أطباق الحلويات المفضّلة لدى المصريين، وهي تُصنع من دقيق القمح وفتائل العجين الدقيقة وتُقلى بقليل من الزبد المخفف ثم تُحلّى بالسكر أو العسل”.

“صور من عادات المصريين”

لوحة بعنوان "سوق النحاسين" في القاهرة من أعمال الرسام البريطاني ديفيد روبرتس في القرن 19.

Getty Images
لوحة بعنوان “سوق النحاسين” في القاهرة من أعمال الرسام البريطاني ديفيد روبرتس في القرن 19.

زار الفرنسي دي فيلامون مصر في القرن السادس عشر عام 1589، وتطرق في تفاصيل رحلته التي نشرها بعنوان “رحلات السير دي فيلامون” إلى المواكب الدينية وحلقات قراءة القرآن في رمضان، وزينة المساجد وعمارتها، كما تحدث عن ظاهرة أشبه بما يُعرف حاليا باسم “موائد الرحمن” الخيرية التي عرفتها مصر على مدار عصورها الإسلامية حتى الآن.

ويقول دي فيلامون: “يجلس (المصريون) على الأرض يتناولون الطعام في الفناء المكشوف أو أمام منازلهم، ولديهم عادة دعوة عابري السبيل إلى مشاركتهم الطعام بصدق وحفاوة”.

أما الفرنسي جومار فيتحدث بإيجاز شديد عن صور وطبائع المصريين في هذا الشهر قائلا: “تُقام الأعياد الدينية في القاهرة ببذخ شديد. فالناس جميعا يعلمون أن رمضان هو شهر الصيام وحينئذ لا يمكنهم الأكل أو الشرب أو التدخين أو الاستمتاع بأية تسلية بين شروق الشمس وغروبها. لكن هذا الحرمان، الذي يطول أو يقصر حسب الفصل (من عشر إلى 14 ساعة في القاهرة)، يتبعه استمتاع كاف يساعد على نسيان هذا الحرمان”.

ويضيف جومار: “الفرق بين صوم المسلمين وصوم المسيحيين هو أن المسلمين يحيون ليالي رمضان باحتفالات، بينما يحضرون في النهار، في جمع كبير، دروس الوعظ في المساجد بورع شديد أو يشغلون أنفسهم بالعمل أو بالنوم في أغلب الأحوال. أما في المساء فتبدو الشوارع مضاءة وصاخبة ويجتمعون في أبهى ملابس، ويأكلون بلذّة الحلوى وينغمسون في كل أنواع التسلية”.

لوحة لسوق الحرير في القاهرة من أعمال الرسام البريطاني ديفيد روبرتس القرن 19.

Getty Images
لوحة لسوق الحرير في القاهرة من أعمال الرسام البريطاني ديفيد روبرتس القرن 19.

ويتحدث الفرنسي غلبير جوزف دو شابرول في دراسته المستفيضة بعنوان “دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين” ضمن دراسات كتاب “وصف مصر” عن كيفية قضاء فئات المصريين نهار رمضان وتعاملهم مع فترة الصيام الشاقة.

ويقول دو شابرول: “يسعى كل شخص في النهار قدر طاقته كي ينهي عمله في أسرع وقت، ليخصص بضع ساعات للنوم، فترى الفلاح راقداً تحت نخلة بعد أن أنهى في فترة الصباح عمله، وترى التاجر يرقد في دكانه، والعامة ممدين في الشوارع بجوار جدران مساكنهم، بينما الغني راقداً بالمثل، نعسان ينتظر على أريكته الفاخرة الفترة التي تسبق غروب الشمس، وأخيراً تأتي الساعة التي طال انتظارها، فينهضون على عجل ويهرع كل شخص للحصول على مكانه”.

ويضيف: “تتجمع النساء في شرفات منازلهن لرؤية غروب الشمس… وتعلن الأغنيات حلول وقت المسرات ووقت الطعام، وتدوي كل المساجد بأصوات المؤذنين الجادة تنادي الناس للصلاة، وتحدث همهمة واضطراب عام، فيتفرق الناس على الفور، وتنفض الجماعات ويتبعثر الجمع إما إلى المقاهي وإما إلى البيوت والمساجد والميادين العامة، ويأكل كل شخص بشراهة”.

وبعد الإفطار، يقول دو شابرول: “يعقب الطعام الاحتفالات والألعاب، وتسيطر الخلاعة الجامحة على ضروب اللهو… بينما تظل المساجد مضاءة حتى بزوغ النهار، ويقضي أفاضل الناس ليلهم في حديث نافع، لكن الجمهور يذهب إلى المقاهي حيث الرواة يقصون بحماسة ملتهبة مغامرات عجيبة تخلب الألباب بطريقة فريدة”.

لوحة للجامع الأزهر من أعمال الرسام الفرنسي جوزيف فيليبرت جيرو دي برانجي عام 1843

Getty Images
لوحة للجامع الأزهر من أعمال الرسام الفرنسي جوزيف فيليبرت جيرو دي برانجي عام 1843.

ولم يفت وليام لين أن يتحدث عن مزاج المصريين خلال أيام الصيام، مشيرا إلى اضطراب الحالة المزاجية بحسب توقيت اليوم قائلا: “يكون المسلمون طوال صومهم في النهار نكديّ المزاج، ويتحولون في المساء بعد الإفطار إلى ودودين محبين بشكل غير عادي… ويتناول المسلمون فطورهم عامة في منازلهم ويمضون بعده بساعة أو ساعتين أحياناً إلى منزل صديق، ويرتاد بعضهم، لاسيما أبناء الطبقات الدنيا، المقاهي في المساء، فيعقدون لقاءات اجتماعية أو يستمعون إلى رواة القصص الشعبية … ويقيم بعض علماء الدين في القاهرة حلقات ذكر في منازلهم كل ليلة طوال هذا الشهر”.

وعن تناقض عادات المصريين في هذا الشهر، يرصد دو شابرول تضاربا يراه غريبا يبرزه قائلا: “شهر رمضان هو أهم الأوقات التي ينغمس فيها المصريون في المسرات ومختلف ضروب اللهو، فهو شهر صيام وشهر مهرجانات. وقد يبدو من الغريب أن يختاروا (المصريون) مثل هذا التوقيت للقيام بممارسات متناقضة: التوبة وتطهير النفس من ناحية، وممارسة الملذات من ناحية أخرى”.

ولم تغب المرأة المصرية عن المشهد بطبيعة الحال، وتحدث عنها في الطبقة العليا قائلا: “تصل مباهج رمضان إلى معاقل النساء، ففي رمضان يُسمح للسيدات باستدعاء العوالم (الراقصات) وبعض الموسيقيين، ويجلس الزوج باسترخاء ولا مبالاة على أريكته ومبسم نارجيلته في فمه، وإلى جانبه أحب زوجاته إلى قلبه، ليستمعا معا بمتعة شديدة إلى أغنيات العوالم وصوت الموسيقى”.

“المسحراتي”

لوحة للجامع الأزهر من أعمال الرسام الفرنسي أدريان دواز عام 1831

Getty Images
لوحة للجامع الأزهر من أعمال الرسام الفرنسي أدريان دواز عام 1831.

وكما في الكثير من بلدان الشرق، تتميز مصر بمهنة “المسحّر أو (المسحراتي)” الذي يتولى إيقاظ الناس من النوم لتناول وجبة السحور قبل صلاة الفجر استعدادا ليوم صيام جديد، ويقدّم العالم الفرنسي، جيوم أندريه فيوتو، تعريفا بالغ الدقة لهذه المهنة في دراسة مهمة تناول فيها بالفحص الدقيق “الموسيقى والغناء عند المصريين المحدثين” منشورة ضمن دراسات “وصف مصر”.

ويقول عن المسحّر: “هم نفر لا يسمع الناس غناءهم إلا خلال شهر رمضان، ويسمون بالمسحّرين، ويوصف بهذا الاسم أولئك الذين يعلنون كل يوم طيلة شهر رمضان، عن اللحظة التي يوشك فيها نور النهار الجديد أن ينبلج من ظلام اليوم المنصرم، وهي تسمى في اللغة العربية بوقت السحور، وهي أيضا الفترة التي ينبغي أن تتم فيها آخر وجبات الليل، لذلك يطلق على هذه الوجبة (السحور) وبعد انتهاء الوجبة لا يُسمح للمسلمين أن يشربوا ولا أن يأكلوا، حتى مغرب الشمس، وهم ملزمون بمراعاة هذه الفترة بعفّة صارمة”.

ويستفيض وليام لين في وصف آخر لنشاط المسحّر وطريقة أداء عمله في فقرات مطولة نورد مقتطفات منها قائلا: “يدور المسحرّون كل ليلة في شهر رمضان يطلقون المدائح أمام منزل كل مسلم قادر على مجازاتهم، ويعلنون في ساعة متأخرة فترة السحور”.

ويضيف: “لكل منطقة في القاهرة مسحّرها الخاص الذي يبدأ جولته بعد ساعتين تقريبا من المغيب، ويحمل في يده اليسرى ما يعرف بطبلة المسحّر، وفي يده اليمنى عصا صغيرة أو سوطاً يضرب به عليها. ويرافقه صبي يحمل قنديلين في إطار من أعواد النخيل، ويتوقفان أمام منزل كل مسلم إلا الفقراء”.

لوحة لجامع السلطان حسن من أعمال الرسام البريطاني ديفيد روبرتس القرن 19.

Getty Images
لوحة لجامع السلطان حسن من أعمال الرسام البريطاني ديفيد روبرتس القرن 19.

ويضيف: “يتجول المسحّر قبل الإمساك بساعة ونصف تقريبا ليوقظ الناس أو يذكرهم بتناول الطعام في المنازل التي أُمر بإيقاظها، فيقرع الأبواب وينادي حتى يسمع سكان المنزل نداءه، ويفعل بواب كل حي الشيء نفسه في كل منزل في الحي. ولا يفرط بعضهم في الطعام عند الإفطار، ويتركون اللذائذ والأطايب الدسمة لفترة السحور، وقد يقلب بعضهم هذه القاعدة أو يساون بين الوجبتين”.

كما تحدث الأب فابري، عندما زار مصر في العصور الوسطى، عن مهنة المسحّر الذي يجوب القاهرة ليلا وينادي على الناس ويوقظهم لتناول وجبة السحور ووصفه فابري قائلا: “يمر ليلا في الشوارع قبل الفجر بساعتين ويدق على قطعة خشب (طبلة) وينادي على الناس ليتزوّدوا بالطعام”.

ويصف الفرنسي أندريه فيوتو التزام كل مسحّر بمنطقته الخاصة قائلاً: “لا يجوب أي من المسحّرين سوى الشوارع الداخلة في نطاق حيّه هو، ولذلك فلكي يُسمح له بالقيام بهذه المهمة، فإنه مُلزم بدفع رسوم (إتاوة) إلى الشخصية المنوطة بحراسة الحي”.

ويضيف: “بعد أن يتلو المسحّر بعض الأدعية الدينية، يبدأ بإنشاد بعض الأشعار، ويقص حكايات شعرية، ويتمنى أمنيات سعيدة لرب البيت، مستصحباً في ذلك كله طبلته الصغيرة، التي يدقها على شكل فاصلات تتكون الواحدة منها من أربع دقات متعاقبة”.

بيد أن وليام لين يجنح إلى تقديم مشهد نسائي لم يتحدث عنه الفرنسيون، أو ربما لم يسعفهم الوقت لرؤيته قائلا: “تضع المرأة في العديد من منازل الطبقة المتوسطة في القاهرة قطعة معدنية صغيرة (أو خمس فضات أو قرشاً أو أكثر) في قطعة من الورق، ويقذفونها من النافذة إلى المسحّر بعد أن تكون أضرمت النار في الورقة حتى يرى مكان سقوطها”.

ويضيف أن المسحّر بناء على ذلك “يرتل حسب رغبتها أو بملء إرادته سورة الفاتحة، وقصة قصيرة غير موزونة القافية ليسليها كقصة (الضرتّين) وشجارهما. وتبعد بعض قصصه عن باب اللياقة والاحتشام، ومع ذلك تسمعها النساء القاطنات في المنازل ذات السمعة الطيبة”.

“ليلة القدر”

لوحة بعنوان بوابة المتولي في القاهرة من أعمال الرسم البريطاني ديفيد روبرتس القرن 19.

Getty Images
لوحة بعنوان بوابة المتولي في القاهرة من أعمال الرسم البريطاني ديفيد روبرتس القرن 19.

يبدأ المصريون في الثُلث الأخير من شهر رمضان الاستعداد لاستقبال عيد الفطر بعادات خاصة تتداخل مع عادات الناس في رمضان، فضلا عن إحياء الأيام العشر الأواخر من شهر رمضان لرصد ليلة القدر، وعن هذه الأيام أفرد وليام لين جانباً مميزاً قدّم فيه صورة عن عادة المصريين خلالها.

ويقول: “يحيي الأتقياء المتدينون آخر عشرة أيام من رمضان في نهاره ولياليه في جامع الحسين وجامع السيدة زينب (في القاهرة)، وتُعرف إحدى هذه الليالي وهي ليلة السابع والعشرين منه عامة بليلة القدر”.

ويضيف: “يقضي هذه الليالي بخشوع كبير بعض الأتقياء الذين لا يستطيعون التأكد أي من الليالي العشر في رمضان هي ليلة القدر، ويجعلون أمامهم وعاء فيه ماء مالح يذوقون طعمه ليروا إن بات حلو المذاق فيتأكدون أن تلك الليلة هي ليلة القدر”.

يظل شهر رمضان سنويا دافعا لتجلي الكثير من المعاني في الذاكرة المصرية من عبادات وفروض دينية، باعثاً للكثير من الإبداعات الفنية والمظاهر الاحتفالية، التي أصبحت وثيقة الصلة بروح الشهر وعلامته الدالة عليه في مصر وشوارعها، وإقامة الولائم وترديد الأغنيات وانتشار موائد الإفطار الجماعية وإحياء الأمسيات الدينية والفنية.

Powered by WPeMatico

** مسؤلية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.