لبنان

حاصباني: موازنة 2026 بلا إصلاح بنيوي حقيقي

حاصباني

قال النائب غسان حاصباني خلال جلسة مناقشة موازنة 2026: “نناقش اليوم أول موازنة في عهد هذه الحكومة، وهي حكومة أعلنت في بيانها الوزاري أنّ الإصلاح المالي والإداري يقعان في صلب أولوياتها. لا شك في أن هذه الموازنة تُظهر نفَسًا إصلاحيًا نسبيًا، لجهة عدم المبالغة في النفقات وتحسّن مستوى الإيرادات مقارنة بالسنة الماضية. ولا نتوقع من الموازنة ان تكون خطة ولا رؤية ولا عملية إصلاحية بحد ذاتها، بل يُفترض أن تكون نتيجة مباشرة للإصلاحات والرؤية، لكن، ورغم ذلك، لا يمكننا الحديث عن إنجاز نوعي، لأن هذه الموازنة ما زالت بلا قطع حساب، وتعكس قصورا واضحا في مقاربة الإصلاحات البنيوية التي وحدها يمكن أن تترجم فعليا بزيادة مستدامة في الواردات وبترشيد حقيقي للنفقات، كأنها تسليم بأمر واقع يمنعها من التقدم على مختلف الأصعدة الإصلاحية بالسرعة المطلوبة”.

أضاف: “عندما تقول الحكومة، من خلال مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع، إنها غير قادرة على تسديد ديونها لمصرف لبنان بما يسمح بإعادة الرسملة المطلوبة لإعادة الودائع، فهي عمليا تقول إنّها غير قادرة على تأمين الإيرادات الكافية ولا على خفض النفقات بالشكل المطلوب، وهذا يشكّل تسليمًا بعدم القدرة على القيام بالإصلاحات الكبرى التي من شأنها تعزيز إيرادات الدولة بالسرعة المطلوبة، وعلى رأسها: تحسين التحصيل الجمركي والضريبي، تحصيل الغرامات المتوجبة على الأملاك البحرية والنهرية، وعلى المقالع والكسارات وسائر التعدّيات، فضلًا عن إدارة أفضل لأصول الدولة المنتجة”.

وتابع: “هذه الإصلاحات تقع في صميم بسط هيبة وسيادة الدولة على كامل أراضيها وحدودها ومرافقها، من ضبط التهرّب والتهريب إلى حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة. وأقتبس من النص الحرفي لوثيقة الوفاق الوطني: “حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها إلى الدولة اللبنانية… واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها”. وقد أُريد لذلك أن يكون مدخلًا لسائر الإصلاحات، إذ تصدّر أولويات الوثيقة”.

وأردف: “بعد مرور سنة على عمر هذه الحكومة، ارتفع سعر سندات اليوروبوند بشكل كبير في الأسواق الثانوية، من دون أن تبادر الحكومة حتى الآن إلى التفاوض مع حملة هذه السندات بما يصبّ في مصلحة الدولة، والذين أصبح معظمهم من الصناديق الأجنبية المتخصّصة بالمضاربات والنزاعات. ففي غياب مقاربة متكاملة للحل المالي، يُتَّفق عليها مع صندوق النقد الدولي، وتكون لصالح الدولة اللبنانية والمودعين، وتُحدَّد فيها مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف بالأرقام والالتزامات، تصبح النصوص القانونية غير متكاملة، لا تلبّي الأهداف المرجوّة، ولا تستند إلى أرقام مدقّقة، ولا تؤمّن حتى الدعم الدولي. وتترقّب الصناديق المضاربة أداء الدولة اللبنانية، وترى في تردّدها في إعطاء الأولوية لأصحاب الودائع المشروعة حجّة إضافية لرفع توقّعاتها بشأن قيمة السندات، معتبرة أنّ ما قد يتحقّق من إيرادات إضافية للدولة يمكن أن يصبح من حصّتها، ما يرفع الكلفة على الدولة اللبنانية من دون أي مبرّر فعلي”.

وسأل: “هل ما يحصل يتمّ عن سابق تصوّر وتصميم، أم أنّه قصور في إدارة هذا الملف؟”، وقال: “في الحالتين، يرتّب ذلك مسؤولية كبيرة على المعنيّين بهذا الموضوع في الحكومة ومن حولها، سيُحاسَبون عليها ولو بعد حين، كما يجب أن يُحاسَب من أدخل الدولة في التعثّر من دون خطة، ومن هدر أو اختلس أموال المودعين، من المصارف مرورًا بالمصرف المركزي، وصولًا إلى الدولة”.

أضاف: “هذه الموازنة، للأسف، لا تعكس إصلاحًا بنيويًا حقيقيًا، بل تعكس إلى حدّ كبير استمرارية لوضع قديم لم يتغيّر. ما زلنا أمام قوانين برامج لا تُنفَّذ ولا تُستكمَل، وتُمَدَّد من سنة إلى أخرى. ونقترح في هذا الإطار إما تعليق هذه القوانين وإعادة النظر بها جذريًا، فإمّا تُلغى، وإمّا يُستكمَل تنفيذها فعليًا مع تأمين تمويلها، وتحديد الخسائر الناتجة منها، ومعالجة أوضاع الاستملاكات التي قد تكون حصلت بنتيجتها. وكذلك، ما زالت هناك عشرات المؤسسات العامة واللجان والهيئات التي تتمتّع بأنظمة هجينة وصفات قانونية مختلفة، وتتلقّى مساهمات من وزارات الوصاية، مما يشكل أعباء غير مبررة على الخزينة. ومن الإصلاحات العاجلة التي كان يفترض أن تعكسها هذه الموازنة: إعادة النظر الشاملة في المؤسسات والهيئات والصناديق، وإلغاء المساهمات للمؤسسات والهيئات التي يُفترض أن تكون ذات اكتفاء مالي ذاتي، باستثناء ما أُنشئ حديثًا في إطار تطبيق القوانين الإصلاحية، وإجراء مسح شامل لما تبقّى منها لتقييم جدوى استمرارها”.

وتابع: “ورد في تقرير رئيس لجنة المال والموازنة أنّ وزير المال تقدّم باقتراحات لإضافة مواد قانونية على مشروع الموازنة بصفته ممثّلًا للحكومة. وبالفعل، خلال اليوم الأخير من مناقشات اللجنة، طُرحت كمية كبيرة من الاقتراحات قيل إنّها واردة من وزير المال رغم عدم وجوده في لبنان في ذلك الوقت، وكان معظمها إعفاءات ضريبية ورسومًا لا تنبثق عن رؤية اقتصادية متكاملة، لا من حيث التحفيز ولا من حيث زيادة الواردات. كما ورد من بينها اقتراح يجعل من لبنان جنّة ضريبية للأجانب، ما قد يؤثّر سلبًا على تصنيف لبنان الرمادي في مجال تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهو أمر خطير لا يمكن القبول به. وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل قُدّمت هذه الاقتراحات فعلًا باسم الحكومة وبناءً على تفويض صريح منها لتعديل موازنة أقرّها مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم تُدرج هذه التعديلات في متن مشروع القانون المحال إلى مجلس النواب وفقًا للأصول؟ وما هو مدى تأثيرها على أرقام الموازنة؟ نطرح هذا السؤال لأن الوزير الممثّل للحكومة يمكنه أن يشرح وجهة نظرها ويدافع عنها باسمها خلال مناقشة أي مشروع قانون، لكن لا يمكنه أن يقترح تعديلات كبرى من دون الرجوع إلى الحكومة والحصول على موافقتها الصريحة. وأي تعديل يُقدَّم باسم الحكومة يجب أن يعكس قرارًا حكوميًا معتمدًا، لا مجرّد اجتهاد فردي، خاصة عندما نتحدّث عن قانون أساسي نصّ الدستور صراحة في المادة 65 منه على آلية خاصة لإقراره بأكثرية الثلثين”.

وأردف: “إذا لم نحصل على جواب شافٍ من الحكومة، أقترح على الزميلات والزملاء النواب استثناء هذه الاقتراحات من النقاش في الهيئة العامة، وطلبَ أن تتقدّم الحكومة بمشروع قانون مستقل لدراسته بتأنٍّ، حفاظًا على هيكلية الموازنة كما أُحيلت من الحكومة، على أن تُناقَش وتُقَرّ فقط التعديلات المقدّمة وفق الأصول والتي لا تمسّ جوهر الموازنة ووارداتها ونفقاتها”.

وقال: “أمّا في ما يخصّ احتياطي الموازنة، فقد ورد في تقرير رئيس لجنة المال والموازنة أنّ الحكومة لم تُحسن درس طلبات الوزراء ولم تستجب لما هو ملحّ منها، كما فعلت اللجنة، وهذا إقرار واضح بأن اللجنة أقرت زيادات على اعتمادات الموازنة، وهو أمر مخالف للدستور، وأتمنّى تصويبه خلال مناقشة البنود والتصويت عليها، خصوصا أنّ هذه الزيادات تمت على حساب خفض احتياطي الموازنة، ومنها ما ذهب إلى صناديق وهيئات وجهات حصلت على سلف مختلفة ويشوب أداءها شبهات هدر وفساد، وقد لا تؤدّي الدور المطلوب منها في الظروف الراهنة”.

أضاف: “إن توزيع الاحتياطي على اعتمادات الوزارات أو نقل مخصّصاته إلى بنود محدّدة خلال مناقشة مشروع الموازنة يشكّل عمليًا تعديلًا في هيكل الاعتمادات وزيادة في اعتمادات بعض الإدارات، وهو ما يندرج ضمن الحالات المحظورة صراحة بموجب المادة 84 من الدستور، بصرف النظر عمّا إذا كان مجموع النفقات قد تغيّر أم لا، فضلًا عن تأثيره المباشر على قدرة السلطة التنفيذية على مواجهة الحالات الطارئة”.

وتابع: “نحن نعوّل على هذه الحكومة لكي تبدأ فعليًا بالإصلاح اليوم قبل الغد، وأن ينعكس هذا الإصلاح زيادة حقيقية في الواردات المعتمدة، وأن تتضمّن الموازنة صورة واضحة وصريحة عن الديون والالتزامات المترتّبة على الدولة. كما نعوّل على أن تكون ممارسة مجلس النواب لصلاحياته في مناقشة الموازنة ضمن الأصول الدستورية، وبعيدًا عن الشعبوية الانتخابية التي لا تنتج إلا فوضى مالية ولا تخدم المواطنين إلا بالوعود والعواطف، فيما تؤدّي عمليًا إلى هدر الأموال على صناديق وهيئات لم تُعمِّر ولم تُغِث ولم تنتظم ماليتها، وعلى نفقات يمكن للحكومة أن تحدّدها عند الضرورة ضمن إطار احتياطي الموازنة، حفاظًا على هيكلية واضحة تُحاسَب الحكومة على أساسها”.

وختم: “لا يمكننا القبول بموازنة لم تعد تشبه ما طرحته الحكومة، وتقوض عملها، وتعيد الهدر إلى زمن يفترض أن يكون قد ولى، أو تخالف الدستور والأصول القانونية، لأن الإصلاح يبدأ بوقف الممارسات الخاطئة لا بتمديد أجلها

🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

زر الذهاب إلى الأعلى