BBC

ما خيارات السعودية بعد رفض الولايات المتحدة دعمها عسكريا ضد الحوثيين؟

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب

Getty Images

تواجه السعودية اختبارا جديدا لعلاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة، بعدما أفاد موقع "أكسيوس" بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه ضربات عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، لكن واشنطن رفضت الطلب، مفضلة تقديم دعم استخباراتي وعسكري غير مباشر مع تجنب الانخراط المباشر في الحرب.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه الحوثيون تقدمهم على الساحل الغربي لليمن واقترابهم من باب المندب، وسط تصاعد الهجمات على الأراضي السعودية.

ويضع هذا الموقف الرياض أمام سؤال أوسع من كيفية الرد على هجمات الحوثيين: إلى أي مدى تستطيع السعودية الاعتماد على شبكة تحالفاتها الإقليمية، إذا لم تكن واشنطن مستعدة لتوفير القوة العسكرية التي تطلبها في لحظة تصعيد حاد؟

علاقة عسكرية واقتصادية يصعب تجاهلها

تأتي حساسية الموقف في ضوء حجم العلاقة العسكرية بين السعودية والولايات المتحدة.

ووفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري"، كانت الولايات المتحدة أكبر مورد للأسلحة إلى السعودية خلال الفترة 2021-2025، إذ بلغت حصتها نحو 77 بالمئة من واردات السعودية من الأسلحة الرئيسية خلال تلك السنوات.

وتحتل السعودية أيضا موقعا متقدما بين كبار مستوردي الأسلحة في العالم؛ فقد استحوذت على 6.8 بالمئة من إجمالي واردات الأسلحة الرئيسية عالميا خلال الفترة نفسها.

ولا تقتصر العلاقة على السلاح، ففي نوفمبر 2025 أعلنت الرياض وواشنطن رفع الالتزام الاستثماري السعودي تجاه الولايات المتحدة إلى نحو تريليون دولار، بعد أن كان الإعلان السابق يتحدث عن 600 مليار دولار.

لكن هذه الأرقام تمثل التزامات وخططا استثمارية واتفاقات معلنة، وليست كلها استثمارات منفذة بالفعل.

أما تقديرات حجم الاستثمارات والموجودات السعودية الموجودة بالفعل في الولايات المتحدة فتختلف بحسب طريقة احتساب الأصول المباشرة والمحافظ الاستثمارية.

وقدر تحليل لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن إجمالي الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة بنحو 490 مليار دولار، مع وجود نحو 350 مليار دولار من حيازات سعودية محددة في الأوراق المالية الأمريكية طويلة الأجل حتى الربع الثالث من 2024.

ومن ثم، فإن رفض واشنطن توجيه ضربات مباشرة ضد الحوثيين لا يعني بالضرورة انهيار الشراكة السعودية الأمريكية، لكنه يمثل لحظة اختبار لعلاقة اعتمدت فيها الرياض على الولايات المتحدة لعقود في التسليح والدفاع الجوي والاستخبارات والتدريب.

لماذا لا تريد واشنطن الدخول في أعمال عسكرية؟

الموقف الأمريكي لا يعني التخلي عن السعودية بالكامل، فبحسب "أكسيوس"، تواصل واشنطن تقديم دعم للسعودية، لكنها تركز على حماية الملاحة في البحر الأحمر ومنع إغلاق باب المندب، بينما تحاول في الوقت نفسه إبقاء قنوات الاتصال مع الحوثيين مفتوحة.

وفي هذا السياق، عقد مسؤولون أمريكيون لقاءات مع ممثلين عن الحوثيين في سلطنة عمان، بهدف الحفاظ على ترتيبات وقف إطلاق النار الأمريكية الحوثية ومنع استهداف الملاحة الدولية.

ويكشف ذلك عن اختلاف في الأولويات بين واشنطن والرياض: فالسعودية تواجه تهديدا مباشرا لأراضيها وأمنها، بينما تركز واشنطن بصورة أكبر على منع توسع الحرب وحماية حركة التجارة الدولية.

اتفاق مكة وحدود التعهد الدفاعي

وفي محاولة لتنويع خياراتها الأمنية، تملك السعودية إطارا جديدا يتمثل في اتفاق مكة للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا.

لكن من المهم عدم تقديم الاتفاق على أنه آلية تفرض تلقائيا دخول الدول الثلاث في أي حرب تخوضها إحدى الدول الأعضاء.

فالنص المعلن يقدم الاتفاق باعتباره إطارا دفاعيا، بينما بدأت الدول الثلاث بالفعل في إنشاء آليات للتنسيق، بينها اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية التي عقدت اجتماعا في إسطنبول في 31 أغسطس/ آب.

وفي حالة الحوثيين، يبقى السؤال هو ما إذا كانت الهجمات على الأراضي السعودية تستدعي تفعيل الالتزامات الدفاعية للاتفاق، وما طبيعة المساعدة التي يمكن أن تقدمها باكستان وتركيا.

ولا توجد حتى الآن إشارة إلى التزام معلن من الدولتين بالدخول في عمليات هجومية داخل اليمن.

وبالتالي، فإن اتفاق مكة يمكن أن يوفر للسعودية شبكة ردع ودعم إضافية، لكنه لا يمثل بديلا مطابقا للقدرات الأمريكية ولا يعني تلقائيا إرسال قوات إلى اليمن.

القاهرة: دعم للسعودية من دون إعلان حرب

وفي ظل هذه المعادلة، جاءت زيارة محمد بن سلمان إلى مصر في 15 سبتمبر/ أيلول، حيث التقى ولي العهد السعودي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبحث الجانبان التطورات الإقليمية والأمن البحري والحرب في اليمن.

وأكدت الرئاسة المصرية رفض القاهرة أي هجمات أو تهديدات تمس سيادة السعودية وأمنها، كما شدد البلدان على ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مع تأكيد دعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

لكن ما صدر عن القاهرة لا يتضمن إعلانا عن مشاركة عسكرية مصرية مباشرة في الحرب ضد الحوثيين.

وتكمن أهمية الموقف المصري في أن القاهرة لديها مصلحة استراتيجية مباشرة في أمن البحر الأحمر وباب المندب، بسبب تأثير اضطرابات الملاحة على قناة السويس والاقتصاد المصري.

وقد أشارت تقارير إلى أن اضطرابات البحر الأحمر تسببت في خسائر كبيرة لإيرادات قناة السويس.

لذلك تبدو القاهرة مستعدة لتعزيز التنسيق السياسي والأمني مع الرياض وحماية المصالح المرتبطة بالملاحة، لكن ذلك يختلف عن قرار الدخول في حرب برية جديدة داخل اليمن.

ماذا بقي أمام الرياض؟

أمام السعودية مجموعة من الخيارات، من بينها تعزيز قدراتها الدفاعية بصورة مستقلة، وتكثيف الاعتماد على القوات اليمنية المتحالفة معها، والاستفادة من القدرات التركية والباكستانية والمصرية في المجالات الدفاعية والأمنية، إضافة إلى مواصلة الضغط الدبلوماسي على الحوثيين.

لكن الوضع الميداني يزيد صعوبة هذه الخيارات، فقد أدى الهجوم الحوثي الأخير إلى سيطرة الجماعة على مناطق ساحلية مهمة، بينها ميناء المخا، ما قربها من باب المندب ورفع المخاوف بشأن أمن الملاحة والطاقة.

كما تواجه القوات المناهضة للحوثيين مشكلات في التنسيق والانقسام، وفقا لتحليلات وتقارير ميدانية حديثة.

وهنا تظهر أهمية الموقف الأمريكي بالنسبة إلى الرياض: فالسعودية لا تبحث فقط عن مزيد من الأسلحة، وإنما عن مظلة أمنية قادرة على ردع هجمات الحوثيين وحماية منشآتها الحيوية.

ومع أن واشنطن لم توقف تعاونها العسكري والأمني مع الرياض، فإن رفضها تنفيذ ضربات مباشرة يمثل تذكيرا بحدود ما هي مستعدة لتقديمه في هذه الحرب.

هل تعيد الرياض حساباتها؟

قد يدفع الموقف الأمريكي السعودية إلى إعادة تقييم توزيع أدوار حلفائها، بدلا من البحث عن بديل واحد لواشنطن.

فمصر تملك موقعا استراتيجيا على البحر الأحمر، وتركيا تملك قدرات عسكرية متقدمة، وباكستان تملك علاقات دفاعية عميقة مع الرياض، بينما تظل الولايات المتحدة صاحبة الدور الأكبر في تسليح السعودية وتوفير منظومات دفاعية وتقنيات واستخبارات.

وفي المقابل، فإن أي انتقال من الدعم الدفاعي إلى حرب إقليمية مفتوحة قد يحمل تكاليف كبيرة لجميع الأطراف.

ولهذا يبدو أن الرياض تتحرك حاليا على أكثر من مسار في آن واحد: طلب دعم أمريكي، وتفعيل الشراكات الإقليمية، وتعزيز الدفاعات، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام المسار السياسي.

برأيكم

  • هل تستطيع السعودية احتواء التقدم الحوثي من دون تدخل عسكري أمريكي مباشر؟
  • إلى أي حد يمكن أن يتحول اتفاق مكة إلى آلية دفاعية عملية إذا استمرت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية؟
  • هل يمكن لباكستان وتركيا تقديم دعم عسكري للسعودية من دون الانخراط في الحرب داخل اليمن؟
  • هل تكتفي مصر بالدعم السياسي وحماية المصالح المرتبطة بالبحر الأحمر، أم يمكن أن تتوسع مشاركتها الأمنية؟
  • ما تأثير سيطرة الحوثيين على باب المندب والساحل الغربي في أمن السعودية ومصالحها الاقتصادية؟
  • هل يدفع تراجع الانخراط العسكري الأمريكي الرياض إلى إعادة ترتيب تحالفاتها أو العودة إلى مسار تفاوضي مع الحوثيين؟

نناقش معكم هذه المحاور وغيرها في حلقة الجمعة 18 سبتمبر/ أيلول.

خطوط الاتصال تُفتح قبل نصف ساعة من موعد البرنامج على الرقم 00442038752989.

إن كنتم تريدون المشاركة بالصوت والصورة عبر تقنية زووم، أو برسالة نصية، يرجى التواصل عبر رقم البرنامج على وتساب: 00447590001533

يمكنكم أيضا إرسال أرقام الهواتف إلى صفحتنا على الفيسبوك من خلال رسالة خاصة Message

كما يمكنكم المشاركة بالرأي في الحوارات المنشورة على نفس الصفحة، وعنوانها: https://www.facebook.com/NuqtatHewarBBC

أو عبر منصة إكس على الوسم @Nuqtat_Hewar

يمكنكم مشاهدة حلقات البرنامج من خلال هذا الرابط على موقع يوتيوب هنا.

ما خيارات السعودية بعد رفض الولايات المتحدة دعمها عسكريا ضد الحوثيين؟

🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

زر الذهاب إلى الأعلى