BBC

التغير المناخي: كيف “انتهزته” أنواع من الحيتان و”ظُلمت” أخرى؟

حوت يسبح في مياه قرب الجليد

Fernando Ugarte
حوت أحدب يتغذى في مياه ساحلية شبه قطبية

تشهد بحار الجليد في شرق جزيرة غرينلاند ذوباناً، ما سمح للحيتان العملاقة بارتياد مناطق لم تكن مفتوحة أمامها من قبل.

هكذا استنتجت دراسة امتدت لعقود، رصد فيها الباحثون المئات من أضخم الحيتان على وجه الأرض – بينها الحيتان الحدباء وحيتان المنك والحيتان الزعنفية – تتغذى في مياه خالية من الثلوج بمحاذاة ساحل الجزيرة في الصيف.

ولم يُعرف تاريخياً عن أيّ من هذه الثدييات البحرية العملاقة ارتياد تلك المناطق، فقد كانت الثلوج تحول دون وصولها إلى المياه الساحلية.

واليوم، بعد أن سخّن التغير المناخي البحار وأذاب الجليد، وجدت الحيتان طريقها للتكيّف مع ذلك.

ويرى الباحثون في هذه النتيجة "مواسم تغذية" في القطب الشمالي لهذه الحيتان، ضِمن تحوّل أكبر في النظام البيئي للمحيط على طول الساحل شرقي غرينلاند.

عدد أربعة حيتان تسبح في مياه، وقاربين غير بعيدين

Fernando Ugarte
حيتان زعنفية تسبح في مياه خالية من الجليد قبالة الساحل شرقي غرينلاند، كما يرصدها باحثون من على متن قارب غير بعيد

ثمة تغيير دراماتيكي: إذ لم تتمكن الدراسات المسحية، التي جرت من على متن السُفن في تلك المنطقة، من رصد حوت أحدب واحد هناك قبل عام 2006، فيما تمّ رصد سبعة من تلك الحيتان في عام 2007، وصولاً إلى 150 في عام 2024.

وشهدت الفترة الممتدة من صيف 2015 وحتى 2024، إجراء دراسات مسحية مُمنهجة من الجوّ، وقد رصدت هذه الدراسات مجموعة من الحيتان البالينية العملاقة – مجموعة تضم الحيتان الزعنفية وحيتان المنك والحيتان الحدباء – قبالة ساحل غرينلاند الشرقي.

وجمعوا هذه البيانات مع مسارات 15 حوتاً زُودت بأجهزة تتبع عبر الأقمار الاصطناعية، وشهادات صيادين من شعب الإنويت، لتكوين صورة لما وصفه الباحث الرئيسي، البروفيسور مادس بيتر هايده-يورغنسن، بأنه "تحول كبير في النظام البيئي".

وتشير التقديرات إلى أن بحر غرينلاند في صيف عام 2024، استقبل نحو أربعة آلاف حوت أحدب، وستة آلاف حوت زعنفي، وستة آلاف من حيتان المنك.

قارب على متنه ثلاثة أشخاص ومن أمام القارب يطفو جزء من جسم حوت وغير بعيدٍ تتراءى تلال من الجليد

Fernando Ugarte
يثبّت الباحثون على أجسام بعض الحيتان أجهزة تتبّع متّصلة بالأقمار الاصطناعية لرصد تحركاتها الموسمية

وفي حديث مع بي بي سي، قال البروفيسور هايده-يورغنسن، الباحث بمعهد غرينلاند للموارد الطبيعية، إن التغييرات التي طرأت على المنطقة "ربما كانت الأكثر جذرية بين المناطق شبه القطبية" التي يمكننا رصدها.

هذا التغيّر يأتي مدفوعاً بارتفاع درجات حرارة البحر وبتوفّر التغذية، كما يبدو أن الحيتان تسعى وراء غذائها من الأسماك التي انتقلت بدورها إلى المياه الدافئة قبالة الساحل الشرقي لغرينلاند.

ويقدّر الباحثون أن هذه الأنواع الثلاثة من الحيتان تتناول في موسم الصيف الواحد ما لا يقل عن 800 ألف طن من السمك والكريل.

سِرب من ستة حيتان من فصيلة واحدة تسبح في المياه

Carsten Egevang
بينما استفادت بعض أنواع الحيتان من دفء المياه، فإن أنواعاً أخرى تفقد موطنها، ومنها حيتان النروال أو ما يعرف بـكركدن البحر

ولم يتضح من هذه الدراسة ما إذا كان هذا التغيّر المرصود يعكس نمواً حقيقياً في أعداد هذه الأنواع من الحيتان، أم أن الأمر مجرّد تغيير لمواطن وجودها.

وأعرب خبراء آخرون تحدثت معهم بي بي سي عن قلقهم من أن الدراسة توحي بحدوث تدفق لهذه الحيوانات من غربي غرينلاند، وتُعد هذه مسألة حساسة في غرينلاند، حيث يجري صيد بعض أنواع الحيتان.

فيما تشير الدراسات إلى أن هذه الحيتان البالينية "الانتهازية" أظهرت قدرة على التكيّف بما يؤهلها إلى الاستفادة من هذا التغير المناخي.

على أن هذه الاستفادة لن تعُمّ على كل أنواع الحيتان، كما ينوّه الباحث هايده-يورغنسن، مشيراً إلى أن بعض الحيتان أصبحت في مأزق، ومنها حيتان النروال أو ما يعرف بكركدن البحر والحيتان البيضاء، باتت تتشارك موائلها مع هذه الحيتان الأخرى، أو ربما تُزاح منها.

وهكذا، فإن "التغير المناخي لا يعني بالضرورة مشكلة، فقد يفتح آفاقاً جديدة لبعض الأحياء، ولكن ذلك قد يكون على حساب أخرى تفقد موائلها"، بحسب هايد-يورغنسن.

التغير المناخي: كيف "انتهزته" أنواع من الحيتان و"ظُلمت" أخرى؟

BBC Arabic

🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

زر الذهاب إلى الأعلى