كيف تبدو الأوضاع في المناطق التي استعادها الجيش السوداني في شمال كردفان؟
في أبريل/نيسان من عام 2023، وقبل اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بأسابيع قليلة، كنت أسلك طريق الصادرات الذي يربط مدينة أم درمان، الواقعة غربي العاصمة، بمدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان.
كان الطريق وقتها يعج بالحركة، فحافلات المسافرين وشاحنات البضائع، المحمّلة بالمحاصيل الزراعية والماشية، تتجه شرقًا صوب العاصمة، فيما كان جانبا الطريق يعجان بالحياة، مع انتشار الأسواق والمحال التجارية والمطاعم والاستراحات.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات، عدت هذا الأسبوع إلى الطريق نفسه، لكن المشهد كان مختلفاً تماماً، بعد أن استعاد الجيش السوداني السيطرة عليه من قوات الدعم السريع، التي ظلت تحكم قبضتها عليه طوال السنوات الثلاث الماضية.
خراب ودمار في كل مكان
هالني ما رأيت على امتداد الطريق.
دمار وخراب في كل مكان، إذ تحولت المطاعم والمحال التجارية إلى أنقاض، وتعرضت محطات الكهرباء وشبكات المياه وعدد من المؤسسات الصحية والتعليمية لدمار واسع النطاق.
وعلى جانبي الطريق، تقبع مئات السيارات المحروقة أو التي تعرضت للنهب، في مشهد يعكس حجم ما خلفته سنوات الحرب.
توقف النشاط التجاري تمامًا، ولم تعد هناك حركة مرور تذكر، باستثناء مركبات عسكرية تقل جنودا.
حتى القرى التي تقطنها قبائل رعوية لم تسلم من آثار الحرب، إذ أصبحت عشرات القرى شبه خاوية، بعد أن أجبر القتال سكانها على الفرار إلى مناطق أخرى بحثا عن الأمان.
مررنا بعدد من المناطق التي استعادها الجيش، من بينها رهيد النوبة وخور الحوت وأم شعطوط، وكانت وجهتنا منطقة جبرة الشيخ، ذات المساحة الجغرافية الشاسعة والكثافة السكانية الكبيرة، والتي كانت خلال الحرب بمثابة منطقة لوجستية لقوات الدعم السريع.
- آلاف النازحين السودانيين بلا ملاذ آمن مع تقدم الدعم السريع نحو الأبيض
- كيف يمكن إنهاء حرب السودان الوحشية والمنسية؟ – الإيكونوميست
- كيف تحولت موازين القوة بين الجيش والدعم السريع في شمال كردفان؟
خطر الطائرات المسيّرة
قبل وصولنا إلى جبرة الشيخ، أوقفتنا نقطة تفتيش عسكرية يديرها ضباط وعناصر ينتمون للقوات المشتركة المتحالفة مع الجيش.
أخبرنا القائد الميداني بأن الأوضاع الأمنية لا تزال غير مستقرة في الاتجاهات الغربية، في ظل نشاط للطائرات المسيّرة التابعة لقوات الدعم السريع.
وقال النقيب صديق عبد الرحمن إن القوات المسلحة والفصائل المتحالفة معها تنفذ عمليات تمشيط واسعة في المناطق التي استعادت السيطرة عليها.
ومضى يقول: “القوات تقوم بعمليات تمشيط في الوقت الحالي، كما أن هناك استهدافًا بالمسيرات لتلك المناطق بواسطة قوات الدعم السريع، وبالتالي فإن المناطق غير آمنة كليًا، وأنصحكم بالعودة”.
كان علينا أن نعود أدراجنا.
وفي طريق العودة، التقينا بفضل المولى عمر، الذي كان يرعى ماشيته في إحدى المراعي.
يقول فضل المولى إنه تمكن أخيرًا من استئناف عمله بعد توقف طويل، لكنه لا يزال يخشى هجمات المسيّرات التي يقول إنها تابعة لقوات الدعم السريع.
وأوضح قائلًا: ” فيما مضى، كان من الصعب أن ننتقل بأمان، لأن أفراد قوات الدعم السريع كانوا يسلبون منا الماشية ويذبحونها .. الآن يمكنني التحرك، ومع ذلك أخشى من مسيرات الدعم السريع التي ما زالت تستهدفنا”.
“نرجو أن تتحسن الأحوال”
اضطرت أعداد كبيرة من العائلات إلى النزوح بعد سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء من شمال شرقي ولاية شمال كردفان، لكن بعض الأسر فضلت البقاء في مناطقها، رغم الظروف الصعبة.
ومن بين هؤلاء فاطمة وأسرتها، الذين قالوا إنهم لم يغادروا قريتهم الواقعة في منطقة رهيد النوبة.
وطوال السنوات الثلاث الماضية، واجهت الأسرة ظروفًا أمنية ومعيشية صعبة، لكنها تقول إنها تتمسك بالأمل في أن تتحسن الأوضاع بعد استعادة الجيش السيطرة على المنطقة.
وتقول فاطمة: “عشنا أيامًا صعبة خلال السنوات الثلاث الماضية، وتعرضنا لكثير من الانتهاكات، لكننا فضلنا البقاء على أرضنا. الآن الأوضاع صعبة جدًا في ظل ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وشح المياه، ونرجو أن تتحسن أحوالنا مع دخول الجيش”.
وتواصلت بي بي سي مع متحدثين ومستشارين لقوات الدعم السريع عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني للحصول على تعليق بشأن الاتهامات الموجهة لها باستهداف المدنيين والأعيان المدنية في شمال كردفان باستخدام المسيّرات، لكنها لم تتلقَّ استجابة منهم حتى وقت كتابة هذا التقرير.
وكانت القوات شبه العسكرية قد نفت، في مناسبات سابقة، مسؤوليتها عن اتهامات مماثلة.
بارقة أمل
لم تتوقف آثار الحرب عند حدود الأمن والنزوح.
فمعظم المؤسسات التعليمية القرآنية المنتشرة في هذه المناطق توقفت عن العمل بسبب الحرب المستمرة، كما لم يعد يعمل سوى عدد قليل جدا من المراكز الصحية، بعد تعرض عدد منها للدمار ورحيل الكوادر الطبية كما يقول المسؤولون المحليون.
وجعل ذلك الحياة أكثر صعوبة على من تبقى من السكان.
ومع ذلك، يحاول بعضهم التمسك بما تبقى من تفاصيل حياتهم اليومية.
ذهبنا إلى قرية الرهيد، التي تقع على بعد بضعة كيلومترات جنوب الطريق الرئيسي. اجتزنا غابة صغيرة، وتوغلنا بين الكثبان الرملية، حتى وصلنا إلى القرية.
وخلافا لكثير من المناطق التي مررنا بها، كان في القرية ما يشير إلى عودة بعض مظاهر الحياة.
فالمدرسة القرآنية لا تزال تستقبل طلابها، ولم تتوقف الدراسة فيها طوال فترة الحرب.
ويقول الشعراني الشيخ مصطفى، وهو أحد القائمين على الخلوة القرآنية، إن عشرات الطلاب ما زالوا يدرسون فيها، لكنه يشير إلى صعوبات كبيرة تواجههم، خصوصًا في توفير الوجبات الغذائية للطلاب والمدرسين، في ظل ارتفاع الأسعار.
ويقول: ” الأوضاع الأمنية مستقرة، ولم نتعرض لمشكلات طوال الفترة الماضية، لكننا نعاني كثيرًا في توفير الوجبات الغذائية للطلاب والمدرسين على حد سواء. الأسعار هنا مرتفعة جدًا، وأحيانًا ترتفع الأسعار بأكثر من 100 في المئة، لأن السلع تأتي إلينا من مناطق بعيدة”.
ورغم ظروفهم القاسية، لم يغلق سكان القرية أبوابهم أمام من اضطروا إلى مغادرة مناطقهم.
فقد احتضنوا عشرات النازحين الذين لجأوا إليهم من مناطق أخرى، ويعيش هؤلاء النازحون بين جدران المدرسة، في انتظار أن تتغير الظروف التي دفعتهم إلى مغادرة منازلهم.
وكثير من النازحين الذين التقينا بهم يأملون، إلى جانب بقية سكان المناطق التي استعادها الجيش في شمال كردفان، في أن يسود الاستقرار، وأن تتوقف هجمات الطائرات المسيّرة، وأن يتمكنوا من العودة إلى حياة طبيعية بعد سنوات أنهكتهم فيها الحرب.
- حرب المُسيّرات في مدينة الأبيض: تحوّل تكتيكي يُهدّد المدنيين وشريان الإمداد العسكري في كردفان
- تحقيق خاص – المسيّرات الأجنبية تغيّر مسار الحرب في السودان
- الجيش السوداني يستعيد مدناً شمال كردفان سيطرت عليها قوات الدعم السريع
🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.