BBC

هل تتسبّب السفن العالقة في مضيق هرمز بـ”غزو بيولوجي” عالمي؟

ناقلات نفط وسفن شحن راسية قبالة ميناء السلطان قابوس في مسقط، سلطنة عُمان، في 21 يونيو/ حزيران.
Elke Scholiers/Getty Images

حذّر فريق دولي من علماء الأحياء البحرية من أن إغلاق مضيق هرمز ينذر بـ”أزمة بيئية وشيكة” ويشكّل “تهديداً هائلاً للأمن الحيوي العالمي”، بحسب تقرير نُشر في مجلة “الغزوات البيولوجية” (Biological Invasions).

ويقول العلماء إن بقاء السفن عالقة لأشهر أتاح للكائنات البحرية الدخيلة وقتاً غير مسبوق للالتصاق بهياكلها والاستقرار عليها.

كما يحذرون من أن استئناف رحلات هذه السفن إلى وجهات مختلفة حول العالم قد يؤدي إلى “موجة واسعة النطاق وفائقة الانتشار من الغزو البيولوجي البحري”، إذ يمكن أن تنقل معها كائنات إلى بيئات لم تكن موجودة فيها من قبل.

ويقدّر التقرير أن نحو 1,500 سفينة ظلت عالقة في الخليج منذ فبراير/شباط، إضافة إلى مئات السفن الأخرى في خليج عُمان.

هل ما زالت عُمان تنتهج الحياد الدبلوماسي؟

ترامب: إيران ستتعرض “لضربة قوية للغاية” ما لم يُفتح مضيق هرمز قريباً

خريطة تُظهر الخليج، ومضيق هرمز، وخليج عُمان، مع دائرة في إحدى الزوايا توضح موقع المنطقة ضمن خريطة العالم الأوسع، ومُشار إليها بنقطة حمراء.
BBC

“أسوأ سيناريو” محتمل

تلتصق أنواع كثيرة من الكائنات البحرية الدقيقة والطحالب واللافقاريات بهياكل السفن، وتنمو عليها بسرعة عندما تبقى السفن ساكنة لفترات طويلة. وتعرف هذه الظاهرة باسم “التلوث الحيوي” أو Biofouling بالإنجليزية.

ويشرح الباحث الرئيسي في الدراسة، عالم البيئة البحرية البروفيسور ماريو تامبوري من جامعة ميريلاند الأمريكية، أن هناك مجموعة واسعة من الكائنات، معظمها من اللافقاريات والطحالب، تعرف بالكائنات الثابتة، لأنها تقضي حياتها ملتصقة بسطح ما.

ونشر تامبوري التحذير بالاشتراك مع باحثين من الولايات المتحدة والأرجنتين والبرتغال والسعودية ونيوزيلندا وفنلندا وجنوب أفريقيا وكندا وإسرائيل.

ويقول تامبوري إن أي جسم يبقى في البحر سرعان ما يصبح موطناً للكائنات الدقيقة، فتستقر البكتيريا وغيرها من الكائنات المجهرية على سطحه أولاً، وتشكّل طبقة تعرف بـ”الغشاء الحيوي”.

ثم تستقر على هذا الغشاء أبواغ الطحالب الكبيرة، مثل عشب البحر، ويرقات بعض اللافقاريات، مثل البرنقيل والديدان وغيرها.

ويضيف تامبوري أن هذه التجمعات تستمر بعد ذلك في النمو والانتشار، لأنها تعتمد على الأسطح الصلبة للعيش عليها.

غواص إلى جانب حطام سفينة تحوّل إلى شعابٍ تستوطنها الكائنات البحرية، وقد نمت عليه مجموعة متنوعة من الكائنات الحية البحرية.
Lokman lhan/Anadolu via Getty Images
تلتصق العديد من الكائنات البحرية الدقيقة والطحالب واللافقاريات بالأسطح الصلبة المغمورة بالمياه وتنمو عليها.

ويشير تامبوري إلى أن قاع الخليج يفتقر إلى الأسطح الصلبة، إذ يتكوّن في معظمه من الطين والرمال والرواسب الناعمة. لذلك، ما إن تجد هذه الكائنات سطحاً صلباً، مثل هيكل سفينة، حتى تلتصق به وتبدأ في الانتشار عليه.

وبحكم موقع الخليج المحوري على طرق الشحن العالمية، تنقل السفن إليه كائنات مرتبطة بالتلوث الحيوي من مناطق مختلفة من العالم، وفي الوقت نفسه قد تتراكم هذه الكائنات على هياكل السفن عندما تبقى راسية من دون حركة لفترات طويلة.

ومع إغلاق مضيق هرمز، بات عدد كبير جداً من السفن الضخمة عالقاً من دون حركة لفترة طويلة على نحو استثنائي.

ويصف الباحثون هذا الوضع بأنه “لا مثيل له” في التاريخ الحديث. ويشير تامبوري، للمقارنة، إلى أن إغلاق قناة السويس في مصر عام 2021 استمر ستة أيام فقط، بينما أدى انهيار جسر في ميناء بالتيمور بالولايات المتحدة عام 2024 إلى تعطيل حركة عدد قليل من السفن لنحو 11 أسبوعاً.

صورة مركبة تُظهر، على اليسار، سفينة سوداء وحمراء راسية في المياه وقد غطت البرنقيلات الجزء السفلي من هيكلها، بينما تُظهر الصورة على اليمين تكبيراً لهذه البرنقيلات لإبراز تفاصيلها عن قرب.
Mario Tamburri
سفينة في ميناء بالتيمور تغطي هيكلها كائنات بحرية، بعد بقائها متوقفة لعدة أسابيع.

بحسب العلماء، لا تمكث السفن في موانئ الخليج عادةً أكثر من يوم إلى ثلاثة أيام قبل أن تواصل رحلاتها. لكن بقاءها من دون حركة لأكثر من عشرة أيام قد يؤدي إلى تراكم الكائنات البحرية الدخيلة على هياكلها بوتيرة سريعة.

ولهذا، أوصت المنظمة البحرية الدولية عام 2023 السفن التي تبقى راسية لفترات طويلة باتخاذ إجراءات لإزالة ما يتراكم على هياكلها من كائنات بحرية، أو ما يعرف بـ”التلوث الحيوي”، قبل أن تعاود الإبحار.

لكن عدداً كبيراً من السفن في الخليج ظل هذه المرة متوقفاً لأشهر.

ويقول تامبوري: “لو أردنا وضع أسوأ سيناريو ممكن لتراكم الكائنات على هياكل السفن وانتشار الأنواع الغازية، لما استطعنا تصور وضع أسوأ من هذا.”

ويزيد من خطورة الوضع أن كثيراً من اللافقاريات البحرية والطحالب تتكاثر مع تغير الفصول.

فعند إغلاق مضيق هرمز في نهاية فبراير/شباط، كانت حرارة مياه الخليج قد بدأت ترتفع مع اقتراب فصل الصيف، وهي ظروف تساعد هذه الكائنات على التكاثر والنمو والانتشار.

ويقول تامبوري إن ارتفاع حرارة المياه غالباً ما يدفع هذه الكائنات إلى التكاثر والبحث عن أماكن وأسطح جديدة تستقر وتنمو عليها، مضيفاً: “لو حدث الإغلاق في منتصف الشتاء، لكانت المخاطر أقل.”

بساطٌ من اللافقاريات البحرية الملوّنة يغطي هيكل سفينة، فيما تحيط به مياه ذات لون أزرق مائل إلى الأخضر.
Kim Holzer, Smithsonian Environmental Research Center
زقيات وبريوزويات ملتصقة بهيكل سفينة، وهي من اللافقاريات البحرية الشائعة التي تتراكم على هياكل السفن.

ويشير التقرير إلى أن نوعاً من البرنقيل يعرف باسم “البرنقيل النهري” (Amphibalanus improvisus)، وهو شديد القدرة على التكيف وقد انتشر في أنحاء العالم عبر حركة الشحن البحري ويوجد أيضاً في مياه الخليج، يمكن أن يطلق الفرد البالغ منه ما يصل إلى 36 يرقة يومياً عندما تصل حرارة المياه إلى 30 درجة مئوية.

وبحسب التقرير، قد تكون السفينة الواحدة أطلقت ملايين اليرقات خلال الأشهر التي ظلت فيها متوقفة.

ويقول تامبوري إن خطورة الوضع تكمن في ضخامة حجمه واتساع نطاقه، مضيفاً: “هذه السفن ستغادر المنطقة متجهة إلى مختلف أنحاء العالم.”

أضرار “هائلة”

ويحذر تامبوري من أن انتقال هذه الكائنات إلى بيئات جديدة قد يخلّف أضراراً بيئية واقتصادية جسيمة.

فالأنواع الغازية قد تنافس الكائنات المحلية على الغذاء والموائل، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى اختفاء أنواع منها محلياً. كما يمكن أن تلحق أضراراً بمصايد الأسماك ومزارع الأحياء المائية، فضلاً عن احتمال تسببها في انسداد أنظمة التبريد في محطات توليد الكهرباء.

ويقول تامبوري: “ما إن تتمكن الأنواع الغازية من الاستقرار وتكوين تجمعات لها، ولا سيما في البيئات البحرية، حتى يصبح التخلص منها بالغ الصعوبة.”

ويشير معدّو التقرير أيضاً إلى أن هذه الكائنات قد تنقل معها طفيليات ومسببات للأمراض. وبسبب ارتفاع حرارة مياه الخليج، قد تكون الظروف مواتية لانتشار سلالات قادرة على تحمل درجات حرارة مرتفعة. وإذا انتقلت هذه السلالات إلى مناطق أخرى، فقد تكون أكثر قدرة على التكيف من الأنواع المحلية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بفعل تغير المناخ.

ولا تقتصر آثار التلوث الحيوي على البيئة، بل تمتد إلى السفن نفسها.

فتراكم الكائنات البحرية على هياكل السفن يزيد مقاومة الماء لحركتها، ما يجعلها أبطأ وأقل كفاءة.

ويقول تامبوري إن السفن تضطر نتيجة لذلك إلى استهلاك مزيد من الوقود للحفاظ على سرعتها.

ويضيف أن مجرد تشكل طبقة ميكروبية على بدن السفينة قد يرفع استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 2 و5 في المئة. أما في حالات التلوث الحيوي الكثيف، عندما تتراكم كائنات مثل البرنقيل وبلح البحر على الهيكل، فقد تصل الزيادة في استهلاك الوقود إلى نحو 25 في المئة.

أكثر من اثنتي عشرة سفينة راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية، الواقعة في شبه جزيرة مسندم شمال سلطنة عُمان، بتاريخ 17 مايو/ أيار.
AFP via Getty Images
نظراً لأهمية مضيق هرمز الكبيرة في حركة الشحن العالمية، يقول الخبراء إن السفن قد تنقل إلى الخليج أنواعاً بحرية دخيلة من مناطق مختلفة من العالم، ثم تحملها معها إلى مناطق أخرى عند مغادرتها.

طوّرت أنواع خاصة من الطلاء مضادة للتلوث الحيوي، تحتوي على مواد كيميائية تمنع الكائنات البحرية الدقيقة من الالتصاق بهياكل السفن والنمو عليها.

لكن تامبوري يقول إن هذا الطلاء يكون أكثر فاعلية عندما تكون السفن في حركة مستمرة، بينما تقل قدرته على الحماية إذا ظلت السفن متوقفة لفترات طويلة.

ويضيف أن تراكم الكائنات البحرية على الهيكل قد يصبح كثيفاً إلى درجة تتجاوز قدرة هذه الطلاءات على منع نموها.

وبناءً على عوامل من بينها كثافة حركة الشحن، وطول الرحلات البحرية، والظروف البيئية، حدد الباحثون عدداً من الموانئ التي قد تكون أكثر عرضة لوصول الأنواع البحرية الغازية إليها.

ومن بينها جدة في السعودية، ومومباي في الهند، وكولومبو في سريلانكا، وسنغافورة، والإسكندرية في مصر، وبيرايوس في اليونان، وميناء الجزيرة الخضراء (ألخثيراس) في إسبانيا، وروتردام في هولندا.

ويشير تامبوري إلى أن الموانئ التي تتشابه ظروفها البيئية مع مياه الخليج، ولا سيما من حيث ارتفاع درجات الحرارة والملوحة، قد تكون أكثر عرضة لاستقرار هذه الكائنات وانتشارها فيها.

تعاون دولي

يقول العلماء إن الحل الأمثل يتمثل في تنظيف السفن المتوقفة قبل مغادرتها الخليج.

لكن تنظيف هذا العدد الكبير من السفن الضخمة، بعدما تراكمت على هياكلها كميات كبيرة من الكائنات البحرية، يمثل تحدياً بالغ الصعوبة.

ويشدد الخبراء على ضرورة جمع هذه الكائنات والتخلص منها بطريقة آمنة خلال عمليات التنظيف، لمنع تسربها إلى المياه. كما يحذرون من تقشير الطلاءات المضادة للتلوث الحيوي أو إتلافها، لأنها تحتوي على مواد سامة وجزيئات بلاستيكية دقيقة.

عامل يرتدي بدلةً صفراء مقاومة للماء ونظاراتٍ واقية، يستخدم خرطوماً عالي الضغط لتنظيف هيكل سفينة راسية في أحد الموانئ اليونانية عام 2015.
Getty Images
يقول العلماء إن تنظيف العدد الكبير من السفن العملاقة التي تراكمت عليها كميات كبيرة من الكائنات البحرية المسببة للتلوث الحيوي سيكون تحدياً كبيراً.

يمكن تنظيف السفن باستخدام تقنيات متطورة، من بينها أنظمة روبوتية مصممة لجمع الكائنات الملتصقة بهياكلها ومنع تسربها إلى المياه. لكن تامبوري يشير إلى أن هذه التقنيات لا تزال حديثة نسبياً، ولم تنتشر بعد على نطاق واسع في خدمات تنظيف السفن تحت الماء في منطقة الخليج.

وتبرز مشكلة أخرى تتمثل في محدودية القدرة على التعامل مع هذا العدد الكبير من السفن التي تراكمت على هياكلها كميات كثيفة من الكائنات البحرية.

ويرى العلماء أن حجم المشكلة، والحاجة الملحّة إلى استئناف حركة الشحن وإجلاء أطقم السفن العالقة، إلى جانب القيود اللوجستية، قد تجعل تنظيف جميع السفن بشكل كافٍ قبل مغادرتها الخليج أمراً صعب التنفيذ.

ولهذا يشددون على أهمية التعاون الدولي، وعلى ضرورة أن تستعد الموانئ التي ستستقبل سفناً قادمة من المنطقة لتنظيفها عند وصولها، للحد من خطر انتقال الأنواع البحرية الغازية إلى بيئات جديدة.

ويقول تامبوري: “نحن شبه متأكدين من أن إعادة فتح المضيق ستؤدي إلى انتقال كائنات غير محلية إلى مناطق جديدة.”

ويضيف أن بعض الأنواع الغازية قد تستقر من دون أن تكون ملحوظة أو أن تُحدث أثراً كبيراً، بينما قد تسبب أنواع أخرى أضراراً واضحة.

ويخلص الباحثون إلى أن تحول الأزمة إلى موجة عالمية واسعة الانتشار من الغزو البيولوجي البحري لم يعد يتوقف أساساً على ما تراكم بالفعل على هياكل السفن، بل على الطريقة التي سيتعامل بها المجتمع الدولي مع المرحلة المقبلة.

هل تتسبّب السفن العالقة في مضيق هرمز بـ"غزو بيولوجي" عالمي؟

BBC Arabic

🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

زر الذهاب إلى الأعلى