آلاف النازحين السودانيين بلا ملاذ آمن مع تقدم الدعم السريع نحو الأبيض
وجد آلاف الأشخاص الذين تدفقوا إلى مدينة الأبيض أملاً في العثور على ملاذ من الحرب الأهلية المستعرة في السودان أنفسهم مرة أخرى تحت التهديد، وسط تحذيرات من أن مقاتلي قوات الدعم السريع يستعدون للتقدم نحو المدينة الخاضعة لسيطرة الجيش.
وتصاعدت الاشتباكات بين قوات الدعم السريع شبه العسكرية والقوات المسلحة السودانية في منطقة شمال كردفان، التي تكتسب أهمية استراتيجية بالغة لدى طرفي النزاع، إذ قد يفتح السيطرة عليها الطريق إلى أراضٍ متنازع عليها.
وتوافد النازحون إلى مدينة الأبيض، التي لا تزال محصنة بقوة وتحظى بحماية الجيش السوداني، رغم استمرار الضربات التي تتعرض لها مع تقدم القوات شبه العسكرية. وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة إن الأبيض أصبحت ملاذاً رئيسياً للأشخاص الفارين من أعمال العنف المتواصلة في المناطق المحيطة.
وتظهر صور الأقمار الصناعية أن مخيم النزوح الرئيسي توسع بشكل ملحوظ منذ مارس/آذار، فيما أفاد عاملون في المجال الإنساني بوصول عشرات النازحين الجدد يومياً.
وقال محمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان: “لقد نفدت الخيارات الآمنة المتاحة أمام الأسر لحماية نفسها. كثيرون منهم سبق أن نزحوا، ويجبرون مرة أخرى على ترك منازلهم وسبل عيشهم وشبكات الدعم التي يعتمدون عليها.”
وأصدرت الأمم المتحدة ووزراء خارجية دول مجموعة السبع تحذيرات من أن قوات الدعم السريع قد تكون بصدد التحضير لشن هجوم على المدينة، ما يثير مخاوف من تكرار فظائع مماثلة لتلك التي شهدتها مدينة الفاشر خلال المجزرة التي وقعت هناك.
وقتل آلاف الأشخاص في عمليات إعدام جماعية بعدما اجتاحت القوات شبه العسكرية مواقع القوات المسلحة السودانية التي كانت تدافع عن المدينة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في واحدة من أسوأ الفظائع التي شهدها السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2023.
وتزايدت خلال الأسابيع الماضية المخاوف من وقوع أعمال انتقامية مماثلة في مدينة الأبيض. وتظهر لقطات مصورة جرى التحقق من صحتها عشرات المقاتلين المدججين بالسلاح التابعين لقوات الدعم السريع، متمركزين في شاحنات مدرعة في مدينة نيالا، وهي معقل رئيسي قريب، وهم يتعهدون بـ”تحرير” المدينة.
أطلقت قوات الدعم السريع عدداً قياسياً من الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدينة خلال يونيو/حزيران، وفقاً لمشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، المتخصص في رصد النزاعات. وأضاف محللون أن عدد الهجمات لم يتراجع خلال يوليو/تموز إلا بسبب انشغال قوات الدعم السريع بالرد على هجمات شنها الجيش السوداني في مناطق أخرى من البلاد.
وتظهر صور الأقمار الصناعية أنه، رغم هذه الهجمات، واصل مخيم النازحين في الأبيض التوسع، مع نصب مئات الخيام الجديدة منذ مارس/آذار. وقدرت الأمم المتحدة أن أكثر من 83 ألف مدني فروا من القتال في أجزاء أخرى من الولاية ولجأوا إلى المدينة طلباً للأمان.
ومع اتساع مخيمات النزوح، تدهورت الأوضاع المعيشية في الأبيض. ففي الأسبوع الماضي، حذرت الأمم المتحدة من أن ما يقرب من 400 ألف شخص في محيط المدينة يواجهون نقصاً في الغذاء، بعد جهود متواصلة بذلها قادة قوات الدعم السريع على مدى أشهر لقطع طرق الإمداد المؤدية إلى المدينة، ما أدى إلى نشوء ما وصفه أحد مسؤولي الأمم المتحدة بأنه “حصار فعلي”.
قال سكان محليون في وقت سابق إن قوافل الإمدادات التي كانت تحاول الوصول إلى المدينة تعرضت لهجمات بطائرات مسيّرة. كما أفادت منظمة الإغاثة الإسلامية، التي تدير نقاطاً لتقديم المساعدات في الأبيض، بي بي سي فيريفاي بأن الرحلات الجوية التي كانت تنقل المساعدات عبر مطار المدينة توقفت أيضاً.
وتقول وكالات الإغاثة إن النقص في الغذاء والمياه تفاقم نتيجة هجمات قوات الدعم السريع بالطائرات المسيّرة على البنية التحتية الحيوية. وأظهرت لقطات مصورة جرى التحقق من صحتها الشهر الماضي انفجاراً ضخماً في محطة وقود وسط المدينة عقب إحدى هذه الهجمات، فيما تظهر صور الأقمار الصناعية أيضاً ما يبدو أنها أضرار لحقت بمحطات للكهرباء ومستودعات للإمدادات في المنطقة التجارية من المدينة.
وقال أحد العاملين في المجال الإنساني المتعاونين مع منظمة الإغاثة الإسلامية إن تراجع وتيرة هجمات الطائرات المسيّرة خلال الأيام الأخيرة أسهم في تحسين الأوضاع داخل المدينة. لكنه شدد على أنه، رغم توزيع مزيد من المساعدات واستعادة جزء من خدمات الكهرباء، لا يزال الوضع “غير قابل للتنبؤ إلى حد كبير”، في ظل استمرار أزمة نقص الوقود.
وأضاف عامل الإغاثة: “نشهد يومياً وصول وافدين جدد بسبب القتال الدائر في المناطق المحيطة بالأبيض. ولا يمكن تحديد العدد الدقيق للأشخاص الذين يصلون كل يوم، لكن العدد يقدّر بنحو 80 إلى 100 أسرة يومياً”.
وفي الوقت نفسه، تعهد مقاتلو قوات الدعم السريع وقادتها مراراً، في مقاطع مصورة جرى التحقق من صحتها، بالتوجه نحو المدينة. وفي أحد المقاطع المنشورة على القناة الرسمية للقوات شبه العسكرية على تطبيق “تلغرام”، ظهر أحد القادة وهو يلوح ببندقية هجومية أثناء مخاطبته مجموعة من المقاتلين، متعهداً بأنهم سيخوضون القتال في الأبيض قريباً.
وأظهر مقطع آخر جرى التحقق منه، يعود إلى أواخر مايو/أيار، تجمع مقاتلين من القوات شبه العسكرية إلى جانب عشرات المركبات المدرعة خارج مدينة نيالا، التي تعد معقلاً رئيسياً لقوات الدعم السريع. وظهر أحد المقاتلين، مستنداً إلى باب مركبة مدرعة، وهو يتباهى بأن الهدف التالي لوحدته هو مدينة الأبيض. كما أظهرت لقطات حديثة حددت هيئة “بي بي سي فيريفاي” موقعها وجود مقاتلين على بعد 40 كيلومتراً فقط من المدينة.
ويبدو أن هذه التهديدات تؤجج التوترات داخل المدينة أيضاً. فقد قال فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، مؤخراً إن العديد من النازحين الذين لجأوا إلى الأبيض واجهوا الشكوك والعداء من بعض السكان المحليين، بسبب مخاوف من تسلل متعاطفين مع قوات الدعم السريع إلى المدينة.
في المقابل، تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن الجيش السوداني يعزز دفاعاته، على ما يبدو، من خلال إنشاء ساتر دفاعي، أو جدار ترابي، حول المدينة. وعلى خلاف الساتر الذي شيدته قوات الدعم السريع حول الفاشر العام الماضي، والذي حاصر السكان داخل المدينة، يبدو أن هذا الساتر ذو طابع دفاعي ويهدف إلى منع المهاجمين من الدخول.
كما أعلن الجيش السوداني، يوم الاثنين، أن عملية واسعة النطاق نجحت في تأمين طريق حيوي يربط بين الأبيض والعاصمة الخرطوم. ورداً على ذلك، قال قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حميدتي”، إنه أطلق العنان لمقاتليه، وأمر قادة قواته في الخطوط الأمامية بـ”المضي قدماً مباشرة. لا مزيد من التراجع. لا مزيد من التردد”.
وقالت نهاد الطيب، مساعدة باحث أول في مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، لـ”بي بي سي فيريفاي” إن مدينة الأبيض تمثل مركزاً استراتيجياً بالغ الأهمية لكلا طرفي النزاع.
وأضافت: “إنها نقطة الوصل الحاسمة التي تربط الأراضي الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع في غرب السودان بالمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش في وسط البلاد وإقليم النيل الأبيض”.
وأشارت الطيب إلى أن قوات الدعم السريع “بحاجة إلى استعادة الزخم بعد خسائرها الإقليمية في منطقة النيل الأزرق الشرقية، إلى جانب حالة عدم الاستقرار الداخلي والانشقاقات التي شهدتها معاقلها في دارفور”.
وحذر البيان المشترك الصادر عن الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع، بشأن احتمال وقوع فظائع في الأبيض، جميع “الجهات الخارجية” من مواصلة تقديم “الدعم العسكري أو اللوجستي أو المالي لأطراف النزاع”. وكان البرلمان الأوروبي قد سمى، في وقت سابق من هذا الشهر، دولة الإمارات العربية المتحدة صراحةً بوصفها أحد أبرز الداعمين لقوات الدعم السريع. وقد نفى المسؤولون الإماراتيون هذه الاتهامات مراراً.
من جانبه، رأى آلان بوسويل، مدير برنامج القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، أن التحركات والتحذيرات الغربية المبكرة قد تكون مدفوعة بالإخفاق في منع مجزرة الفاشر، التي وقعت بعد حصار طويل وتعزيزات عسكرية متواصلة من جانب قوات الدعم السريع.
وقال: “يحاول كثيرون رفع مستوى التحذيرات لمنع تكرار موجة أخرى من الفظائع الجماعية في الأبيض”.
وأضاف: “العامل الحاسم هو ما إذا كان قادة العالم سيمارسون ضغوطاً كافية على قوات الدعم السريع وعلى داعمها الرئيسي لإحداث فرق هذه المرة”.
- كيف تحولت موازين القوة بين الجيش والدعم السريع في شمال كردفان؟
- السودان: ما دلالات استعادة الجيش مناطق إستراتيجية في شمال كردفان؟
- الجيش السوداني يستعيد مدناً شمال كردفان سيطرت عليها قوات الدعم السريع
🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.