أسرار “جزيرة الموت” البريطانية الغامضة خلال الحرب العالمية الثانية

قررت بي بي سي في عام 1960 التحقيق في تقارير محلية عن تجارب وإشعاعات خطيرة، ونفوق الحيونات، دون سبب معروف، في جزيرة قبالة الشواطئ الاسكتلندية، أثناء الحرب العالمية الثانية.

ويطلق على الجزيرة اسم جزيرة الموت، أو جزيرة الأسرار. لكن هذه ليست خرافات أو قصص خيالية يرويها الناس. فالبداية كانت في عام 1942. كانت الحرب يومها مستعرة منذ ثلاث سنوات، عندما استقرت مجموعة من العلماء التابعين لوزارة الحرب، في الجزيرة، وشرعوا في إجراء تجارب غاية في السرية، لا يعرف أحد عنها شيئا.

وذهب صحفي بي بي سي، فايف روبرتسون، للتحقيق في تجارب خطيرة يعتقد أن الحكومة أجرتها في جزيرة غرينارد. وعندما بدأ التحقيق في الموضوع، كانت وزارة الدفاع قد أعلنت بالفعل أن الجزيرة محظورة، فلم يستطع أن يُقنع السكان المحليين بأن يأخذوه إلى محيطها للاطلاع على ما فيها.

وتسببت التجارب في كارثة بيئية، إذ أن الجزيرة بقيت ملوثة تلوثا خطيرا، يمنع الدخول إليها، لمدة نصف قرن تقريبا، إلى أن أعلنت الحكومة البريطانية ذات يوم في عام 1990 سلامة جزيرة غرينارد.

والحقيقة أن غرينارد كانت موقعا لمحاولات سرية من بريطانيا، أثناء الحرب العالمية الثانية، لاستخدام الجمرة الخبيثة، وهي عدوى بكتيرية فتاكة، كسلاح. ولم تكشف تفاصيل عما وقع هناك إلا في 1997، عندما قررت الحكومة رفع السرية عن فيلم صوره الجيش يروي تفاصيل التجارب.

وسمي المشروع باسم “عملية النباتي”، تحت إشراف بول فايلدز، رئيس دائرة علم الأحياء في معهد بورتن داون العسكري، في ويلشر في انجلترا، ولا يزال المعهد موجودا حتى الآن.

وتأسس معهد بورتن داون في عام 1916 كمركز تابع لوزارة الحرب بهدف دراسة تأثير الأسلحة الكيماوية، التي بدأ استعمالها في الحرب العالمية الأولى. وفي 1940، بينما كانت بريطانيا في الحرب، وقعت على عاتق بورتن داون مهمة تطوير أسلحة بيولوجية يمكن استعمالها ضد ألمانيا النازية، للتقليل من المعارك المباشرة بين الجنود.

وكانت الخطة أن تسقط الطائرات كميات من كعك بذور الكتان، الملوثة بالجمرة الخبيثة، على حقول رعي الأبقاء في ألمانيا. وعندما تأكل الأبقار الكعك تصاب بالجمرة الخبيثة، وتنتقل العدوى بالتالي إلى من يأكلون لحوم الأبقار الملوثة.

ويستغرق ظهور أعراض الجمرة الخبيثة (أنثاركس) وقتا، لكنها عندما تظهر تكون مرعبة وفتاكة. وكانت الخطة ستدمر إمدادت اللحوم في ألمانيا، وتؤدي إلى تفشي عدوى أنثراكس على المستوى الوطني، وإلى تسجيل عدد كبير من الضحايا.

لكن الباحثين كانوا بحاجة إلى موقع مفتوح بعيد عن السكان، من أجل تجريب البتكتريا ومراقبة كيف يمكن استعمالها كسلاح. فاشترى الجيش في صيف 1942، الجزيرة البعيدة، ومنع السكان المحليين من دخولها.

وشرع فريق عسكري في إجراء التجارب تحت إشراف العلماء. وجلب الفريق الأبقار إلى الجزيرة لإجراء الاختبارات عليها. وبدأوا سلسلة من التجارب بنثر أنثراكس على الأرض.

وقال البروفيسور إدوارد سبايرز، الأستاذ في جامعة في جامعة ليدز، لبي بي سي: “كان الهدف التحقق من أن أنثراكس سيقاوم حدوث انفجار على الأرض، وما إذا كان سيبقى فتاكا بعد ذلك أم لا”.

وربط الباحثون 80 رأسا من الماشية على مقربة من مكان التفجير الذي تم عن بعد. ولم يكن دوي الانفجار كبيرا، ولكن العدوى أصابت كل شيء في طريقها.

وكانت النتائج مدمرة. فبعد أيام من تعرض الماشية للعدوى ظهرت عليها الأعراض، وبدأت في النفوق بسرعة. وأجرى الخبراء تشريحا لأجسادها، ثم أحرقت ودفنت تحت أطنان من الأنقاض.

وشاهد بعض المزارعين بعض هذه التجارب، إذ لاحظوا غيوما من الأنثراكس فوق الجزيرة. وروى أحد الذي باعوا الماشية للباحثين أنه شاهد دخانا يهبط على الحيوانات. وقال لصحفي بي بي سي روبرتسون، في 1962 “أعتقد أنه غاز أنثراكس السام”.

واستمرت التجارب إلى 1943، عندما أعلن الجيش نجاح المشروع، وعاد الباحثون إلى بورتن داون. وصنعت للعملية 5 ملايين كعكة من بذرة الكتان، لكن الخطة ألغيت، لأن الحلفاء تقدموا في نورماندي، وهو ما استدعى تمدير كميات الكعك بعد الحرب.

وبحلول عام 1952، طورت بريطانيا سلاحا آخر للتدمير الشامل. وتمكنت من أن تصبح الدولة النووية الثالثة في العالم. وبعد أربعة أيام من ذلك أنهت برنامجها للأسلحة البيولوجية الهجومية. وفي 1975 وقعت اتفاقية الأسلحة البيولوجية، التي تحظر استعمالها وإنتاجها وتخزينها.

“عملية النباتي”

كانت تبعات عملية النباتي كارثية على الجزيرة. فأنثراكس بكتيريا شديدة المقاومة. ويمكنها أن تبقى في الأرض لعشرات السنين. وتتسبب في العدوى إذا هضمت حتى بعد سنوات من تفشيها. وجعلت التجارب العسكرية الجزيرة خطيرة على الإنسان والحيوان. وحتى المياه التي تتصبب منها قد تكون فتاكة.

وفي الشهور التالية للتجارب، بدأت الحيوانات في الأرض القريبة من جزيرة غرينارد في النفوق. ودفعت الحكومة سرا تعويضات للمتضررين. لكنها قالت إن النفوق سببه سقوط ماشية مريضة من سفينة يونانية عابرة.

وقال أحد السكان المحليين في 1962 : “كان بديهيا بالنسبة لنا أنهم يعرفون السبب، وإلا لما دفعوا التعويضات بتلك السرعة”.

ووضع الجيش الجزيرة تحت الحجر نهائيا، ووضع لافتات تحذر الزوار من الدخول إليها.

وخلال عشرات السنين التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت هناك محاولات لإزالة التلوث من الموقع، باستعمال المواد الكيماوية والحرق، لكنها لم تنجح. وأجريت تجارب في 1971 بينت أنه على الرغم من اختفاء أنثراكس من سطح الأرض فإنه لا يزال في العمق، وهو ما يشكل خطرا على كل من يدخل الجزيرة.

وفي عام 1981، دخلت مجموعة من الناشطين في مجال البيئة إلى الجزيرة وأخذت عينة من الأرض الملوثة بأنثاركس، ووضعتها أمام بورتن دوان للتنبيه إلى التلوث الفتاك في الجزيرة ودفع الحكومة إلى التحرك لمعالجة المشكلة.

وبعد 5 سنوات، عاد الباحثون إلى المكان في محاولة أخرى لإزالة التلوث، ونجحوا هذه المرة. فرُفع الحجر في 1990، أي بعد 48 سنة من التجارب. وأعلنت الحكومة البريطانية جزيرة غيرنارد خالية من أنثراكس.

ولم تكن غرينارد الموقع الوحيد الذي أجرت فيه بريطانيا تجارب حربية سرية، ولكنها الموقع الأول. وتبقى تبعات ما حدث شاهدا على مخاطر الأسلحة البيولوجية وعلى قدرة البشرية على التدمير.

مسؤلية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.
مواضيع تهمك

Comments are closed.