الجزائر: لعبة “إلقاء اللوم” تكشف عن الأزمة العميقة للطبقة الحاكمة في الجزائر

للمشاركة

عادت الاحتجاجات الجماهيرية إلى الجزائر هذا العام للمطالبة بتغييرات سياسية

AFP
عادت الاحتجاجات الجماهيرية إلى الجزائر هذا العام للمطالبة بتغييرات سياسية

إذا كان الاسم الرسمي لدولة ما يحتوي على كلمتي “ديمقراطية” و”شعبية” ، فقد لا يكون الأمر كذلك أبدا.

خذ على سبيل المثال جمهورية كوريا الديمقراطيةالشعبية، والمعروفة باسم كوريا الشمالية، فهي دولة استبدادية ذات حزب واحد.

حقائق عن الجزائر

ثم هناك الجزائر، التي يتشابه اسمها الرسمي بشكل ملحوظ مع اسم كوريا الشمالية، جمهورية الجزائر الديمقراطية الشعبية.

فعلى الرغم من أن الجزائر لا تندرج في نفس التصنيف مع كوريا الشمالية، فإنه بوسعك أن تسأل أيا من الآلاف الذين يتدفقون إلى الشوارع في الجزائر منذ عام 2019 وسيُجمعون على أن نظامهم ليس ديمقراطيا ولا شعبيا.

قد يقولون إن بلادهم تدار من قبل زمرة منذ عقود، والجيش يمسك بزمام السلطة خلف واجهة مدنية، ويستخدم ثروة البلاد النفطية لتعبئة الجيوب.

قصة مروحة اليد التي أوقعت الجزائر في فخ الاستعمار الفرنسي

تعرف على الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاد الحرب ضد الاحتلال الفرنسي

تعرف على لالا فاطمة زعيمة ثورة منطقة القبائل الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي

علاوة على ذلك، ينظر المتظاهرون إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية المتتالية على أنها خدعة لإضفاء الشرعية على النظام.

ومن الدلائل الأخرى على “الجمهورية الديمقراطية الشعبية” أنه في لحظات الأزمة الوطنية يكون رد فعل الحكومة الأول هو إلقاء اللوم على الأجانب أو “الطابور الخامس”.

فعندما تعرضت الجزائر الشهر الماضي لموجة من حرائق الغابات دمرت آلاف الهكتارات من الأشجار والمراعي الخضراء وقتلت ما لا يقل عن 90 شخصا، من بينهم حوالي 30 جنديا تم نشرهم لإخماد الحرائق، كان رد الحكومة الأول هو الإشارة بإصبع الاتهام إلى مضرمي حرائق بشكل عمدي والتعهد بمطاردتهم.

“الحركى” .. “أيتام في بلاد وخونة في أخرى”

7 حقائق عن “الأقدام السوداء”

ولم تقدم الحكومة أي دليل على هذا الاتهام. ولم تقال كلمة واحدة عن تغير المناخ أو أن حرائق مماثلة اندلعت عبر البحر الأبيض المتوسط.

اندلعت الحرائق وسط موجة حارة وانعدام الأمطار وهبوب رياح

Reuters
اندلعت الحرائق وسط موجة حارة وانعدام الأمطار وهبوب رياح

وكان الأمر مشابها عندما ظهرت التفاصيل المروعة لقتل وحرق جثة جمال بن إسماعيل، البالغ من العمر 37 عاما، الذي ذهب إلى منطقة القبائل لمساعدة مواطنيه الجزائريين على إطفاء الحرائق.

وقد تم تسجيل الحادث على الهواتف المحمولة وتم تداوله على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد صُدم الجزائريون من وحشية الجناة.

ماذا نعرف عن حركتي ماك ورشاد الجزائريتين اللتين صنفتهما الحكومة ضمن “قائمة الإرهاب”؟

“ابني ذهب لمساعدة الناس في إطفاء الحرائق فقتلوه”

وبشكل محرج للحكومة، تم الكشف عن أن ذلك تم تحت أعين الشرطة الساهرة التي لم تفعل شيئا تقريبا لوقف الأمر.

ودافعت الحكومة عن الضباط قائلة إنهم تعرضوا لهجوم من حشد عنيف خطفوا إسماعيل من شاحنة تابعة للشرطة.

وقد اعتقلت السلطات عشرات الأشخاص، يشير آخر إحصاء إلى أن العدد يبلغ نحو 80، واتهمتهم بالتورط في الحادث.

وقد تم عرض المعتقلين على شاشة التلفزيون الحكومي وهم مكبلون أثناء الإدلاء باعترافات تشير، بشكل يناسب النظام، إلى تورط منظمة سياسية محلية صنفتها الحكومة مؤخرا على أنها جماعة إرهابية.

وتقوم المنظمة، المعروفة اختصارا باسم ماك، بحملات من أجل استقلال منطقة القبائل وهي منطقة يغلب عليها الأمازيغ في شمال الجزائر، وهي الأكثر تضررا من الحرائق.

جمال بن إسماعيل: “كان يطفئ النار وأبوه يطفئ الفتنة”

كما أن هذه المنطقة أيضا هي مهد الحراك، الحركة التي أدت احتجاجاتها إلى إنهاء حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي استمر عقدين في عام 2019.

وقد واصل الحراك إثارة ذعر حلفاء بوتفليقة القدامى الذين خلفوه.

لغز القتل

ومن الأمثلة النموذجية أيضا على “الجمهورية الديمقراطية الشعبية” أن الناس نادرا ما يثقون بما تقوله وسائل الإعلام الحكومية.

ونتيجة لذلك، انتشرت التكهنات حول من كان وراء التشويه الوحشي لإسماعيل.

كان عربيا، والقتلة من الشباب البربر.

وقالت إحدى الروايات التي تحظى بالشعبية على وسائل التواصل الاجتماعي وبين المعارضين الجزائريين في المنفى إن القتل يجب أن يكون محاولة من قبل “الدولة العميقة”، في إشارة إلى المخابرات، لإشعال فتنة طائفية وصرف الغضب العام عن إخفاقات الدولة.

وتساءل البعض عما إذا كان إسماعيل بيدقاً في لعبة قوة أكبر لزعزعة استقرار منطقة القبائل وبالتالي تبرير قمع معارضي النظام.

وأعلنت الحكومة الآن أنها ستعوض كل من عانوا من حرائق الغابات.

حداد وطني في الجزائر مع ارتفاع حصيلة قتلى الحرائق

الجزائر: “الأفعال العدائية” للمغرب تتطلب إعادة النظر في العلاقات

وفيما يتعلق بمسألة مقتل إسماعيل، تقول الشرطة إنه تم العثور على هاتفه المحمول مع “حقائق مروعة تتعلق بالأسباب الحقيقية وراء مقتله”.

ومع ذلك، وبحسب ما ورد لن يتم الكشف عن تلك “الحقائق” بسبب التحقيق الجاري.

“التضحية بالمغرب”

بعد أن تعامل النظام مع “التهديد الداخلي”، تحرك إلى الأمام بإعلانه أن المغرب، الجار والمنافس الإقليمي القديم، قد أدين بإثارة المشاكل للجزائر.

وقطعت الجزائر العلاقات الدبلوماسية مع الرباط وأعلنت أنها لن تزود المغرب بعد الآن بالغاز الجزائري الذي يقدر بنحو 800 مليون متر مكعب سنويا.

الجزائر

BBC

ونفى المغرب المزاعم الجزائرية وأعرب عن أمله في استئناف العلاقات الدبلوماسية قريبا.

ولم يعلق المغرب بعد على التأثير المحتمل للقرار على احتياجات الطاقة المحلية.

وسارع النقاد إلى الإشارة إلى أن التضحية بالمغرب وجماعات المعارضة المحلية بمثابة تكتيك قديم لصرف الانتباه عن الفشل الذريع للنظام في التعامل مع المشاكل الداخلية مثل حرائق الغابات ووباء كوفيد -19 ونقص الوظائف.

أبرز المحطات في ملف العلاقات بين الجزائر والمغرب

الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب

المغرب “يأسف” لقرار الجزائر “غير المبرر” بقطع العلاقات

وقد أصدرت الحكومة في الشهر الماضي، ومع وصول تفشي الوباء إلى ذروته وسط نقص حاد في الأكسجين للمرضى المصابين بأمراض خطيرة، توجيهات لوسائل الإعلام للتقليل من “الأخبار السيئة”.

ويعد إلقاء اللوم في إخفاقات الدولة على وسائل الإعلام أمرا مستمدا مباشرة من نصوص كتاب الدول الشمولية.

ومن المفارقات، أن الوباء أعطى النظام هدنة من الاحتجاجات التي نظمها الحراك حيث مثل كوفيد ذريعة صحية عامة مثالية لحظر التجمعات والمظاهرات.

لكن بعد فترة هدوء، عاد المتظاهرون إلى شوارع مدينة خراطة في منطقة القبائل في وقت سابق من هذا العام لإحياء الذكرى الثانية للحراك.

الغضب من الجيش

ويريد المتظاهرون تفكيكا كاملا للنظام القديم، ويرفضون ما يعتبرونه إعادة ترتيب للكراسي في دائرة السلطة.

هكذا ينظرون إلى الرئيس عبد المجيد تبون الذي انتخب في عام 2019.

أظهر العديد من الشباب في الجزائر نفاد الصبر من أجل التغيير

AFP
أظهر العديد من الشباب في الجزائر نفاد الصبر من أجل التغيير

وشعارهم: “يجب أن يستقيل كل منهم”، وأعينهم على الجيش. فهم يعتقدون أن قائد الجيش الجنرال سعيد شنقريحة هو الرئيس الفعلي للبلاد.

وتعود جذور غضبهم إلى فشل دولة ما بعد الاستقلال في توفير مستوى معيشي لائق وحريات سياسية.

إنه نظام بنى شرعيته على سردية مناهضة الاستعمار، وهو أمر قليل الأهمية اليوم في مجتمع يغلب عليه الشباب وقد ولد معظمهم بعد الاستقلال عن فرنسا في عام 1962.

والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان بإمكان الحراك المتجدد أن يحقق ما استعصى حتى الآن على حركات الاحتجاج الأخرى في كثير من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ألا وهو الحرية وسيادة القانون.


للمشاركة


بي بي سي
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com