“الاعتماد على الأمم المتحدة في هذا الظرف يضع العالم في مأزق كبير” – مقال في الغارديان

تباينت اهتمامات الصحف البريطانية بين تقييم الدورة الأخيرة للأمم المتحدة، وما وصفته بإخفاقها في التعامل مع الأزمات الخطيرة التي تهدد العالم، والقلق إزاء مستقبل عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة عقب فشل إحدى عمليات الإعدام. كما تناولت حادثة طائرة "فلاي دبي" في سياق دعوات إلى الاستغناء عن الطيارين البشريين والاعتماد على أنظمة القيادة الذاتية.
والبداية من صحيفة "الغارديان"؛ إذ تناولت الكاتبة نسرين مالك الأزمة التي تعيشها الأمم المتحدة و"حالة الفوضى العارمة" التي شهدتها اجتماعات الجمعية العامة، في مقال بعنوان: "إذا كان العالم يعتمد حقاً على منظمة الأمم المتحدة في هذه المرحلة، فنحن حقاً في ورطة حقيقية".
سلطت الكاتبة الضوء على "الأجواء المشتتة والقاتمة" للدورة الأخيرة، وقالت إنها لخصت عالماً محتدماً بالأزمات، وهيكلاً دولياً وقانونياً يتداعى، ونظاماً إنسانياً يوشك على الانهيار؛ فلم يكن الاجتماع منصة لحل النزاعات بقدر ما كان مسرحاً للاستعراض السياسي، والإحباط، والانقسام الحاد.
وترى الكاتبة أن هناك أربع أزمات عالمية مستعصية لا تلوح في الأفق أي حلول حقيقية لها، وبدأت بالحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب الأمريكية الإيرانية، وقضيتي فلسطين والسودان.
وقد وقف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، ليهاجم روسيا بعد خمس سنوات من الموت والدمار في أوكرانيا وفشل العقوبات، بينما يكرر ترامب تهديداته المعتادة بـ"سحق" إيران، ليردّ الرئيس الإيراني بأن بلاده ضحية للإرهاب الأمريكي وستدافع عن نفسها بقوة، ما دفع الدبلوماسي الأمريكي الوحيد في القاعة إلى الانسحاب على مرأى من الجميع.
وفيما يتعلق بقضية فلسطين، انتقدت الكاتبة "إفلات إسرائيل المتزايد من العقاب وتجاهل القانون الدولي لعقود". وبدلاً من تصحيح المسار، أصبح رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، "يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة كزعيم وبلهجة هجومية ليؤكد أن القانون الدولي بات بلا قيمة".
كما رأت أن أزمة السودان "كشفت تناقضاً صارخاً لدى الإمارات، التي تتغنى بالسلام بينما تطالها اتهامات بتسليح وتمويل قوات الدعم السريع المتورطة في جرائم إبادة جماعية".
ورصدت الكاتبة ما وصفته بـ"تلاعبٍ إجرائيٍ فاضح بالمنظمة الدولية لكونها تقع على الأراضي الأمريكية"؛ فقد حولت إدارة ترامب "نظام التأشيرات" إلى سلاح موجّه ضد من لا ترغب بهم، حيث مُنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونحو 80 مسؤولاً فلسطينياً من دخول البلاد للمرة الثانية، كما مُنع رئيس الحكومة وقائد القوات المسلحة السودانية من الحضور، وكان ذلك نتيجة لما سمّته "مناورات دبلوماسية ناجحة لدولة الإمارات" في واشنطن.
وحذّرت مالك من أن الأزمات باتت أعمق بكثير من صراع الدبلوماسيين؛ إذ تتغير طبيعة النزاعات العسكرية نفسها بوتيرة سريعة بفعل انتشار الذكاء الاصطناعي والطائرات دون طيار، حيث تُدار الحروب عن بُعد بهجمات عالية وأخرى منخفضة الكثافة، مُعلّقةً الحياة الطبيعية ومانعةً أي حسم واضح، كما ظهر في الخليج والسودان وغزة.
وفي النهاية، توضح الكاتبة أن اجتماعات الأمم المتحدة لعام 2026 كانت انعكاساً لتدهور القانون الدولي وانهيار مفهوم المجتمع الدولي.
إعدام كريستا بايك الفاشل عمل "شنيع"
تناولت الكاتبة فيكتوريا ريتشاردز في صحيفة "الإندبندنت" فشل عملية إعدام "كريستا بايك" (50 عاماً) مؤخراً، والتي صدر بحقها حكم بالإعدام عندما كان عمرها 18 عاماً فقط في عام 1996، وذلك بعد إدانتها بتعذيب وقتل زميلتها في الدراسة "كولين سليمير".
وتركز المقالة على "الفظاعة والعبثية" اللتين أحاطتا بمحاولة إعدام بايك الأخيرة في سجن "ريفربند" بمدينة ناشفيل في ولاية تينيسي الأمريكية، معتبرة إياها تجسيداً لقسوة عقوبة الإعدام وتَجرُّدها من الإنسانية.
وتصف الكاتبة المشهد الكابوسي الذي عاشته بايك بعد كل هذه السنوات عندما تلقت مؤخراً أنباء اختيار موعد لتنفيذ حكم الإعدام بحقها، لتعيش دوامة نفسية مرعبة بين تأجيل تنفيذ الحكم وإعادة إقراره.
وخلال محاولة الإعدام، حُقنت بـ"البنتوباربيتال" مرتين، وشهد الحاضرون إسدال الستار بعد حقنها لتفارق الحياة، ثم فجأة يُعاد فتح الستار مرتين لعدم موتها، في حين استمر العذاب الجسدي والنفسي الطويل، قبل الإعلان في النهاية عن فشل العملية ونقلها إلى المستشفى. واعتبر الفريق القانوني لبايك ما حدث "عذاباً لا داعي له"، بينما أمر حاكم ولاية تينيسي بفتح تحقيق مستقل وتعليق عمليات الإعدام لبقية العام.
وتنتقد الكاتبة نظام عقوبة الإعدام بأكمله، مشيرة إلى أنه يضع المجتمع البشري في مستوى همجي أدنى. وتدعم موقفها بالأرقام؛ إذ توضح بيانات مركز معلومات عقوبة الإعدام أن الولايات المتحدة أعدمت 1,682 شخصاً خلال الـ 50 عاماً الماضية، مع وجود تفاوت عنصري صارخ يبرز استهداف الملونين (حيث بلغت نسبة السود 34 في المئة واللاتينيين 8 في المئة)، ناهيك عن خطر الأخطاء القضائية القاتلة.
وعلى الصعيد العالمي، تشير الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة تُعد دولة استثنائية وشاذة في تمسكها بالإعدام، في حين تتجه غالبية دول العالم نحو إلغائه (حيث ألغته أو أوقفته 170 دولة من أصل 193 عضواً في الأمم المتحدة).
وتلفت ريتشاردز إلى أن عمليات الإعدام شهدت ارتفاعاً حاداً منذ عودة إدارة دونالد ترامب للسلطة، وزيادة الاعتماد مجدداً على عقار "البنتوباربيتال" المثير للجدل، والذي كانت إدارة بايدن قد استبعدته سابقاً بسبب مخاوف تتعلق بتسببه في ألم ومعاناة غير مبررة.
وتختتم الكاتبة مقالها بالتأكيد على "أن المعاملة القاسية وغير المعتادة التي تعرضت لها كريستا بايك يجب أن تدفعنا جميعاً للتوقف ومراجعة مرآة إنسانيتنا".
الاستغناء عن الطيارين البشريين
تناول مقال في صحيفة "التلغراف" حادثة طائرة "فلاي دبي" التي هبطت في مطار تبوك بعد أزمة على متنها، وطالب كاتب المقال المتخصص في شؤون الدفاع والطيران لويس بيج بإلغاء دور الطيارين البشريين على متن الطائرات التجارية؛ نظراً لأن التقنيات الحديثة تتيح تسيير رحلات جوية ذاتية القيادة بالكامل وبشكل أكثر أماناً.
وجادل الكاتب بأن هذه الخطوة ستسهم في تحسين السلامة الجوية، "نظراً لأن حوادث الطيران المأساوية غالباً ما ترتبط بالعنصر البشري"؛ إذ وقعت حوادث عديدة نتيجة انتحار طيارين، مثل حادثة رحلة "جيرمان وينغز" عام 2015 التي راح ضحيتها 150 شخصاً، والشكوك المحيطة بحوادث أخرى مثل رحلة الخطوط الجوية الماليزية (MH370)، وحادثة طيران الهند، فضلاً عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.
ورغم تشديد إجراءات السلامة وتزويد قمرة القيادة بأبواب محصنة، إلا أنه تم استغلالها بشكل سيئ في حالات مثل حادثة "جيرمان وينغز"، حين تمكن أحد الطيارين من إغلاق الباب على نفسه عقب خروج زميله وإسقاط الطائرة عمداً.
وهناك أوجه أخرى لخطورة العنصر البشري تتجسد في سوء التقدير وسوء التعامل مع الأعطال الفنية، وهو السبب الأكبر لحوادث تحطم الطائرات الحديثة (مثل حادثة رحلة "إير فرانس 447" عام 2009)؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من نصف الحوادث المميتة اليوم تعود إلى أخطاء الطيارين.
ويلفت الكاتب إلى أنه رغم وجود حالات نادرة أنقذ فيها الطيارون الموقف بمهارة، إلا أن التحليلات أظهرت أن الأنظمة الآلية المتطورة كانت قادرة على التعامل مع تلك المواقف بفعالية وأمان مماثلين أو حتى أفضل.
ويؤكد بيج أن التكنولوجيا اللازمة لتشغيل الطائرات دون طيار أو تدخل بشري متوافرة ومُجربة منذ فترة طويلة؛ إذ تعتمد على أنظمة أتمتة بسيطة وموثوقة (وليست بالضرورة "ذكاءً اصطناعياً")، وتتمتع بالقدرة على الإقلاع والطيران والهبوط الذاتي بالكامل دون أي تدخل بشري.
ونظراً لأن الطائرات الحديثة تُدار بالفعل معظم الوقت بواسطة الأنظمة الآلية ومسارات الطيران المُبرمجة، يرى الكاتب أنه لم تعد هناك حاجة فعلية لوجود طيارين بشريين داخل قمرة القيادة.