BBC

مضيق هرمز والقانون الدولي: ما الذي يحكم عبور السفن؟

تمثل الممرات البحرية الدولية ركائز أساسية لحركة التجارة والطاقة حول العالم، إذ تعبرها يومياً آلاف السفن التي تنقل النفط والغاز والبضائع بين القارات. وتنظم حركة هذه السفن منظومة قانونية دولية تحدد حقوق الدول الساحلية وحقوق السفن العابرة في البحار والمضائق والممرات الملاحية.

ويستند الإطار القانوني لهذه القواعد إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تضم أكثر من ثلاثمئة مادة تنظم استخدام البحار، بما في ذلك قواعد الملاحة وحقوق المرور في المضائق الدولية.

وتكتسب هذه القواعد أهمية متزايدة في ظل التوترات العسكرية في منطقة الخليج، ولا سيما في مضيق هرمز الذي يُعد أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، نظراً لمرور نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية عبره.

وفي هذا السياق، قال المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، إن طهران ينبغي أن تواصل استخدام “ورقة إغلاق مضيق هرمز”.

وتثير هذه التصريحات تساؤلات قانونية حول القواعد التي تحكم حركة السفن في المضيق، وحدود صلاحيات الدول المطلة عليه، وإمكانية تعطيل الملاحة فيه في حالات النزاع.

كيف ينظم القانون الدولي حركة السفن في الممرات البحرية؟

يشرح ألكسندر لوت، أستاذ باحث في قانون البحار بالمركز النرويجي لقانون البحار في جامعة ترومسو، كيف ينظم القانون الدولي للملاحة البحرية عدة أنظمة قانونية تحدد كيفية عبور السفن للمياه المختلفة، وتختلف هذه الأنظمة باختلاف طبيعة المنطقة البحرية التي تمر فيها السفينة. ومن خلال قراءة شاملة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يمكن تمييز عدد من أنظمة المرور الرئيسية التي تحكم حركة السفن حول العالم.

مضيق هرمز: نقطة صراع من ماركو بولو إلى الحرس الثوري الإيراني

أول هذه الأنظمة ذلك الخاص بحرية الملاحة في أعالي البحار، وهو المبدأ الأساسي في القانون البحري الدولي. ويعني أن السفن التابعة لجميع الدول تتمتع بحرية التنقل في المياه الدولية خارج نطاق السيادة المباشرة للدول الساحلية، مع الالتزام بالقواعد الدولية المتعلقة بالسلامة وحماية البيئة البحرية.

أما النظام الثاني فهو المرور العابر، وهو نظام قانوني خاص بالمضائق التي تُستخدم للملاحة الدولية، ويمنح السفن والطائرات حق العبور المستمر والسريع عبر هذه المضائق دون أن تتمكن الدول الساحلية من تعطيل هذا المرور أو تعليقه. ويعد هذا النظام من أكثر الأنظمة أهمية في حالة المضائق الاستراتيجية التي تربط بين بحرين أو منطقتين بحريتين واسعتين.

النظام الثالث هو المرور البريء، ويطبق في المياه الإقليمية للدول الساحلية. ويسمح هذا النظام للسفن الأجنبية بالمرور عبر المياه الإقليمية للدولة طالما كان مرورها غير مضر بأمن الدولة أو نظامها العام. وتشمل الأنشطة التي قد تجعل المرور غير بريء أعمالاً مثل التهديد باستخدام القوة أو القيام بأنشطة عسكرية أو استخباراتية.

إلى جانب هذه الأنظمة، توجد أنظمة مرور خاصة تنطبق على بعض المضائق حول العالم نتيجة اتفاقيات تاريخية أو ترتيبات قانونية خاصة. وفي بعض الحالات، قد تتداخل أكثر من قاعدة قانونية في الممر البحري نفسه، ما يجعل النظام القانوني للملاحة أكثر تعقيداً.

وتكتسب هذه الأنظمة أهمية خاصة عند النظر إلى المضائق الاستراتيجية، حيث يمكن أن تتداخل قواعد مختلفة لتنظيم حركة السفن، وهو ما ينطبق جزئياً على الحالة القانونية لمضيق هرمز.

ما الوضع القانوني لمضيق هرمز؟

تكتسب القواعد التي تنظم الملاحة البحرية أهمية خاصة عند تطبيقها على المضائق الاستراتيجية التي تستخدمها السفن للعبور بين مناطق بحرية واسعة. ويعد مضيق هرمز من أبرز هذه المضائق، إذ يربط الخليج ببحر عُمان والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المنقولة بحراً.

يعود التعقيد القانوني لمضيق هرمز إلى طبيعة القواعد التي تنظم الملاحة في المضائق الدولية.

وبالنظر لمضيق هرمز تحديداً، تزداد هذه التعقيدات بسبب موقعه الجغرافي والقانوني. فالمضيق يقع بين المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عُمان، كما تخضع حركة السفن فيه لنظام يعرف بـ فصل حركة الملاحة، وهو نظام يشبه المسارات المرورية على الطرق السريعة حيث تسير السفن في ممرات محددة لتجنب التصادم. وفي أضيق نقطة من المضيق تقع هذه الممرات بالكامل تقريباً داخل المياه الإقليمية العُمانية، ولا تدخل السفن المياه الإيرانية إلا بعد تجاوز هذه النقطة ودخول الخليج. وبذلك تمر السفن عملياً داخل نطاق السيادة البحرية لكل من عُمان وإيران في مراحل مختلفة من عبورها المضيق.

ويضيف إلى هذا التعقيد أيضاً الجدل القانوني المرتبط بموقف إيران من بعض قواعد الملاحة في المضيق. ففي القانون الدولي يوجد مفهوم يعرف بـ “المعترض الدائم”، ويشير إلى أن الدولة التي تعترض باستمرار على قاعدة قانونية دولية قد تعتبر نفسها غير ملزمة بها. ويرى بعض الباحثين أن هذا المفهوم قد يفسر موقف إيران من حق المرور العابر بالنسبة لبعض الدول. ومع ذلك، يشير خبراء القانون البحري إلى أن إيران تظل مطالبة بمراعاة قواعد الملاحة الدولية وضمان مرور السفن في المضيق، بما في ذلك سفن الدول التي تستخدم هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية.

كما يوضح أن القواعد القانونية لا تميز كثيراً بين السفن التجارية والسفن الحربية في أوقات السلم، إذ يحق لكليهما الاستفادة من أنظمة الملاحة مثل المرور العابر أو المرور البريء. غير أن الوضع يتغير في حالات النزاع المسلح، حيث تدخل قواعد قانون الحرب البحرية حيز التطبيق، ويصبح التمييز بين الدول المتحاربة والدول المحايدة عاملاً مهماً في تحديد وضع السفن. ففي هذه الحالة قد يتغير الوضع القانوني للسفينة التجارية ليس فقط بحسب العلم الذي ترفعه، بل أيضاً بحسب طبيعة حمولتها والجهة التي تتجه إليها، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الوضع القانوني للملاحة في المضيق.

وفي الوقت الحالي، يشير خبراء القانون البحري إلى أنه لا يوجد حصار فعلي للمضيق، إذ ما تزال السفن التجارية والناقلات النفطية والسفن الحربية التابعة لدول مختلفة تعبر المضيق. فالسفن التجارية ما زالت تواصل عبورها، كما تشير بيانات الملاحة إلى مرور ناقلات نفط تابعة لدول عدة، إضافة إلى عبور سفن حربية لدول مختلفة. وبذلك، وعلى الرغم من التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة، ما تزال الملاحة في مضيق هرمز مستمرة من الناحية القانونية والعملية.

ما الفرق بين السفن التجارية والعسكرية في القانون البحري؟

فيما يتعلق بالتمييز بين السفن التجارية والعسكرية في المضائق البحرية، يوضح د.لوت أن القانون الدولي للبحار لا يميز بينهما بشكل كبير في أوقات السلم. فكلتاهما تتمتعان بحقوق الملاحة المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بما في ذلك حق المرور العابر في المضائق الدولية وحق المرور البريء في المياه الإقليمية.

غير أن هذا الوضع يتغير في حالات النزاع المسلح، إذ تدخل قواعد قانون الحرب البحرية حيز التطبيق. ففي هذه الحالة تُعد السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة أهدافاً عسكرية مشروعة بطبيعتها.

أما السفن التجارية، فقد يتحدد وضعها القانوني وفق عدة عوامل، من بينها الدولة التي ترفع علمها وطبيعة الشحنة التي تنقلها. فالسفينة التي ترفع علم دولة محايدة قد تُعامل كسفينة معادية إذا كانت تنقل مواد أو موارد تُستخدم لأغراض عسكرية لصالح أحد أطراف النزاع. وفي مثل هذه الحالات لا يقتصر التقييم على علم السفينة، بل يشمل أيضاً طبيعة حمولتها والجهة التي تتجه إليها.

من يملك سلطة تنظيم الملاحة في مضيق هرمز؟

خريطة توضح موقع مضيق هرمز الذي يربط الخليج ببحر عُمان والمحيط الهندي، ويقع بين إيران وسلطنة عُمان، ويُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم لعبور النفط والتجارة الدولية.
BBC
خريطة توضح موقع مضيق هرمز الذي يربط الخليج ببحر عُمان والمحيط الهندي، ويقع بين إيران وسلطنة عُمان، ويُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم لعبور النفط والتجارة الدولية

تخضع حركة السفن في مضيق هرمز لنظام يعرف باسم نظام فصل حركة الملاحة، وهو نظام تنظيمي يستخدم في العديد من الممرات البحرية المزدحمة حول العالم لتقليل مخاطر التصادم بين السفن.

ويشرح لوت أن هذا النظام يشبه إلى حد كبير المسارات المرورية على الطرق السريعة، حيث تسير السفن في ممرات محددة بحسب اتجاه الحركة.

يقول: “هذه الممرات تعمل مثل الطرق السريعة البحرية. هناك مسار للسفن المتجهة في اتجاه، ومسار آخر للسفن القادمة في الاتجاه المعاكس.”

ويضيف أن الممرات الملاحية في أضيق نقطة من مضيق هرمز تقع بالكامل تقريباً داخل المياه الإقليمية لسلطنة عُمان. وبذلك تمر السفن التي تعبر المضيق عملياً داخل نطاق السيادة البحرية لكل من عُمان وإيران خلال رحلتها عبر هذا الممر الحيوي.

هل يمكن تعطيل الملاحة قانونياً في المضيق؟

يرى لوت أن الإجابة على هذا السؤال تعتمد إلى حد كبير على السياق القانوني للنزاع القائم في المنطقة. فمن الناحية القانونية، يرتبط احتمال تعطيل الملاحة في المضيق بوضع الدول المطلة على الخليج وما إذا كانت تُعد أطرافاً مباشرة في النزاع.

ويشرح لوت أنه إذا أصبحت دول الخليج العربية طرفاً في الحرب، فإن سواحلها قد تُعتبر من منظور الطرف المقابل سواحل تابعة للعدو. وفي مثل هذه الحالة، قد يتيح قانون الحرب البحرية فرض حصار بحري يستهدف السفن والطائرات المتجهة إلى تلك السواحل أو القادمة منها، بما في ذلك السفن التي تعبر مضيق هرمز.

لكن لوت يشير في المقابل إلى أن هذا السيناريو يبقى نظرياً إلى حد كبير في الوقت الحالي، إذ لا توجد مؤشرات على أن دول الخليج مثل البحرين أو الكويت أو السعودية أو الإمارات تسعى إلى الانخراط المباشر في النزاع وفقدان وضعها كدول محايدة.

ورغم أن تقارير تحدثت عن إغلاق مضيق هرمز أو تعطّل الملاحة فيه، تشير بيانات تتبع السفن إلى استمرار عبور ناقلات وسفن تجارية عبر المضيق. وتُظهر مواقع تتبع الملاحة البحرية أن سفناً تابعة لدول مختلفة، بينها الهند والصين، ما زالت تمر في المنطقة، بما في ذلك قرب السواحل الإيرانية، ما يشير إلى عدم وجود حصار بحري فعلي حتى الآن، رغم التوترات والتصريحات المتبادلة حول إمكانية تعطيل الملاحة.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أنها قد ترافق بعض السفن في مضيق هرمز لحماية الملاحة، لكن تقارير لاحقة أشارت إلى أن تنفيذ هذه الخطوة ما زال محدوداً، في وقت تظهر فيه بيانات تتبع السفن استمرار عبور ناقلات وسفن تجارية عبر المضيق.

كما يشير لوت إلى أن دولاً أخرى أعلنت استعدادها للمساهمة في حماية الملاحة إذا اقتضت الحاجة، وهو ما يعكس استمرار حركة العبور في المضيق. وبذلك، وعلى الرغم من التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة، لا يوجد حالياً حصار فعلي يمنع السفن التجارية أو العسكرية من عبور مضيق هرمز، وما تزال الملاحة فيه مستمرة من الناحيتين القانونية والعملية.

مضيق هرمز والقانون الدولي: ما الذي يحكم عبور السفن؟

BBC Arabic

🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

زر الذهاب إلى الأعلى