ما مدى خطورة وجود الجيش الإندونيسي في غزة؟
أثار انخراط الجيش الإندونيسي في مشروع “مجلس السلام” في غزة جدلاً بين مؤيد ومعارض. ومن الواضح أن إندونيسيا، على مدى السبعين عاماً الماضية، أرسلت قوات للمشاركة في مهام تابعة للأمم المتحدة لـ”حفظ السلام” في عدد من مناطق النزاع في أفريقيا وآسيا وأوروبا.
وخلال تلك الفترة، حظي الجيش الإندونيسي بإشادة، لكن بعض أفراده تعرّضوا للاختطاف وقُتل آخرون. فكيف سيكون مصيرهم في غزة؟
إندونيسيا واحدة من خمس دول سترسل قوات للانضمام إلى “قوة الاستقرار الدولية” في غزة. أما الدول الأربع الأخرى فهي كوسوفو وكازاخستان وألبانيا والمغرب.
ومن بين هذه الدول الأربع، يُعدّ المغرب، البلد الوحيد الذي لديه خبرة في إرسال قوات ضمن قوة حفظ السلام التي شكّلتها الأمم المتحدة. لكن عدد الجنود المغاربة في بعثات حفظ السلام لا يوازي عدد الجنود الإندونيسيين، إذ تُعدّ إندونيسيا من بين أكبر عشر دول مساهمة في هذا البرنامج التابع لمجلس الأمن الدولي.
ما مدى إثارة هذا الموضوع للجدل؟
تختلف “قوة الاستقرار الدولية” عن بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. فهي لا تخضع لسيطرة مجلس الأمن الدولي، بل لهيئة تُسمّى “مجلس السلام”.
ومع ذلك، أعرب مجلس الأمن الدولي عن دعمه لمجلس السلام في جلسته المنعقدة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. كما منح الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك إندونيسيا، الحق في الانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية.
وبالاستناد إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803، فإن الدول التي سترسل قوات للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية، بما فيها إندونيسيا، ستتعاون وتتشاور بشكل وثيق مع إسرائيل ومصر.
وفي غزة، ستتولى قوة الاستقرار الدولية تنفيذ ست مهام، من بينها المساعدة في تأمين المناطق الحدودية، وحماية المدنيين، وتدريب مرشحي الشرطة الفلسطينية، وتأمين “الممرات الإنسانية” التي تُعد نقاط دخول للمساعدات الموجهة إلى المدنيين، إضافة إلى تنفيذ مهام أخرى قد يراها مجلس السلام ضرورية.
ومن المهام الأخرى لها أيضاً المشاركة في نزع السلاح في غزة، بما في ذلك تدمير البنية التحتية العسكرية وتجريد حركة حماس من سلاحها.
صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مراراً، بما في ذلك في 19 فبراير/ شباط، بأنه من دون نزع سلاح حماس، فإن “مشروع إعادة إعمار غزة” الذي بادر به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويحظى بدعم جميع أعضاء مجلس السلام، بمن فيهم إندونيسيا، لن يمضي قدماً.
يرى مرادي، الخبير الدفاعي في جامعة بادجادجاران، أن مهمة نزع سلاح حماس وبنيتها التحتية قد تمثل أكبر خطر محتمل على الجيش الإندونيسي.
وقال مرادي: “إلى جانب نزع السلاح، فإن تدمير الأنفاق ينطوي أيضاً على مخاطر، إذ قد يؤدي إلى اندلاع حرب داخل المدن تُربك القوات الإندونيسية”.
وأضاف أن الانخراط في عملية نزع سلاح حماس سيضع إندونيسيا، من الناحية النظرية، في موقع غير محايد.
وأشار كذلك إلى أن عدم حياد الجيش الإندونيسي، فضلاً عن خطر التورط في معارك، خصوصاً مع حماس، لا يتماشى مع دستور البلاد وسياستها الخارجية.
سعت الحكومة الإسرائيلية، عبر جيشها، على مدى سنوات إلى إيجاد وسائل مختلفة لتدمير الأنفاق الأرضية التي بنتها وتديرها حماس في غزة.
وكان مراسل بي بي سي، كوينتن سومرفيل، قد دخل أحد مقاطع الأنفاق تحت الأرض عام 2015.
كما وثّقت وكالة رويترز جزءاً من النفق خلال زيارة نظّمتها حماس قبل ذلك بعام.
واعترفت حماس وفصائل أخرى في غزة، مثل حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، في مناسبات مختلفة باستخدام الأنفاق الأرضية كجزء من إستراتيجية قتالية ضد الجيش الإسرائيلي.
أين ستتمركز القوات الإندونيسية، وما هي المخاطر؟
أفادت هيئة البث الإسرائيلية في مطلع فبراير/شباط بأن الجيش الإندونيسي سيتواجد في جنوب قطاع غزة، وتحديداً حول رفح وخان يونس.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت رفح معبراً حيوياً لسكان غزة، إذ تُعدّ منفذهم الرئيسي إلى مصر عبر شبه جزيرة سيناء. وقد أغلقت الحكومة الإسرائيلية معبرين آخرين، هما إيرز (حاجز بيت حانون) وكرم أبو سالم، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
كما تُعدّ رفح البوابة الوحيدة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة.
بحسب الجنرال المتقاعد أمير أفيفي، فإن إسرائيل قد سوّت رفح بالأرض. وفي حديثه لوكالة رويترز في يناير/كانون الثاني، وإن لم يكن بصفته ممثلاً للجيش الإسرائيلي، قال أفيفي إن إسرائيل ستقيم مخيمات في رفح للمدنيين الفلسطينيين.
وأوضح أفيفي أن المساكن التي ستُبنى ضمن “مشروع إعادة الإعمار” ستُجهز بتقنية التعرف على الوجوه وأجهزة مراقبة.
وسيُقام المجمع السكني، المسمى “أفيفي”، فوق أنفاق حماس تحت الأرض، والتي يسعى مجلس السلام إلى نزع سلاحها بمساعدة قوات الأمن الإسرائيلية.
وهنا تكمن المخاطر، وهو ما يُحلله أيضاً هيرو سوسيتيو نوسوانتو، الخبير في دراسات السلام وحقوق الإنسان بكلية الحقوق في جامعة إندونيسيا.
قال هيرو إن رفح منطقة تضم شبكة كثيفة ومعقدة من أنفاق حماس، واصفاً إياها بأنها “منطقة حساسة لحماس”.
وأضاف في نقاش إلكتروني السبت 21 فبراير/شباط: “قد تعتبر حماس القوات الإندونيسية قوات معادية أو خصماً أو عدواً عندما تقوم بتنظيف هذه البنية التحتية تحت الأرض”.
وتابع: “المهمة الرئيسية لقوات الاستقرار الدولية هي تحقيق الاستقرار. ماذا يعني ذلك؟ هذا غير واضح. الواقع على الأرض أن هذه الأنفاق تحت الأرض تُعد تهديداً أمنياً. وقد تشهد القوات الإندونيسية انتقالاً من دعم السلام إلى مكافحة التمرد أو مكافحة الإرهاب”.
وأشار إلى أنه إذا تحقق هذا التحليل، فإن القوات الإندونيسية ستدخل بشكل غير مباشر في الصراع القائم بين حماس والجيش الإسرائيلي، وختم بالقول: “قد نقع في فخ. هذا أمر خطير”.
وفقاً لهيرو، فإن الأنفاق تحت الأرض في رفح ليست مجرد أداة دفاعية لحماس، بل تمثل أيضاً رمزاً للمقاومة ضد إسرائيل.
ويعبّر هيرو عن قلقه مع احتمال التصادم مع حماس بهذا الشكل، فإن الجيش الإندونيسي معرض لخطر انتهاك القانون الإنساني الدولي.
ويقول إن الجيش الإندونيسي لن يكون معرضاً فقط لأعمال مدمرة تلحق الضرر بالمدنيين، بل سيواجه أيضاً صعوبة في التمييز بين من يحمل صفة مقاتل ومن لا يحملها في المنطقة.
وأضاف هيرو: “رغم أنه من البداية تم التأكيد على إرسال قوات غير مقاتلة، إلا أنني لست متأكداً من أنهم لن يحملوا أسلحة، خصوصاً في مناطق مثل رفح”.
ماذا تقول الحكومة الإندونيسية عن الخلافات التي ظهرت؟
ادعى وزير الخارجية سوجونو أن وجود إندونيسيا في قوات الاستقرار الدولية لا يرتبط بوجود أو غياب العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، بحسب ما صرح به للصحفيين في واشنطن، يوم الجمعة 20 فبراير/شباط.
وقال سوجونو إن هذا الادعاء قائم على الرغم من أن قرار مجلس الأمن رقم 2803 ينص على أن الدول التي ترسل قوات إلى قوات الاستقرار الدولية ستتعاون وتتشاور بشكل وثيق مع إسرائيل ومصر.
ونفى سوجونو أيضاً تساؤلات الكثيرين حول ما إذا كان الجيش الإندونيسي سيشارك في نزع سلاح وتفكيك أنفاق حماس تحت الأرض.
وأضاف سوجونو: “تسمح المبادئ التوجيهية لتنفيذ تفويض قوات الاستقرار للدول المشاركة، بفرض حدود أكثر صرامة مما ورد في قرارات مجلس الأمن”.
وتابع: “لقد أبلغنا قوة الاستقرار بالقيود الوطنية (الحدود التي تفرضها إندونيسيا)، وهي أن إندونيسيا لا تقوم بعمليات عسكرية، ولا تنفذ نزع سلاح، ولا تقوم بما يسمى نزع التسلح”
قال سوجونو إن ما سيقوم به الجيش الإندونيسي في غزة هو “حماية المجتمع المدني على كلا الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي) والمشاركة في الجهود الإنسانية”.
وأضافت وزارة الخارجية الإندونيسية سابقاً أن الجنود الإندونيسيين في غزة يُسمح لهم باستخدام القوة المسلحة فقط للدفاع عن أنفسهم ولتنفيذ تفويضهم. ويأتي هذا البيان في سياق المخاوف من أن القوات الإندونيسية قد يكون لديها إمكانية انتهاك القانون الدولي.
وأكدت الوزارة أن استخدام القوة من قبل الجيش الإندونيسي يجب أن يكون متناسباً، وكملاذ أخير، وأن يتم وفقاً للقانون الدولي.
ورغم هذه القيود المتنوعة، لم ينفِ سوجونو وجود أخطار كبيرة قد يواجهها الجيش الإندونيسي أثناء وجوده في غزة.
وقال: “لا تزال عملية عسكرية، وبالطبع هناك مخاطر. لهذا السبب نحن بحاجة إلى تفويض واضح وقواعد اشتباك. نحن أيضاً لا نريد أن يصبح الجنود الإندونيسيون ضحايا”.
وقد طلبت بي بي سي إندونيسيا إجراء مقابلة مع الجيش الوطني ووزارة الدفاع، لكنها لم تتلقَ أي رد.
من يدفع تكاليف عمليات الجيش الإندونيسي في غزة؟
أثير السؤال عن مسألة التكاليف من قبل عدة جهات، من بينها ديوي فورتونا أنور، خبيرة العلاقات الدولية في الوكالة الوطنية للبحوث والابتكار.
تقول ديوي إن مشاركة الجيش الإندونيسي في بعثات حفظ السلام على مدى عقود تم تمويلها من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وذلك لأن العملية تعتبر جزءاً من تفويض المنظمة المقامة في نيويورك.
وأضافت ديوي: “إذا تم إنشاء المهمة في غزة كجزء من بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، فسيتم اعتمادها من قبل مجلس الأمن، ويرتدي الجنود الخوذ الزرقاء، وستتحمل الأمم المتحدة تكاليف العمليات”.
وتابعت: “أما إذا كانت المهمة خارج نطاق الأمم المتحدة، فستتحمل الدولة المرسلة للقوات أو السلطات الإقليمية المستقبلة التكاليف، لكن غزة لن تكون قادرة على الدفع”.
وفقاً لديوي، يجب على الحكومة إجراء حسابات دقيقة، خاصة إذا أرادت استخدام أموال من الميزانية الحكومية لتمويل المهمات في غزة. كما أشارت إلى أن إندونيسيا ملزمة أيضاً بإيداع مساهمات بقيمة حوالي 17 تريليون روبية لمجلس السلام.
وقد صرح وزير المالية، بوربايا يودهي ساديوا، سابقاً أن مساهمة الـ17 تريليون روبية ستُدفع من ميزانية وزارة الدفاع، والتي ستتلقى في عام 2026 مخصصات قدرها 187.1 تريليون روبية من الميزانية العامة للدولة.
وبحسب سوجونو، حتى 20 فبراير/شباط، لم تدفع إندونيسيا بعد مساهماتها لمجلس السلام.
وقال سوجونو إن تكاليف عمليات الجيش الإندونيسي في غزة ستتحملها الحكومة وأولئك الذين أبدوا دعمهم لمجلس السلام.
وأضاف: “هناك في مجلس السلام بعض الأطراف الملتزمة بالمساهمة في تكاليف قوات السلام الدولية، سواء من القطاع الخاص أو الدولة. وسيُستخدم ذلك لدعم جميع العمليات”.
وتابع: “لكن إندونيسيا أيضاً دولة مرسلة للقوات، لذلك بالتأكيد ستكلف هذه العملية أموالاً”.
وللمقارنة، بلغت ميزانية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لبعثات حفظ السلام للفترة من 1 يوليو/تموز 2024 حتى 30 يونيو/حزيران 2025 نحو 94 تريليون روبية.
وكان أكبر مساهم في هذه الميزانية هو الحكومة الأمريكية (26,95 في المئة)، تليها الصين (18,69 في المئة)، واليابان (8,03 في المئة)، وألمانيا (6,11 في المئة)، والمملكة المتحدة (5,36 في المئة)، وفرنسا (5,29 في المئة).
واُستخدمت الميزانية لتمويل 9 بعثات حفظ سلام، بما في ذلك رواتب الجنود المشاركين فيها.
وبحسب وثائق الأمم المتحدة لعام 2017، كان الجندي الذي يشارك في بعثة حفظ سلام يتقاضى على الأقل 1,410 دولاراً أمريكياً شهرياً، أي ما يعادل نحو 23 مليون روبية. ويتم تحويل راتب الجندي من مجلس الأمن إلى حكومة بلده، وهي التي تُكلّف بعد ذلك بإعطائه للجندي.
إندونيسيا هي أكبر مساهم في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة
يمتلك الجيش الإندونيسي سجلاً طويلاً في عمليات حفظ السلام التي تبادر بها الأمم المتحدة. وكانت أول عملية شاركت فيها إندونيسيا مهمة في مصر عام 1957.
ومنذ ذلك الحين، أرسلت الحكومة الإندونيسية قوات إلى عدة دول تعاني أو عانت مؤخراً من الحروب، مثل الكونغو، وفيتنام، والبوسنة، ومقدونيا، وجورجيا، والعراق، والكويت، وسوريا، وليبيريا، وسيراليون، والسودان، ولبنان.
وفي عام 2012، أنشأ الجيش الإندونيسي وكالة خاصة تُعنى باختيار وتدريب الجنود المقرر إرسالهم للعمليات تحت إشراف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتسمى “مركز بعثات حفظ السلام”.
وبحسب بيانات الوكالة، فقد أرسلت إندونيسيا من عام 1957 حتى 2020 نحو 45,087 جندياً إلى بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وعلى مر السنين، كانت إندونيسيا واحدة من الدول التي ترسل أكبر عدد من العسكريين إلى بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام.
وبحسب بحث أجراه اتحاد النساء الدولي من أجل السلام والحرية عام 2017، فإن الدول التي ترسل قوات إلى بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة “تحقق أرباحاً كبيرة” من البرنامج. وقالت مادلين ريس، رئيسة مجموعة الدفاع عن السلام ومقرها هولندا: “لا يسعهم إلا إرسال الجنود”.
وأضافت ريس، بالإشارة إلى بيانات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أن عدداً من الدول التي ترسل أكبر عدد من الجنود لبعثات حفظ السلام تُصنَّف ضمن الدول الفقيرة، مثل إثيوبيا، ورواندا، ونيبال.
- ما هو الشكل الأنسب لقوة حفظ السلام في غزة، وقواعدها في الاشتباك؟ – في التلغراف
- ترامب: غزة لم تعد بؤرة للإرهاب، ومساعدات تقدر بنحو 20 مليار دولار لإعادة الإعمار
اختُطف وقُتل في فيتنام
حضَر بان كي مون، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وألقى كلمة في مراسم افتتاح مجمع “مركز بعثات حفظ السلام”، الذي يتبع هيكلياً لمقر الجيش الإندونيسي، في 20 مارس/ آذار 2012.
وفي كلمته، أشاد بان بمساهمة إندونيسيا في برنامج بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، مؤكداً أن إنشاء الوكالة المسؤولة عن اختيار وتدريب قوات حفظ السلام يعكس رؤية إندونيسيا طويلة الأمد من أجل “السلام العالمي”.
واستشهد بان ببيانات تفيد أنه حتى عام 2012، لقي 31 جندياً إندونيسياً حتفهم أثناء خدمتهم كحراس سلام تابعين للأمم المتحدة. كما تحدث عن التحديات التي يواجهها أفراد الجيش الإندونيسي، ومن بينها رفض سكان دارفور في السودان، الذين يعيشون في صراع، وجودهم.
وقال بان: “لم يُرحب بالجنود الإندونيسيين عند وصولهم لأول مرة إلى هناك. فقد قام بعض السكان برمي الحجارة على قوات حفظ السلام”.
وأضاف: “شرح أحد القباطنة الإندونيسيين أن اللاجئين لم يكونوا يعلمون أننا جئنا لحمايتهم”.
وتابع: “يحتاج حفظة السلام إلى الثقة، لكن لا يمكنهم طلبها أو إجبار الناس عليها؛ عليهم كسب ثقة الجمهور من خلال القدوة”.
واختتم بان قائلاً: “تظهر القوات الإندونيسية، مثل جميع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، شجاعة وتعاطفاً. هذا يغير كل شيء. لقد كسبوا قلوب وعقول الناس، كما نرى في الفيديو”.
في الواقع، أرسلت إندونيسيا جنوداً في بعثات خارجية لم تكن مبادرات من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفقاً لما ذكرته ديوي فورتونا أنور، خبيرة العلاقات الدولية. وأوضحت أن ذلك حدث في أوائل السبعينيات، عندما أرسلت إندونيسيا أعضاء من القوات المسلحة لجمهورية إندونيسيا إلى فيتنام.
وقالت ديوي: “في الفترة بين 1973–1975، كان هناك لجنة دولية للرقابة والإشراف لمتابعة المصالحة بين الولايات المتحدة وفيتنام بعد انتهاء حرب فيتنام”.
وأضافت: “لذا فإن قوة حفظ السلام الدولية، المسماة (آي سي سي إس)، هي قوة خارج الأمم المتحدة. وانضمت إندونيسيا وثلاث دول أخرى، حيث مثلت إندونيسيا دولة غير منحازة”.
وكانت الدول الثلاث الأخرى التي انضمت إلى (آي سي سي إس) بعد حرب فيتنام هي كندا، والمجر، وبولندا.
تم تكليف القوات الإندونيسية، جنباً إلى جنب مع الدول الثلاث الأخرى، بتنفيذ وقف إطلاق النار في جنوب فيتنام، بما في ذلك تفكيك البنية التحتية لقوات فيت كونغ، التي كانت تقاتل ضد القوات الأمريكية.
لكن مهمة القوات المسلحة الإندونيسية في فيتنام في ذلك الوقت لم تسر بسلاسة. فلم تتراجع الحرب، وفي عام 1975 استعادت المجموعات الشيوعية السيطرة على مدينة بون مي ثوت مرة أخرى.
وكان وزير الخارجية الإندونيسي آنذاك، آدم مالك، قد وصف دور القوات المسلحة الإندونيسية في فيتنام بأنه “عديم الجدوى”.
وقال: “إذا استمر الوضع في التدهور، سنعيد القوة الإندونيسية إلى جاكرتا”، وفق ما ذكرت مجلة (تيمبو) في 29 مارس/آذار 1975.
انتُقد وجود الجيش الإندونيسي في فيتنام في ذلك الوقت بشدة، إذ اعتُقد أن الجيش غير قادر على أن يكون “حكماً” في عملية وقف إطلاق النار بين قوات فيت كونغ والقوات المدعومة من الولايات المتحدة. وذكُر أن الجيش الإندونيسي كان غير مسلح وغالباً ما كان يتعرض لإطلاق النار من قبل فيت كونغ.
وفي أحداث حرب بون مي ثوت، التي أدت إلى التدمير الكامل لقوات جنوب فيتنام، أسرت قوات فيت كونغ جندياً إندونيسياً، القبطان مولكان.
وبالنسبة لاختطاف مولكان، ورد أن وزير الخارجية الإندونيسي آنذاك، آدم مالك، كان حذراً في حديثه. وقال: “إنهم تحت حماية نفس علم (آي سي سي إس) المعترف بها من قبل الطرفين المتخاصمين”.
قبل عامين من أحداث بون مي ثوت، كانت فيتنام الشمالية – التي كانت تعلن نفسها آنذاك دولة تحت حكم الحزب الشيوعي الفيتنامي – قد وجّهت انتقادات لإندونيسيا، متهمة إياها بعدم الحياد.
وانتقدت فيتنام الشمالية المعرض الذي نظمته القوات المسلحة الإندونيسية في متحف ساتريا ماندالا، جاكرتا، حيث عرضت القوات الإندونيسية مجموعة من الصور أثناء أدائها مهامها تحت (آي سي سي إس) عام 1973، مثل إطلاق صواريخ موجهة من قبل جماعة فيت كونغ.
وتضمن المعرض أيضاً صورة لطائرة هليكوبتر تحمل قوات (آي سي سي إس) تعرضت لاستهداف فيت كونغ على طريق جيو لينه-لاو باو، حيث قُتل أحد الجنود الإندونيسيين، العقيد ليونارد غوناوان، الذي كان على متن الطائرة.
وفي رسالة سرية تم فتحها وأرشفتها وكالة الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن، يُكشف عن كيفية بدء مشاركة الجيش الإندونيسي في فيتنام.
أبلغ وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، في رسالة بتاريخ 18 يوليو/تموز 1969، رئيسه، الرئيس ريتشارد نيكسون، أن الرئيس سوهارتو أشار بالفعل إلى نيته الانضمام إلى “حل السلام في فيتنام” الذي بادر به البيت الأبيض.
وقال كيسنجر: “من المحتمل أن يعبر سوهارتو عن استعداده للمشاركة في آلية التنفيذ الدولية لحل السلام الفيتنامي”.
وأضاف: “قد يتعزز الاهتمام بلعب دور إقليمي هنا بسبب توقع الجيش الإندونيسي أنه سيحصل على أسلحة أمريكية، ربما من مخزونات فائضة في فيتنام، مقابل مشاركته”.
تعرض للهجوم في الكونغو ولبنان
في السنوات الأخيرة، لم يتمكن الجنود الإندونيسيون المنضمون إلى بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من تجنب خطر التواجد في مناطق النزاع.
في يونيو/حزيران 2020، قُتل الرقيب أول راما واهيدي في هجوم شنته ميليشيا مسلحة تابعة لقوات التحالف الديمقراطية في مدينة بيني، بمقاطعة كيفو الشمالية، في جمهورية الكونغو.
ووفقاً لبيان رسمي صادر عن الجيش الإندونيسي، وقع الهجوم عندما كان راما ومجموعة من جنوده ضمن قافلة تنقل إمدادات لبناء الجسر.
وأطلقت قوات التحالف الديمقراطية وابلًا من الرصاص على القافلة، ما أدى إلى وفاة راما بعد أن اخترقت رصاصة صدره الأيسر، كما أُصيب جندي إندونيسي آخر في الحادث.
في غضون ذلك، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، أُصيب جنديان إندونيسيان يخدمان في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) جراء هجوم عسكري إسرائيلي. وقد أصيبا بانفجار قرب برج مراقبة في مدينة الناقورة.
واتهم قادة اليونيفيل إسرائيل باستهداف قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عمداً.
في لبنان، يُشكّل الجيش الإندونيسي جزءاً من نحو 10 آلاف جندي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وقد عملوا بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، عقب حرب الأيام الأربعة والثلاثين بين إسرائيل ولبنان.
قدرات الجيش الإندونيسي والمخاطر في غزة
قالت ديوي فورتونا أنور إن الجنود الذين يُرسلون إلى مناطق ما بعد النزاع سيواجهون دائماً مخاطر جسيمة لأن الوضع في المنطقة “غير آمن بالفعل”.
ومع ذلك، لم تشكك ديوي في مهارات القوات المسلحة الإندونيسية، ولا في قدرتهم على التواصل مع المجتمع المحلي. وأضافت أن الأمر الفريد، وإن كان مثيراً للسخرية، هو مرونة الجيش الإندونيسي في التعامل مع المدنيين، نظراً لاعتيادهم على الانخراط في مختلف الشؤون المدنية خارج نطاق الشؤون الدفاعية.
وقالت ديوي: “الجنود في إندونيسيا موجودون في كل مكان، بإمكانهم التدريس في المدارس، والعمل كأطباء، ومزارعين، والغناء، والطبخ، إلى جانب أنشطتهم المحلية”.
في إندونيسيا، هناك من لا يروق لهم هذا الأمر لأنه يمثل هيمنة عسكرية، وهو أحد بنود أجندة الإصلاح، وتحديداً إنهاء ازدواجية المهام. لكن المفارقة تكمن في أن هذه القدرات لا تُستغل في القتال، بل تُباع عند إرسال الجنود في مهمة لحفظ السلام.
في بيانه الأخير، قال حازم قاسم، المتحدث باسم حماس، إن الحركة ستقبل بوصول قوة الاستقرار الدولية، بشرط ألا يتدخل جنودها، بمن فيهم جنود من إندونيسيا، في الشؤون الداخلية لغزة.
وأضاف: “نريد قوات حفظ سلام تراقب وقف إطلاق النار، وتضمن تنفيذه، وتعمل كحاجز بين جيش الاحتلال وشعبنا في قطاع غزة”.
- إندونيسيا تستعد لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة
- الرئيس الإندونيسي يُخطط لإجلاء ألف غزّي، لماذا يُوصف هذا القرار بـ”الخطأ الفادح”؟
- معبر رفح يُفتح للمرضى: أمل بالعلاج يرافقه خوف من العبور ومعاناة لا تنتهي
🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.