“استولوا على كل شيء”: الحوثيون يدفعون منظمات الإغاثة في اليمن إلى الانهيار
تحاول أمينة بشتى السبل أن تحافظ على ما تبقى من الأنشطة الإنسانية التي تنفذها جمعيتها في شمال اليمن. ينتابها غضب كبير وهي تشهد المنظمة الإنسانية التي أسستها قبل سنوات تنهار تدريجيا.
تتذكر كيف “تعرضت 1600 أسرة للحرمان من مساعدات مالية، لأن الحوثيين أرادوا أن يستحوذوا على جزء من تلك المساعدات”، على حد قولها.
ومثل كثير من منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، تعاني جمعية أمينة من قيود شديدة فرضها الحوثيون، أو من يعرفون أنفسهم باسم حركة أنصار الله الحوثية، الذين يبسطون سيطرتهم على شمال اليمن.
فمنذ انخراط اليمن في حرب طاحنة عام 2015 ما بين الحوثيين المدعومين من إيران والتحالف العربي الذي تقوده السعودية، قتل أكثر من 377 ألف شخص وبات أكثر من 22 مليون يمني، أي نحو نصف عدد السكان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
عام استثنائي
لكن التحديات التي واجهت العمل الإنساني في اليمن خلال العام الماضي كانت استثنائية. تقول أمينة، وهو اسم مستعار أطلقناه عليها حفاظاً على سلامتها، إنها خسرت تسعين في المئة من دخلها واضطرت إلى تسريح أغلب العاملين في الجمعية والبالغ عددهم 450 موظفاً.
تخبرني، بصوت يعتصره الألم والغضب، كيف فقد ثمانية من النازحين حياتهم داخل إحدى الخيام في محافظة من محافظات شمال اليمن بعد أن تعنت الحوثيون، على حد وصفها، في منع وصول المساعدات.
وتوضح “كان من المستحيل تخيل أحوال النساء المعيشية في هذا المخيم. كان البؤس بعينه. أردنا أن نقدم لهم ملابس ومستحضرات للنظافة الشخصية.” وأوضحت أن المنع جاء استناداً إلى مبررات عدة من بينها اعتبارات أمنية.
لن نكشف عن اسم جمعية أمينة بناء على طلبها خشية أن يطالها ضرر من سلطات الأمر الواقع في شمال اليمن. وتخبرني أمينة أن الجمعية عادة ما تجرى دراسات ميدانية وفحصاً دقيقاً بشأن العائلات التي ستتلقى المساعدات كي تضمن وصول الدعم لمن يستحقه.
- “لم أسمع عن ابني لسبعة أشهر”، بي بي سي داخل سجون اليمن السرية التي تديرها الإمارات
- اليمن: ما هي جذور الصراع؟ وكيف يتوزّع النفوذ؟
عقبات تعترض المساعدات
وتضيف “قدم لنا أحد المانحين الدوليين مساعدات مالية لألف وستمائة أسرة، لكن الحوثيين أرادوا الحصول على الأموال المخصصة لثلاثمائة أسرة كي يوزعوها على عائلات من اختيارهم”.
رفضت أمينة ذلك لأنها لا يمكن أن تبرر للمانح تقديم مساعدات لعائلات لا تعلم عنها شيئاً. وبناءً عليه، طلبت من الحوثيين أن يرفعوا المسألة للمانح، لتنهار حملة المساعدات، في النهاية، من دون أن تحصل أي أسرة على أي أموال.
ولا ترى سبيلاً للاستمرار إلا عن طريق العمل بأقل القليل وتجنب الدخول في أي مواجهات مع الحوثيين. وتضيف “حتى عام 2024 كانت جمعيتي تشرف على 13 مشروعاً متعلقاً بالمرأة والطفل، اليوم نعمل على مشروع واحد بشق الأنفس.”
وقبل أن تقلص نشاطها، كانت أمينة تنخرط في محادثات تستمر لأشهر مع الحوثيين. وتؤرقها ذكرى إلغاء مشروع ممول من الأمم المتحدة بسبب رفض الحوثيين منحها تصاريح العمل في الوقت المناسب.
وتقول إنهم “أصروا على أن نسند المشروع الزراعي لإحدى الشركات التابعة لهم والتي لم تكن على المستوى المطلوب، وإلا لن نتمكن من تنفيذ المشروع”. واستغرقت المفاوضات ستة أشهر كاملة، ما أدى لعدم الالتزام بالجدول الزمني المتفق عليه مع المانح الذي سحب تمويله في النهاية.
وسمعنا عدة حكايات مشابهة من العاملين في منظمات إنسانية محلية ودولية بشأن تأخير إصدار التصاريح وتحديد قوائم مسبقة بأسماء المستفيدين، فضلاً عن تقييد حركة الفرق الميدانية والإصرار على وجود مرافق لأي امرأة تعمل في توزيع المساعدات.
وخلّف الصراع في اليمن واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، تاركاً ملايين العائلات معتمدة بشكل كامل على المساعدات الإنسانية.
وسيطر الحوثيون أو حركة أنصار الله على العاصمة اليمنية صنعاء في عام 2014، ليوسعوا نفوذهم بعد ذلك في شمال البلاد، اشتكى العاملون في المنظمات الإنسانية من مضايقات مختلفة شملت اعتقالات ومصادرة أجهزة ومداهمة المقرات، فضلاً عن فرض توجهات السلطات على العمل الإنساني.
- ما مستقبل تحالف دعم الشرعية في اليمن بعد التصعيد الأخير بين السعودية والإمارات؟
- “استراتيجيات تأقلم سلبية”، الحرب في اليمن تُجبر نساء على التسول
“رحلت عن اليمن”
غادر أحمد القرشي، مدير منظمة سياج المحلية لحماية الطفولة، اليمن في عام 2018 بعد ان أدرك صعوبة الاستمرار في ظل الوضع الراهن. كان أحمد الوحيد الذي لم يشترط إخفاء هويته للحديث إلينا نظراً لوجوده خارج البلاد.
ويخبرنا أحمد كيف رفض عرضاً من جماعة الحوثيين في عام 2016 للعمل لصالحها موضحا أنهم عرضوا عليه توفير تمويل ومقر جديد للمنظمة.
ويضيف “رفضت لأنهم سيستخدموننا كقفاز لغسل جرائمهم بحيث نصدر تقارير تبرئهم أو تتغاضى عنهم، رغم تفردهم في جرائم بعينها مثل زراعة الألغام المضادة للأفراد وكذلك تجنيد الأطفال.”
وكانت تبعات هذا الرفض التعرض للملاحقة ومصادرة كل شيء تابع للمنظمة على حد قوله. ويرى القرشي أن مساعي الحوثيين للسيطرة على منظمات المجتمع المدني إنما هي “محاولات للسيطرة على توجهات المؤسسات الدولية والأمم المتحدة والسيطرة على موارد هائلة جداً تقدر بمليارات الدولارات.”
“المربع صفر”
وتراجع تمويل العديد من المنظمات الإنسانية بشكل كبير إثر انسحاب المانحين الأمريكيين عقب صدور قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع عام 2025 بإعادة تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية.
تحدثنا إلى مسؤولة بإحدى المنظمات الإنسانية الدولية اشترطت إخفاء هويتها لتخبرنا أن “العمل بات مستحيلاً لأن نشاط أي منظمة مجتمع مدني يصبح غير قانوني على الفور، إذا اضطرت لدفع أي أموال لحركة أنصار الله” سواء في صورة رسوم أو ضرائب أو غيرها.
وتضيف المسؤولة أن العقوبات طالت العديد من البنوك والمؤسسات المالية “فبات النظام المصرفي غير مستقر وأصبح من الصعب علينا الوصول إلى أموالنا عن طريق البنوك، وصار المجتمع الدولي حذراً للغاية بخصوص جمع المال لليمن”.
وتوقف نشاط هذ المنظمة الدولية في شمال البلاد بعد أن “خسرنا أكثر من 50% من تمويلنا المخصص لليمن” إثر انسحاب المانح الأمريكي. ولم تكن مغادرتهم لشمال اليمن بالأمر الهين بل اعترضته مصاعب، إذ تتذكر كيف صادر الحوثيون كل ممتلكات المنظمة من معدات وأجهزة وحتى الوثائق المالية.
وتضيف “بينما كنا نسلم مقرنا لمالك العقار فوجئنا بحضور بعض من أفراد السلطات المحلية وحاولوا كسر الأبواب ثم صادروا كل شيء من مولدات الكهرباء إلى الخوادم ووصولاً إلى أجهزة الكمبيوتر”. ولذلك، فإن هذه المنظمة إذا تمكنت من استئناف نشاطها في الشمال مجددا، فسيتعين عليها أن تبدأ من “المربع صفر” كما تقول المسؤولة.
“تركونا وحدنا”
تراجع التمويل وتزايد القيود الأمنية والبيروقراطية دفع الأمور نحو طريق ينذر بالخطر. بحسب مسؤول بالأمم المتحدة، قرر برنامج الأغذية العالمي إنهاء نشاط امتد لعقود في شمال اليمن بحلول نهاية مارس آذار المقبل.
وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن برنامج الأغذية العالمي قدم مساعدات لواحد من بين كل أربعة أفراد في اليمن خلال عام 2024، وبلغ إجمالي المستفيدين أكثر من ثمانية ملايين شخص في ثاني أكبر عملية ينفذها البرنامج حول العالم.
وحذر البرنامج من أن “37% من العائلات اليمنية عانت من الحرمان الشديد من الطعام بحلول نهاية عام 2025”.
يأتي انسحاب برنامج الأغذية بعد تعليق اثنتين من كبرى منظمات العمل الإنساني عملياتهما في شمال اليمن خلال عام 2025، وهما منظمة انقذوا الأطفال (سيف ذا تشيلدرن) ولجنة الإنقاذ الدولية.
ينعكس الغضب بشكل واضح على نبرات أمينة وهي تتهم المانحين الدوليين بترك العاملين في الجمعيات المحلية وحدهم في مواجهة الحوثيين كي يستخرجوا تصاريح العمل ويتحملوا المخاطر. وتوضح “أذكر كيف اضطررت في إحدى المرات إلى الحصول على موافقة من مئة شخص كي نتمكن من تنفيذ مشروع.”
زملاء خلف القضبان
لم يكن من السهل إطلاقا الحديث إلى الناس في اليمن، فالخوف من ردة فعل الحوثيين شديد. وقد تكتمنا على كثير من التفاصيل التي قد تكشف عن هوية المتحدثين. كما حاولنا التواصل مع عدة منظمات دولية مثل برنامج الأغذية العالمي وانقذوا الأطفال (سيف ذا تشيلدرن) وغيرهما لكنهم رفضوا الإدلاء بتصريحات. ولايزال كثير من الموظفين المحليين في المنظمات الإنسانية الدولية محتجزين في سجون الحوثيين.
وتقول الأمم المتحدة إن 73 من موظفيها “محتجزون تعسفيا” لدى الحوثيين. وتعود بعض الاعتقالات إلى عام 2021. وأكد توم فليتشر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن “احتجاز عمال المساعدات الإنسانية يؤثر بشكل بالغ على عملياتنا”.
فرّ صابر، الموظف السابق في منظمة انقذوا الأطفال، من مناطق سيطرة الحوثيين في الشمال إلى جنوب اليمن، حيث تسيطر الحكومة المعترف بها دوليا. ويتذكر صابر، الذي غيرنا اسمه حفاظاً على سلامته، كيف تملَكه الخوف بعد أن علم بوفاة زميله في المنظمة، هشام الحكيمي، أثناء احتجازه لدى الحوثيين في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2023.
وأخبرني صابر أن الوفاة جاءت بعد احتجاز الحكيمي، مسؤول الأمن والسلامة في “انقذوا الأطفال”، لما يزيد عن شهر. وتوفي موظف لدى برنامج الأغذية العالمي، أثناء الاحتجاز أيضاً، في فبراير شباط/ من العام الماضي.
قبل نحو خمس سنوات، اضطرت أمينة إلى وقف نشاطها في إحدى محافظات الشمال بعض القبض على عدد من زملائها في الجمعية واحتجازهم لبضعة أيام. وجاء القبض عليهم بعد أن وزعوا مساعدات مالية على عائلات يمنية شملتها دراساتهم الميدانية الخاصة من دون أن يتقيدوا بقوائم المستفيدين التي تمليها السلطات عليهم.
وتقول أمينة “كان علي وقف نشاطي كي أنقذ زملائي”، موضحة أن بعض الذين أفرج عنهم لم يستطيعوا العودة إلى عملهم إلا بعد سنة كاملة من تلقي الدعم النفسي.
“خلايا تجسس”
وكثيراً ما اتهم الحوثيون عمال المنظمات الإنسانية بالعمل لصالح قوى أجنبية. وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ظهر زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، في فيديو يتهم موظفي المنظمات الإنسانية بأنهم “خلايا تجسس مدربة تنشط تحت غطاء إنساني”، مشيراً بالتحديد إلى منظمة اليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي، وواصفاً نشاط هذه المنظمات بأنه “خطير وعدواني”. وقد رفضت الأمم المتحدة هذه المزاعم. ولم تشمل الملاحقات الأمنية الموظفين فحسب، بل المحامين الذين يدافعون عنهم أيضاً.
حاولت بي بي سي التواصل مع الحوثيين في شمال اليمن أكثر من مرة لكنها لم تتلق رداً.
وفي ظل هذا الخروج لمنظمات العمل الإنساني من البلاد، تظل آمال ملايين الأسر في الحصول على إعانات مادية وعينية على المحك. ودعت منظمة أوكسفام، التي احتجز الحوثيون عدداً من موظفيها، إلى تحرك دولي منسق لمواجهة الوضع الإنساني “البائس وسريع التدهور” في شمال اليمن. وقال فاران بويغ المدير القُطري بأوكسفام لبي بي سي إن “دعما دولياً أكبر حجماً وأكثر استدامة مطلوب بشدة لمنع الوضع من الانزلاق نحو أزمة كارثية”.
ويظل المستقبل مقبضاً بالنسبة إلى كثير من أبناء المجتمع المدني اليمني مثل أمينة التي ترى أن “المجتمع المدني المستقل الذي نعرفه” لم يعد مرغوباً فيه لدى السلطة، وأن فرص بقائه في شمال اليمن باتت تتضاءل.
- اليمن: ما هي جذور الصراع؟ وكيف يتوزّع النفوذ؟
- ما مستقبل تحالف دعم الشرعية في اليمن بعد التصعيد الأخير بين السعودية والإمارات؟
🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.