بالصور: الميرون الماروني يعود إلى جذوره التاريخية.. بكركي تستعد لاحتفال ليتورجي في حزيران

كتب الخوري إيلي سعاده المتخصص في الليتورجية المارونية في نداء الوطن
تستعدّ الكنيسة المارونيّة للاحتفال برتبة تقديس الميرون الإلهيّ، التي يترأّسها غبطة أبينا البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، يوم الجمعة 5 حزيران، في الكرسيّ البطريركيّ في بكركي، بحضور الأساقفة الموارنة الآتين من بلدان الانتشار، ومن مختلف الأبرشيّات المارونيّة في لبنان.
وقد دعا غبطته جميع المؤمنين إلى المشاركة في هذا الاحتفال، لما يحمله من رموز تدلّ على «وحدة الكنيسة مع رأسها المنظور». وكسائر بطاركة الكنائس الشرقيّة، للبطريرك وحده، أحقيّة القيام بتقديس الميرون. وعند انتهاء الرتبة، يمنح البطريرك كلَّ أسقفٍ من أساقفة أبرشيّات بطريركيّته إناءً من الميرون المقدّس، يكفي حاجات أبناء الأبرشيّة طوال السنة، لخدمة المؤمنين في سرَّي العماد والتثبيت، كما في تقديس المذابح والكنائس الجديدة، والأواني والأيقونات المقدّسة.
وتأتي رتبة تقديس الميرون هذه السنة بطابعٍ خاصّ، إذ سيحتفل البطريرك، للمرّة الأولى منذ 333 سنة، برتبة طبخ الميرون، أو ما يُعرف بـ«رتبة تحضير زيت الميرون»، وذلك يوم الثلاثاء 2 حزيران.
فقد اعتادت الكنيسة المارونيّة، شأنها شأن سائر الكنائس الشرقيّة، أن تمزج زيت الميرون باثني عشر نوعًا من العطور قبل يوم من تقديسه. إلّا أنّه، ومنذ القرن الثالث عشر، وفي إطار التنظيم الكنسيّ، أوصى الكرسيّ الرسوليّ، البطاركة الموارنة، بإلغاء رتبة مزج العطور، لتصبح الرتبة أقرب إلى الرتبة اللاتينيّة، في سياق ما يُعرف عادةً بـ«اللّيتنة»، التي أصابت بعض القطاعات الطقسيّة، ولا سيّما لاهوت الأسرار.
وقد طلبت روما اختصار الرتبتين برتبةٍ واحدة، ثم إحراق الميرون القديم كل سنة، لاستعمال الجديد، مع الاكتفاء بمزج مادّة البلسم بالزيت الجديد. إلّا أنّ التقليد المارونيّ الشرقيّ بقي قائمًا على حاله إلى أن جاء البطريرك إسطفان الدويهي، تلميذ المدرسة الرومانيّة، فاستجاب لإرادة الكرسيّ الرسوليّ، فألغى رتبة الطبخ التي كانت تُقام يوم أربعاء الآلام، واختصر الرتبة الكبيرة برتبة أصغر، مكتفيًا بمزج البلسم وحده بالزيت، ليكون الميرون رمزًا للمسيح ذي الطبيعتين: فالزيت يرمز إلى الطبيعة الإنسانيّة، والبلسم إلى الطبيعة الإلهيّة.
وقد وضع البطريرك الدويهي هذه الرتبة المختصرة سنة 1694، ومنذ ذلك الحين لم تعد الكنيسة تحتفل برتبة الطبخ ولا بمزج العطور مع الزيت، بل أصبح البطريرك يحتفل برتبة تقديس زيت الميرون يوم خميس الأسرار، فيمزج البلسم بالزيت، ثم يضيف إلى الميرون الجديد جزءًا من الميرون المقدّس من السنة السابقة.
وفي سنة 2017، ارتأى سينودس الأساقفة الموارنة نقل موعد الاحتفال برتبة التقديس من يوم خميس الأسرار إلى يوم اختتام السينودس السنويّ المنعقد عادةً في بكركي خلال شهر حزيران، في زمن العنصرة، ممّا يتيح لجميع الأساقفة المشاركة في الرتبة حول السيّد البطريرك، علامةً لوحدة أبناء الكنيسة المارونيّة مع رأسها البطريرك.
كيف كان يتمّ تحضير الزيت سابقًا؟
تُظهر وثيقتان تاريخيّتان كيف كان يتمّ تحضير الميرون في الكنيسة المارونيّة.
الوثيقة الأولى هي رسالة البطريرك شمعون بن حسّان الحدثيّ إلى البابا لاون العاشر، المؤرَّخة في الثامن من آذار سنة 1515، والتي يُعدّد فيها أسماء العطور الممزوجة بالزيت.
يقول الحدثيّ:
«إنّ زيت الميرون المقدّس نحضّره على الشكل التالي: نأخذ أوّلًا ستّة أرطال من الزيت البكر، وأربعة أوزان محدّدة من المسك الجيّد والخالص، ومكيالَين من الخليط المستخرج من المسك، ومن الزعفران الصحيح المستورد من النمساويّين عشرة مكاييل، وسبعة مقادير من صمغ السطرك الذي نحرقه على عادتنا لإكرام السيّدة العذراء، ومن المستكة خمسة عشر مكيالًا، ومن البخور الأبيض سبعة عشر مكيالًا، ومن الورد ثمانية عشر مكيالًا، ومن العنبر الخالص خمسة عشر مكيالًا، ومن السليخة الخالصة سبعة مقادير، ومن عرق السوس تسعة مقادير.
أمّا مرهم البلسم، فنأخذه من المدينة العظيمة المسمّاة القاهرة، وهو الذي إذا فُرِك بالأيدي تسرّب إلى الجهة الأخرى، وإذا وُضع في الماء نزل إلى العمق. وهذا البلسم يأتي من الشجر النابت في المكان الذي غُسلت فيه ثياب السيّد المسيح وهو طفل، وهو يفوق سائر أنواع البلسم الآتية من البلدان الأخرى. ومن هذا البلسم نأخذ واحدًا وعشرين مكيالًا».
أمّا البطريرك الدويهي، ففي شرحه للتكريسات، يورد ما يلي:
«في الليل تُخلط البهارات مع الزيت، لأنّهم منذ تشرين الثاني ينقّون الزيتون الأخضر ويمدّدونه حتّى يذبل، ثم يدقّونه ويصفّونه مع الماء على النار مرّات عديدة حتّى يصير كالـماء، بلا رائحة ولا طعم. وكذلك الدارصينيّ، والسّنبل، وجوزة الطيب، والزعفران، والسّطرك، والسليخة، والمستكة، ولبان البخور، والورد المصريّ، وعرق الكهنة، وسائر الأعشاب، يدقّونها وينخلونها جيّدًا، ثم يضيفونها إلى الزيت، كلٌّ بوزن معلوم، ويسكبونها في قارورة زجاجيّة، ويضعونها في إناء مملوء ماءً فوق النار، بحيث لا تغرق القارورة ولا تطفو.
وبعد غليان الماء نحو ثلاث ساعات، تُرفع القارورة عن النار، وبعد أن تبرد جيّدًا توضع في الخزانة».
ويُلاحظ أنّ الدويهي لا يذكر البلسم هنا، لأنّه كان يُضاف خلال رتبة يوم الخميس.
وتنفرد رتبة الموارنة عن سائر الرتب الشرقيّة بذكر مشاركة المؤمنين في إحضار الأعشاب والعطور. فنقرأ في الصلاة العاشرة:
«لا يكن أحدٌ منّا غير مشاركٍ في تحضير الميرون المقدّس والروحانيّ. وإن كان بالمستطاع أن يقدّم كلّ واحدٍ منّا الطيوب الثمينة العطرة ويأتي بها معه، فهي تُكمل هذا الميرون الرئيسيّ الكثير الثمن، لئلّا نوجد فارغين أمام الربّ. فلنجلب معنا كلّ ما نراه حسنًا، فهكذا نكون رائحةً عذبةً وهنيئةً بالمسيح».
كما نقرأ في الصلاة التي تسبق الأبانا في الرتبة:
“إذا كان بالإمكان أن يشتري كلّ واحدٍ منّا العطور الثمينة ذات الروائح الزكيّة ويجلبها معه، لكي نكمّل هذا الميرون الثمين”.
ويوم الثلاثاء 2 حزيران، وداخل كنيسة الصرح البطريركيّ، ستُوقد النار تحت وعاءٍ يحتوي على 48 ليترًا من الزيت البكر، وهي كميّة تكفي حاجات رعايا الأبرشيّات لسنة كاملة. وسيترأّس غبطة البطريرك، يرافقه جميع الأساقفة الموارنة وعدد من المؤمنين، رتبة تحضير العطور، حيث يَمزج العطور ويُحرًَك الخليط، ويتناوب الحاضرون على ذلك، فيما يرفعون الصلوات ويتلون المزامير والتسابيح.
وباستعادة رتبة تحضير زيت الميرون إلى الكنيسة المارونيّة، تؤكّد كنيستنا مدى تجذّرها في تراثٍ عريقٍ وتقليدٍ أصيل، يربطها لا بالكنيسة السريانيّة فحسب، ولا بالكنيسة الأنطاكيّة وحدها، بل أيضًا بتقليدٍ شرقيّ يعود إلى عهد الرسل
🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.