فاطمة بيو: السيدة الأولى في سيراليون التي هربت من زواج قسري طفلةً
لا تحتاج فاطمة بيو إلى أكثر من لحظة لتجيب عندما نسألها كيف كانت تجربتها كطالبة لجوء في لندن.
تقول ببرود ساخر، قبل أن تضحك: “كانت أفضل من الزواج بعجوز منحرف”، في إشارة إلى خطة والدها لتزويجها وهي في سن المراهقة.
تغيّر الكثير منذ ذلك الوقت. فقد أصبحت لاحقاً ممثلة، ثم التقت في لندن رجلاً كانت تجري معه مقابلة عن شخصيات مؤثرة من سيراليون تعيش في الخارج، وتزوجته. كان ذلك الرجل جوليوس بيو، وهو اليوم رئيس سيراليون.
وبصفتها السيدة الأولى، تُعد فاطمة بيو شخصية لافتة ومثيرة للجدل في بلدها. فبعض الشباب يرون فيها صوتاً جديداً في السياسة، يدافع عن النساء والفتيات. لكن آخرين يقولون إنها تجاوزت حدود دورها، وإنها تتحدث كثيراً وتتدخل أكثر مما ينبغي في شؤون حزب زوجها.
وقد واجهت صيحات استهجان وسخرية من نواب في البرلمان، كما تعرضت لانتقادات بسبب مقطع فيديو نشرته على حساباتها في وسائل التواصل، وظهر فيه تاجر مخدرات معروف بسوء سمعته. وهي تنفي أنها تعرفه.
- مملكة داهومي: محاربات أفريقيات قاتلن المستعمرين
- نساء كينيات ضحايا ترند: تصوير بكاميرات خفية وتعليقات مسيئة
لكنها تتوقف سريعاً عن الضحك وتستعيد جديتها، لتروي القصة التي دفعتها إلى دعم قانون يحظر زواج الأطفال في سيراليون، دخل حيز التنفيذ عام 2024.
فقد كادت هي نفسها أن تصير عروساً طفلة. عندما بلغت الثالثة عشرة، رتّب والدها، وهو عامل في مناجم الألماس من منطقة كونو، زواجها من رجل في الثلاثينيات من عمره. وكانت تعرفه منذ طفولتها على أنه بمثابة عم لها.
وتقول: “لم يكن هناك نقاش. كان القرار قد اتُّخذ”.
لكن قبل موعد الزفاف بقليل، وبعد أن بلغت السادسة عشرة عام 1996، اندلعت فوضى الحرب الأهلية في سيراليون، فتمكنت من الهرب بمساعدة أقارب لها، وطلبت اللجوء في المملكة المتحدة.
وتقول فاطمة بيو إنها وصلت إلى لندن عشية عيد الميلاد، عبر مطار غاتويك، وهي ترتدي قميصاً قطنياً. صدمها البرد، لكنها شعرت بالارتياح لأنها حصلت على فرصة لبدء حياة جديدة. وانتقلت للعيش مع قريبة بعيدة.
وتضيف السيدة الأولى: “كانت إنجلترا خلاصي. ذهبت إلى إنجلترا، وهناك وجدت صوتي. حصلت على استقلالي، وتمكنت من الدفاع عن نفسي. والآن أستطيع أن أدافع عن أكبر عدد ممكن من الشباب”.
وحصلت في المملكة المتحدة أيضاً على شقة تابعة للمجلس المحلي في ساوثوورك، وسط لندن. ولا تزال تحتفظ بها حتى اليوم، ويعيش فيها أبناؤها.
وتندرج هذه الشقق ضمن السكن الاجتماعي. وعادة ما يكون إيجارها أقل من السكن الخاص، لكن الحصول عليها يتطلب استيفاء شروط محددة.
وقد أثار احتفاظ سيدة أولى حالية، تعيش في قصر رئاسي في العاصمة فريتاون، بعقد إيجار شقة تابعة للمجلس المحلي، انتقادات في الصحافتين البريطانية والسيراليونية.
وبحسب موقع مجلس ساوثوورك، هناك أكثر من 18 ألف شخص على قائمة الانتظار للحصول على سكن في المنطقة، و”حتى الأشخاص الأكثر حاجة قد ينتظرون سنوات عدة”.
لكن فاطمة بيو تدافع عن موقفها. وتقول: “أبنائي كلهم مواطنون بريطانيون. وأنا أدفع إيجار شقة المجلس المحلي بنفسي. لم أرتكب أي جريمة”.
وفي بيان لبي بي سي، قال مجلس ساوثوورك إنه لا يعلّق على حالات إيجار فردية، لكنه أضاف: “إذا وجد شك في أن المستأجرين لا يلتزمون بشروط عقد الإيجار، نجري فحوصات وتحقيقات منتظمة للتأكد من الالتزام بهذه الشروط”.
نلتقي بها في مزرعة العائلة، على بعد نحو ساعة بالسيارة من المقر الرئاسي في فريتاون، حيث تعيش مع زوجها. وكان جوليوس بيو، وهو جندي سابق، قد تولى الرئاسة عام 2018، ثم أعيد انتخابه عام 2023.
هنا في المزرعة، تبدو السيدة الأولى أكثر ارتياحاً مما كانت عليه في المناسبات الرسمية التي رافقناها إليها سابقاً. ترتدي سروال جينز وقميص نادي أرسنال لكرة القدم، وتأخذنا في جولة لرؤية حيواناتها الكثيرة، من دجاج وأبقار وماعز.
وهذه الصورة القريبة من الناس، والطموحة في الوقت نفسه، هي التي أكسبتها ملايين الإعجابات على وسائل التواصل الاجتماعي. فهي تقدّم وجهاً جديداً لسيراليون، البلد الذي طالما ارتبطت صورته في الخارج بالجنود الأطفال، والاستعمار البريطاني، وما يعرف بـ”ألماس الدم”. وتنشر فاطمة بيو محتوى بانتظام، وغالباً ما تظهر وهي ترقص وتتفاعل مباشرة مع متابعيها.
“سنجل حريمي ممنوع”: حكم قضائي ضد فندق رفض تسكين فتاة بمفردها في مصر
تتناول أيضاً قضايا مسكوتاً عنها، مثل فقر الدورة الشهرية. فسيراليون لا تملك سياسة وطنية تضمن توفير فوط صحية مجانية في المدارس، خلافاً لدول مثل كينيا وبوتسوانا وجنوب أفريقيا وزامبيا.
وتقول منظمات، بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، إن الفتيات في سيراليون كثيراً ما يتغيبن عن المدرسة خلال الدورة الشهرية، خوفاً من اتساخ ملابسهن المدرسية.
وتقول بيو: “كانت الفتيات يتغيبن عن المدرسة 80 يوماً على الأقل في السنة بسبب الدورة الشهرية. وإذا تغيبتِ 80 يوماً من العام الدراسي، فكأنك تغيبتِ عن فصل دراسي كامل تقريباً. ما زلن لا يحصلن على المساواة التي يستحققنها. لذلك أزور المناطق بانتظام لتوزيع فوط صحية مجانية. أريد للفتيات أن يحصلن على التعليم، حتى يكون لهن مكان على طاولة اتخاذ القرار، ويقررن بأنفسهن”.
ورغم أن ذلك أكسبها مؤيدين، وأدى إلى انتخابها رئيسة لمنظمة السيدات الأول الأفريقيات من أجل التنمية، يرى كثيرون أنها تتجاوز حدود دور يُنظر إليه تقليدياً على أنه رمزي إلى حد كبير.
وهي عضو نشط في حزب الشعب السيراليوني الحاكم، وتدعم علناً السياسيين الذين تفضّلهم، كما تتحدث في مهرجانات انتخابية حتى عندما لا يكون زوجها حاضراً. وأصدرت أيضاً بيانات مصوّرة عبر حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي، وجّهت فيها انتقادات إلى سياسيين، بينهم أعضاء في حزبها، وإلى رئيس البرلمان.
وخلال افتتاح الدورة البرلمانية في 7 أغسطس/آب 2025، أطلق بعض النواب صيحات استهجان ضد فاطمة بيو. وذكرت وسائل إعلام محلية أنهم رددوا أغنية مهينة تشير إلى عاملات في مجال الجنس. وردّت بوضع سماعات الأذن والاستماع إلى الموسيقى.
وتؤكد السيدة الأولى أن صيحات الاستهجان لم تزعجها.
وتقول: “هذا يثبت فقط أن ليس كل الرجال متعلمين. وليس كل الرجال يؤمنون بتمكين النساء والمساواة”.
وتضيف: “لقد كنت ناشطة لوقت طويل جداً، ولن أكون زوجة شكلية تكتفي بتنظيم مواعيد العائلة”، موضحة أن دورها يتجاوز ذلك بكثير.
وتقول: “أستمع إلى الناس وأنقل ما يقولونه إلى الحكومة. وأستمع إلى الحكومة وأنقل رسالتها إلى الناس. هكذا نعمل”.
خلال الأيام التي أمضيناها معها، تقول فاطمة بيو إنها تريد تجديد صورة بلدها.
وفي حفل تخرج في مدرسة شويترام الدولية، وهي مدرسة أنيقة طلي مبناها حديثاً، كانت بيو تلقي الكلمة الرئيسية. وهناك، توقفت فتيات للحديث معها وهن يتسلمن شهاداتهن.
وتشير بيو إلى أن أول مدرسة ثانوية للبنات في أفريقيا جنوب الصحراء بنيت في سيراليون، وتصف بلدها بأنه بلد يتسم بالتسامح الديني.
وفاطمة بيو مسلمة، مثل 77 في المئة من سكان سيراليون. أما زوجها، فهو من بين 21 في المئة من السكان المسيحيين. وتقول إنهما يذهبان معاً إلى المسجد والكنيسة.
لكنها تعرضت لبعض أشد الانتقادات بعد حضورها قداساً في كنيسة.
ففي يناير/كانون الثاني 2025، ذكرت وكالة رويترز أن جوس لايدكرز، المعروف أيضاً باسم “تشابي جوس”، وهو أحد أبرز تجار المخدرات المطلوبين في أوروبا، ظهر على ما يبدو في مقطع فيديو نشر على حسابات السيدة الأولى فاطمة بيو على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويظهر المقطع، بحسب التقارير، لايدكرز، البالغ من العمر 34 عاماً، واقفاً على بعد صفوف قليلة خلف السيدة الأولى والرئيس خلال القداس.
وكانت محكمة في روتردام قد حكمت على لايدكرز غيابياً بالسجن 24 عاماً بتهمة تهريب الكوكايين إلى هولندا. وغالباً ما تستخدم دول في غرب أفريقيا ممراً لتهريب المخدرات من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا.
ولم تتمكن بي بي سي من التحقق بشكل مستقل من الفيديو، الذي حذف لاحقاً.
وعندما سألتها بي بي سي كيف تمكن أحد أبرز أباطرة المخدرات المطلوبين في أوروبا من الاقتراب من العائلة الأولى في سيراليون، نفت معرفتها به.
وتقول: “لا يمكنني أن أعرف، لأنني لست مجرمة. أنا لا أدخل الناس إلى الكنيسة. لست مسيحية، أنا مسلمة. لذلك لا أعرف من كان داخل تلك الكنيسة. لا تتحدث عمّا لا تعرفه”.
كما تنفي شائعات عن أن لايدكرز لديه، كما يزعم، طفل من ابنة زوجها، أي ابنة الرئيس من علاقة سابقة.
وتقول: “هذه كلها أكاذيب، ولن أمنحها أي شرعية بالرد عليها”.
ويقول محللون إن معظم الناس في سيراليون منشغلون أكثر بصعوبة تأمين احتياجاتهم اليومية، لا بالتفكير في لايدكرز.
ومنذ أن بدأ جيولوجيون بريطانيون استخراج الألماس في ثلاثينيات القرن الماضي، نادراً ما وصلت ثروة البلاد المعدنية إلى الناس العاديين.
وأعاقت حرب أهلية قاسية، استمرت من عام 1991 إلى عام 2002، تعافي البلاد. وقد غذّت تجارة الألماس جزءاً من تلك الحرب، ودعمتها قوات تشارلز تايلور في ليبيريا المجاورة، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح ملايين آخرين عن منازلهم.
وتكرر تعثر مسار التعافي لاحقاً، بسبب وباء إيبولا عام 2014، وجائحة كوفيد-19، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
وفي عام 2022، اندلعت احتجاجات في فريتاون بسبب تكاليف المعيشة، وقتل فيها ما لا يقل عن 20 مدنياً وستة من عناصر الشرطة.
كيف يُؤجج “الذهب الدموي” الصراع في غرب أفريقيا؟
وفي هذا السياق، حيث تطغى الضغوط الاقتصادية اليومية على اهتمام الناس، ظهرت أيضاً انتقادات أخرى تتعلق بثروة السيدة الأولى نفسها، بينها حديث عن امتلاك عدة عقارات. لكنها ترفض الخوض في الأمر عندما تُسأل إن كانت عائلتها تقيم في قصور في غامبيا، وكيف دُفع ثمنها.
وتقول: “لست مضطرة إلى نفي ذلك. ولست مضطرة إلى الإقرار به. عندما يقدمون دليلاً على أن ما يقولونه صحيح، عندها يمكننا أن نتحدث”.
وهذه الثقة تحديداً هي ما يدفع كثيراً من المحللين السياسيين في سيراليون وخارجها إلى التساؤل عما إذا كانت بيو تمهّد الطريق للترشح يوماً ما للرئاسة، ربما بعد انتهاء ولاية زوجها في عام 2028، إذ لا يحق له الترشح مرة أخرى.
وقد واجه زوجها أيضاً جدلاً، من بينها انتقادات لطريقة إدارته للاقتصاد، وتساؤلات بشأن شفافية انتخابات عام 2023. لكن هيئة الانتخابات أكدت أن آليات كانت قائمة لضمان نزاهة التصويت.
وتقول السيدة الأولى فاطمة بيو: “لست متلهفة لأن أصبح رئيسة. الأمر يجب أن يكون بمشيئة الله. أنا أؤمن بشدة بأنه عندما يريد الله شيئاً، فإنه يحققه… وإذا كان ذلك ما يريده الله، فلن يستطيع أي رجل أن يوقفه”.
- هل أسهمت حالة الطوارئ في سيراليون بالحدّ من العنف الجنسي؟
- سيراليون تحتاج مساعدة عاجلة لآلاف المتضررين من الانهيارات الطينية
🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.