آراء

دكاكين الإحصاءات.. عندما تُباع الأرقام في سوق السياسة

السياسة

كتبت لميا شديد: في كل موسم انتخابي، تزدهر تجارة جديدة لا تحتاج إلى رأس مال كبير، بل إلى بعض الجداول الملوّنة والرسوم البيانية وبرنامج حاسوب يُنتج “نسبًا مئوية” على الطلب. تلك هي دكاكين الإحصاءات، التي صارت ظاهرة مألوفة في حياتنا السياسية، وكأنها جزء من المشهد الانتخابي لا يمكن الاستغناء عنه.

تُطل علينا هذه “المراكز” بوجه علمي أنيق، تتحدث عن “عينات ممثلة” و“منهجيات دقيقة”، بينما هي في الواقع مجرد ورشات دعائية تبيع الوهم لمن يدفع أكثر. تُفبرك الأرقام لتصنع نجمًا انتخابيًا أو تُطفئ بريق خصمٍ صاعد، ثم تُقدَّم النتائج إلى الإعلام كحقائق لا تقبل الجدل. وهكذا، يتحول الإحصاء — وهو علم يقوم على الدقة والنزاهة — إلى سلاح تلاعبٍ بالرأي العام.

ليست المشكلة في الإحصاء، بل في من حوّله إلى سلعة سياسية. هؤلاء الذين يقبضون أتعابهم، ويقدّمون في المقابل “نتائج مضمونة”، فمن الطبيعي أن يمنح “المرشح المموّل” أرقاما فضفاضة ليفرض نفسه رقما صعبا قبيل تشكيل اللوائح الانتخابية ربما تساعده على حجز موقع في لائحة هنا او لائحة هناك، وفي المقابل يسجل تراجع لمرشح آخر ربما منافس له في استطلاعات مصمّمة لتكريس الوهم. والأسوأ من ذلك أن بعض وسائل الإعلام تتبنى هذه الأرقام دون تدقيق، فتصبح جزءًا من ماكينة التضليل التي تعتمد إعداد نسخة بيان احصائي دقيق للمرشح الممول ونسخة مغشوشة للإعلام.

ما يجري هو تشويه متعمد للحقيقة، يضر بثقة الناس في كل عمل بحثي لاحق. فعندما يرى المواطن استطلاعًا بعد آخر يحمل التناقضات الصارخة، يفقد ثقته في أي رقم يُعلن. وهنا الخطر الأكبر: أن يتحول الإحصاء في وعي الجمهور من أداة معرفة إلى رمز للغش.

المطلوب اليوم ليس فقط فضح هذه الدكاكين، بل تنظيم القطاع بقوانين تفرض الشفافية الكاملة في المنهجية والتمويل، وتُلزم كل مركز بنشر تفاصيل عمله قبل إعلان نتائجه. كما أن على الجامعات ومراكز الأبحاث الجادة أن تملأ الفراغ العلمي، حتى لا يبقى المجال مفتوحًا أمام من يبيعون الأرقام كما تُباع الشعارات.

في النهاية، الأرقام لا تكذب، لكن مَن يصنعها قد يكذب كثيرًا. وحين تتحول الإحصاءات إلى أداة دعاية، فإن أول من يُهزم هو الحقيقة، وأول من يُخدع هو المواطن.

🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

زر الذهاب إلى الأعلى