BBC

أحمد الطيبي: مستشار ياسر عرفات الذي أصبح أحد أبرز الوجوه الفلسطينية في الكنيست الإسرائيلي

أحمد الطيبي

timesofisrael.com

عاد اسم السياسي الفلسطيني أحمد الطيبي إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما أصبحت الأحزاب العربية، وفي مقدمتها "القائمة المشتركة" التي يترأس الطيبي كتلتها البرلمانية، طرفاً مؤثراً في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

وتكمن أهمية التطور في أن نتائج الانتخابات لم تمنح أياً من المعسكريْن السياسييْن الرئيسييْن الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وهي 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست.

وبحسب النتائج التي أوردتها وكالة رويترز في 29 أكتوبر/تشرين الأول، فقد حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر المنافس بقيادة غادي آيزنكوت، فيما اتجهت الأحزاب العربية إلى حصد 19 مقعداً، وفق التقديرات التي رافقت النتائج شبه النهائية.

هذا جعل الموقف العربي عاملاً مهماً في حسابات تشكيل الحكومة.

يستحق الانتباه: ماذا نعرف عن الأحزاب العربية في إسرائيل؟ ولماذا ارتفعت مشاركة الناخبين العرب؟

في هذا السياق، برز الطيبي، رئيس كتلة القائمة المشتركة، باعتباره أحد الوجوه الرئيسية في التحركات السياسية الهادفة إلى منع نتنياهو من تشكيل الحكومة. وأعلن استعداد القائمة لدعم حكومة بقيادة آيزنكوت، من دون المشاركة فيها، في موقف يعكس توجهاً نحو التأثير في تشكيل السلطة من خارج الائتلاف الحكومي.

وفي مقابلة مع وكالة الأناضول في 30 أكتوبر/تشرين الأول، اتهم الطيبي نتنياهو بالسعي إلى البقاء في السلطة، وطرح احتمال إجراء انتخابات جديدة، كما تحدث عن مخاطر تصعيد عسكري إسرائيلي ضد إيران. وهذه الأخيرة تمثل تقديراً سياسياً طرحه الطيبي وليست حقيقة مؤكدة.

وتكتسب عودة اسمه أهمية إضافية بسبب خلفيته السياسية المميزة؛ فهو فلسطيني الهوية، إسرائيلي الجنسية، عمل مستشاراً للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي داخل الكنيست الإسرائيلي منذ عام 1999.

النشأة والتعليم: من الطب إلى السياسة

ولد أحمد كامل الطيبي في مدينة الطيبة بالمثلث، في 19 ديسمبر/كانون الأول 1958. ونشأ في بيئة فلسطينية عربية داخل إسرائيل، في منطقة ترتبط تاريخياً واجتماعياً بالهوية الوطنية الفلسطينية وقضايا المواطنين العرب.

درس الطب في الجامعة العبرية بالقدس، وتخرج عام 1983، ثم تخصص في طب النساء والتوليد، وعمل في المجال الطبي قبل انتقاله إلى العمل السياسي.

وقد شكلت خلفيته المهنية والأكاديمية جانباً مهماً من تكوينه، إذ لم يبدأ حياته السياسية بوصفه ناشطاً حزبياً تقليدياً، بل انتقل من العمل الطبي إلى الاهتمام المتزايد بالشؤون الفلسطينية والعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.

ويعرّف الطيبي نفسه بأنه فلسطيني عربي يحمل الجنسية الإسرائيلية، ويرى أن المواطنة القانونية لا تلغي الهوية القومية والوطنية.

علاقته بياسر عرفات: محطة مفصلية في مسيرته

أحمد الطيبي وياسر عرفات

AFP via Getty Images

تُعد علاقته بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من أبرز المحطات التي صنعت حضوره السياسي. وتشير سيرته المنشورة إلى أنه التقى عرفات للمرة الأولى في تونس عام 1984.

وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، تولى منصب مستشار عرفات الخاص للشؤون الإسرائيلية، واستمر في هذا الموقع حتى عام 1999.

وخلال تلك الفترة، اضطلع بمتابعة التطورات السياسية داخل إسرائيل، والتواصل مع شخصياتها السياسية، وتقديم المشورة بشأن المواقف الإسرائيلية من عملية التسوية.

كما شارك عام 1998 ضمن الوفد الفلسطيني في المفاوضات التي سبقت مذكرة واي ريفر بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وتولى دور المتحدث باسم الوفد الفلسطيني.

وفي مارس/آذار 1999، استقال من منصبه مستشاراً لعرفات، متجهاً إلى خوض الانتخابات الإسرائيلية. وكان ذلك تحولاً مهماً في مسيرته، إذ انتقل من العمل إلى جانب القيادة الفلسطينية، إلى ممارسة السياسة من داخل البرلمان الإسرائيلي.

ياسر عرفات "ربما مات مسموما" بالبولونيوم كما أظهرت الاختبارات

تأسيس الحركة العربية للتغيير

في عام 1996، أسس الطيبي الحركة العربية للتغيير، المعروفة باسم "تعال"، لتكون إطاراً سياسياً يمثل المواطنين العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل، ويدافع عن حقوقهم المدنية والقومية.

ركزت الحركة على المساواة في الحقوق، ومواجهة التمييز، وتحسين أوضاع المجتمع العربي، وتعزيز التمثيل السياسي العربي في الكنيست، إلى جانب دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال.

وخاض الطيبي الانتخابات ضمن تحالفات سياسية مختلفة، أبرزها تحالفه مع التجمع الوطني الديمقراطي في انتخابات 1999، ثم مشاركته في تجربة القائمة المشتركة التي تأسست عام 2015 وضمت أربعة أحزاب عربية.

لكن الأحزاب العربية لم تكن متطابقة في توجهاتها؛ إذ اختلفت في مرجعياتها الأيديولوجية وفي كيفية التعامل مع الحكومات الإسرائيلية، ولا سيما بشأن المشاركة في الائتلافات الحكومية.

وفي انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026، خاضت الحركة العربية للتغيير الانتخابات ضمن قائمة مشتركة مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي، بينما خاضت القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس الانتخابات بصورة منفصلة.

ما هي مكونات القائمة العربية المشتركة في الكنيست الإسرائيلي وتوجهاتها؟

مسيرته البرلمانية: أكثر من ربع قرن في الكنيست

دخل أحمد الطيبي الكنيست للمرة الأولى عام 1999، واستمر عضواً فيه عبر دورات انتخابية متعاقبة، ليصبح من أبرز الشخصيات العربية حضوراً في الحياة البرلمانية الإسرائيلية.

وشغل منصب نائب رئيس الكنيست في دورات متعددة، خصوصاً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2006 و2013، كما ترأس لجنة التحقيق البرلمانية الخاصة بدمج المواطنين العرب في القطاع العام بين عامي 2008 و2012.

واهتمت اللجنة ببحث الفجوات في التوظيف والتمثيل العربي داخل المؤسسات الحكومية، وناقشت قضايا تكافؤ الفرص والترقي الوظيفي وتوزيع الموارد.

ولم يقتصر نشاط الطيبي على القضايا الوطنية والسياسية، بل شمل ملفات اجتماعية واقتصادية تتعلق بالمواطنين العرب، مثل السكن والتعليم والصحة والميزانيات الحكومية والجريمة والعنف.

مواقفه السياسية وهويته الفلسطينية

يتمحور خطاب الطيبي السياسي حول الجمع بين الدفاع عن حقوق الفلسطينيين داخل إسرائيل والتمسك بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

فهو ينتقد تعريف إسرائيل باعتبارها دولة يهودية، ويرى أن هذا التعريف لا يحقق المساواة بين المواطنين، ويدعو إلى دولة لجميع مواطنيها، مع الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للمواطنين العرب.

كما يدعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، وينتقد الاستيطان والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ويدافع عن الحقوق الفلسطينية وقضية اللاجئين.

وعلى المستوى الداخلي، يركز على التمييز في توزيع الميزانيات، وأزمات السكن والتخطيط والبناء في البلدات العربية، وضعف التمثيل في المؤسسات العامة، وتصاعد الجريمة المنظمة.

ولا يرفض الطيبي العمل السياسي المشترك مع القوى اليهودية بصورة مطلقة، بل يتعامل مع التحالفات باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية، مع الحفاظ على استقلالية مواقفه الوطنية.

أبرز محطات الجدل والمواجهات

أحمد الطيبي في الكنيست

timesofisrael.com

ارتبط اسم الطيبي بعدد من المواجهات السياسية داخل إسرائيل. ففي عام 2003، سعت لجنة الانتخابات المركزية إلى منعه من خوض الانتخابات بسبب مواقفه وعلاقاته السياسية السابقة مع القيادة الفلسطينية، لكن المحكمة العليا ألغت قرار الاستبعاد وسمحت له بالمشاركة.

ومن أبرز محطاته أيضاً رفع الأذان داخل الكنيست في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، احتجاجاً على مشروع قانون كان يستهدف تقييد استخدام مكبرات الصوت في المساجد، بما يشمل رفع الأذان.

وتحول المشهد إلى مادة إعلامية واسعة الانتشار، باعتباره تعبيراً عن الدفاع عن الهوية الدينية والثقافية للمواطنين العرب.

كما اشتهر بمداخلاته الحادة في مواجهة نواب اليمين الإسرائيلي، وباستخدام اللغة والتاريخ والشعر والسخرية السياسية في خطاباته البرلمانية.

وفي عام 2010، ألقى خطاباً في الكنيست بمناسبة ذكرى المحرقة النازية، وأثار اهتماماً واسعاً، كما نال إشادة لاحقة من الرئيس الإسرائيلي السابق رؤوفين ريفلين.

انتخابات 2026: موقعه في معادلة تشكيل الحكومة

أعادت انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026 الطيبي إلى مركز الاهتمام، بعدما أصبحت الأحزاب العربية طرفاً مؤثراً في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة.

وتتمثل أهمية موقفه في طرح دعم حكومة بقيادة غادي آيزنكوت من خارج الائتلاف، مقابل إمكان تحقيق مطالب تتعلق بالمجتمع العربي، وفي مقدمتها مكافحة الجريمة والعنف، وتحسين الميزانيات والخدمات، والتصدي للتمييز وهدم المنازل.

وهذا التوجه يختلف عن نهج منصور عباس، الذي سبق أن شارك حزبه في حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد عام 2021.

ويكشف موقف الطيبي عن تمييز بين تقديم الدعم البرلماني لحكومة معينة، والانضمام إليها، والاتفاق معها على برنامج سياسي شامل؛ وهي أمور لا تعني بالضرورة الشيء نفسه.

في المقابل، أعلن أفيغدور ليبرمان رفضه المشاركة في حكومة تضم نتنياهو أو تعتمد على أحمد الطيبي، وهو موقف يعكس استمرار الخلاف داخل المعارضة الإسرائيلية بشأن التعاون مع الأحزاب العربية.

جبارين في بلا قيود: منعنا نتنياهو من الأغلبية التي أرادها

كيف ينظر إليه مؤيدوه وخصومه؟

يحظى الطيبي بتأييد قطاعات من المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، التي ترى فيه شخصية تدافع عن الهوية الفلسطينية والحقوق القومية والمدنية، وتستخدم موقعها البرلماني لمواجهة السياسات الحكومية.

في المقابل، ينتقده خصومه من اليمين الإسرائيلي بسبب مواقفه القومية الفلسطينية وانتقاداته المتكررة للصهيونية والسياسات الإسرائيلية.

أما بعض القوى المعارضة لنتنياهو، فتنظر إليه بوصفه شريكاً برلمانياً محتملاً في مواجهة اليمين، وإن ظلت هناك خلافات أيديولوجية وسياسية بشأن طبيعة التعاون معه.

يمثل أحمد الطيبي نموذجاً سياسياً يجمع بين الهوية الفلسطينية والمواطنة الإسرائيلية والعمل البرلماني. فقد انتقل من مهنة الطب إلى العمل السياسي، ثم أصبح مستشاراً لياسر عرفات، قبل أن يؤسس الحركة العربية للتغيير ويدخل الكنيست عام 1999.

وتنبع أهمية عودته إلى الواجهة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 من التحول في موقع الأحزاب العربية داخل المعادلة السياسية الإسرائيلية، بعدما أصبحت أصواتها عاملاً مؤثراً في حسابات تشكيل الحكومة.

أحمد الطيبي: مستشار ياسر عرفات الذي أصبح أحد أبرز الوجوه الفلسطينية في الكنيست الإسرائيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى