BBC

لماذا تطلق جماعات مسلحة في هايتي وكينيا على نفسها اسم “طالبان”؟

شخص ملثم يلتفت إلى الكاميرا

Getty Images

يظهر في أحد مقاطع الفيديو شاب يرتدي ملابس لاعبي كرة السلة ويرتدي نعلاً، ويطلق النار في الهواء. وفي مقطع آخر، تظهر طائرة مروحية تحلّق في الجو. وكُتبت على الصورة عبارة: "Taliban Yo atè a".

بحسب تقديري، لم يكن للمقطع والعبارة أي صلة بحركة طالبان في أفغانستان وباكستان. فلماذا كُتبت عليهما كلمة "طالبان" إذن؟

ترجمتُ هذه الكلمات القليلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، فكانت النتيجة: "طالبان على الأرض".

وكان المقصود بهذه العبارة ذلك الشاب الذي كان يطلق النار على المروحية. أين؟ في هايتي. وكانت العبارة نفسها مكتوبة بلغة الكريول الهايتية.

فسألتُ نفسي: ما الذي تفعله "طالبان" في بلد يقع على مقربة من أمريكا الشمالية؟

خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة الماضية، تزايد الحديث عن نشاط الجماعات المسلحة في هايتي، الواقعة في منطقة البحر الكاريبي.

وقبل مدة، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 5,700 شخص قُتلوا أو أُصيبوا خلال تسعة أشهر، نتيجة أعمال العنف التي ارتكبتها الجماعات المسلحة أو العمليات التي نُفذت ضدها في هذا البلد. كما اختُطف أكثر من 230 ألف شخص خلال الفترة نفسها، ويُقدّر أن ما لا يقل عن ألف امرأة وفتاة تعرضن للاغتصاب.

شخصان مسلحان يستقلان دراجة نارية

Getty Images

وقد مارست الجماعات المسلحة في هايتي، على مدى عقود، السلطة والنفوذ بمستويات متفاوتة. ومن بين هذه الجماعات واحدة تطلق على نفسها اسم "طالبان".

لفت هذا الموضوع انتباهي بوصفي صحفياً أمضيت سنوات في تغطية أخبار حركة طالبان في أفغانستان وباكستان.

وبعد إجراء بعض البحث، عثرت على مقاطع فيديو أخرى يظهر فيها مسلحون يرتدون ملابس مدنية وعادية، ويستخدمون كلمة "طالبان" أثناء أحاديثهم.

كما استمعت إلى عدد من أغاني البوب التي وردت فيها كلمة "طالبان".

هل اقتُبست كلمة "طالبان" المستخدمة في هايتي من اسم حركة طالبان الأفغانية؟

مجموعة من الأسلحة ملقاة على الأرض بين يدي عدد من الأشخاص

War_Nor

تواصلتُ مع رئيس تحرير إحدى وسائل الإعلام الإلكترونية في هايتي، وسألته عما إذا كان اسم "طالبان" هذا هو الاسم نفسه المستخدم في أفغانستان، أم أن الأمر لا يتعدى تشابهاً في التسمية.

وكان رده كالتالي:

"هذا الاسم مأخوذ مباشرة من اسم حركة طالبان الأفغانية. فبحسب اعتقادهم، تُعد طالبان في أفغانستان جماعة متمردة وشجاعة لا تخشى أي تهديد. وهم يقولون أيضاً إنهم لا يخشون المخاطر، ولذلك قرروا إطلاق اسم طالبان على أنفسهم".

وبعد ذلك، أرسل إليّ رابطاً لحساب على منصة تيك توك، وقال إنه يعود إلى جيف غوا لوا، زعيم جماعة "طالبان".

يبلغ عدد سكان هايتي أكثر من 11 مليون نسمة، وهي تواجه تحديات اقتصادية. ولم تُجرَ فيها انتخابات منذ عشر سنوات. كما اغتيل رئيسها قبل خمس سنوات. وفي خضم ذلك، كثّفت هذه الجماعات المسلحة تحدياتها للحكومة. وتسيطر هذه الجماعات حالياً على 80 في المئة من العاصمة الهايتية، بورت أو برنس.

بطاقة تعريفية مكتوب عليها "طالبان" وتحمل صورة شخص على عينيه لاصقة بيضاء

BBC

الأزمة الكبرى في هايتي: الجماعات المسلحة

يقول رومان لو كور، رئيس قسم مراقبة هايتي ومنطقة الكاريبي في "المعهد الدولي لمكافحة الجرائم العابرة للحدود والجريمة الدولية"، إن عدد هذه الجماعات يتراوح بين 150 و200 جماعة، تتفاوت في حجمها بين الصغيرة والكبيرة. ويضيف أن التقديرات تشير إلى أن عدد أفراد كل جماعة يتراوح بين 8 آلاف و20 ألفاً، بينهم أطفال.

وفي حديثه إلى بي بي سي، قال السيد لو كور: "إنهم يسيطرون على جميع الطرق المؤدية إلى العاصمة. وهذا يعني أنه إذا أردتم الوصول إلى العاصمة، فعليكم المرور عبر نقاط تفتيش تابعة للجماعات المسلحة. كما أن البضائع التي تُنقل من الموانئ إلى العاصمة تمر عبر نقاط التفتيش التابعة لهذه الجماعات، ويتعين دفع رسوم لها. والمطارات الدولية مغلقة. وقد سيطروا على مناطق واسعة في الأقاليم لا تستطيع الشرطة الوصول إليها، ويفرضون قوانينهم الخاصة".

وتُطلق المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، على هذه الجماعات وصف "الجماعات المسلحة"، لكن أفرادها يدّعون أنهم يقاتلون من أجل "العدالة والمساواة". بل إن أحد قادة هذه الجماعات تمكّن من الترشح لانتخابات مجلس الشيوخ في هايتي، وفاز فيها.

وفي تقرير قُدّم إلى مجلس الأمن الدولي، ورد اسم جماعة "طالبان" إلى جانب عدد من العصابات الأخرى، وجاء فيه: "تعمل هذه الجماعات بوصفها كيانات إجرامية، وتنخرط في أنشطة غير قانونية متنوعة، تشمل تهريب الأسلحة والمخدرات والوقود، وإساءة معاملة المهاجرين، والابتزاز، وغيرها من الأنشطة غير المشروعة".

لوغو إذاعة إف إم

BBC

إذاعة "طالبان إف إم"

وسألتُ رومان لو كور أيضاً عن سبب إطلاق اسم "طالبان" على هذه الجماعات.

فأجابني قائلاً:

"في ما يتعلق بجماعة طالبان، أخبرنا أشخاص بأن اسم هذه الجماعة، الموجودة في منطقة تُسمّى كنعان في العاصمة الهايتية بورت أو برنس، يعود إلى أن كلمة "طالبان" تُستخدم إلى حدّ ما، وربما في اللغة الدارجة في الشوارع، لوصف شخص يتمتع بقوة كبيرة ويحظى بالاحترام والنفوذ. ولا نعرف كيف دخلت هذه الكلمة إلى لغة الشارع، لكن الناس العاديين يستخدمونها.

وهناك أيضاً اعتقاد بأن هذه الجماعة يُنظر إليها، بشكل أو بآخر، على أنها جماعة مقاومة؛ أي جماعة قوية جداً تقاوم الدولة، وإلى حدّ ما القمع والظلم".

وقبل ثلاث سنوات، سيطرت جماعة "طالبان" على إحدى الإذاعات في ميرابالاي، وغيّرت اسمها إلى "طالبان إف إم". وكانت تبثّ مواد دعائية وخطابات لزعيم الجماعة جيف غوا لوا.

صورة لمجموعة من المسلحين يرتدون أزياء بيضاء اللون فيما يغطون رؤوسهم وأيديهم بالسواد

panamericana.pe

عصابة "طالبان" في كينيا وبيرو

أثناء إعداد التقرير عن جماعة "طالبان" في هايتي، لفت انتباهي أن هذه الظاهرة لا تقتصر على هذا البلد وحده، بل إن هناك جماعة أخرى تنشط في كينيا، الواقعة في شرق أفريقيا، وتطلق على نفسها أيضاً اسم "طالبان".

وقد تشكّلت هذه الجماعة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إثر انشقاقها عن جماعة "بغداد بويز". ووفقاً للتقارير، تشمل أنشطتها ابتزاز سائقي وسائل النقل العام، وتهريب المخدرات، والسرقة، وحشد الأشخاص للمشاركة في التجمعات السياسية.

ونشير أيضاً إلى بيرو في أميركا الجنوبية. إذ تُعدّ "لوس طالبان" عصابة مسلحة تنشط في مدينة تروخيو. ووفقاً للتقارير، تورطت هذه الجماعة في ابتزاز شركات النقل، وتهديد السائقين، والاشتباك المسلح مع الجماعات المنافسة. وكانت الشرطة البيروفية قد أعلنت العام الماضي القبض على أفراد من هذه الجماعة وتفكيك إحدى خلاياها.

وفي كل من كينيا وبيرو، تتشابه أنشطة هذه الجماعات مع أنشطة الجماعة التي تطلق على نفسها اسم "طالبان" في هايتي.

ويرى بعض الخبراء المعنيين بالشأن الهايتي أنه على الرغم من أن هذه الجماعات طرحت بعض المطالب الغامضة تحت شعار إقامة نظام عادل ومتساوٍ، فإنها في الواقع حوّلت حياة المواطنين العاديين في العاصمة والمناطق المحيطة بها إلى جحيم.

لماذا تطلق جماعات مسلحة في هايتي وكينيا على نفسها اسم "طالبان"؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى