تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يحاول التحدث مع الحيوانات.. هل اقتربنا من فك شيفرتها؟

الذكاء الاصطناعي يحاول التحدث مع الحيوانات.. هل اقتربنا من فك شيفرتها؟

بين أصوات الدلافين وأسماء الفيلة وتحليل الحيتان.. الذكاء الاصطناعي يقترب من عالم تواصل الحيوانات، لكن العلماء يحذرون من تسميته «ترجمة».

🟢

لا تفوّت أخبار لبنان والعالم العاجلة

انضم الآن إلى قناة سيدر نيوز على واتساب وتابع أهم الأخبار والتنبيهات فور حدوثها.

📲 اضغط هنا لمتابعة سيدر نيوز

مجاناً — بعد فتح القناة اضغط «متابعة» (Follow)

لطالما تخيل الإنسان لحظة يستطيع فيها أن يفهم ما تقوله الحيوانات، لكن الذكاء الاصطناعي جعل هذا الحلم أقرب إلى المختبرات من أي وقت مضى. فالباحثون يستخدمون نماذج التعلم الآلي لتحليل آلاف وملايين التسجيلات الصوتية للحيوانات، بحثا عن أنماط قد تكشف شيئا عن الطريقة التي تتواصل بها.

لكن التطور العلمي الأخير يحمل مفارقة مهمة: كلما أصبحت الآلات أفضل في اكتشاف الأنماط، أصبح العلماء أكثر حذرا في وصف ما وصلت إليه بأنها «لغة» أو «ترجمة».

وفي سبتمبر/أيلول 2026، خلص بحث من جامعة تل أبيب إلى أن حتى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد تتمكن من فصل الأصوات وفقا لخصائصها الصوتية، من دون أن يعني ذلك أنها فهمت المعنى الذي يحمله الصوت بالنسبة إلى الكائن الذي يستقبله.

المشكلة ليست في سماع الصوت.. بل في فهم معناه
اختبر الباحثون في جامعة تل أبيب هذه المشكلة باستخدام أصوات أطفال صغار، لأن البشر يستطيعون فهم بعض الرسائل التي تحملها هذه الأصوات، ولو جزئيا.

والنتيجة كانت لافتة: بعض النماذج جمعت أصواتا مختلفة كانت تحمل الرسالة نفسها، وفي حالات أخرى فصلت أصواتا مختلفة في شكلها رغم أنها كانت مرتبطة بالمعنى نفسه.

وبالنسبة إلى الباحثين، تكشف التجربة عن مشكلة أساسية في محاولة استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم الحيوانات: تحليل الخصائص الفيزيائية للصوت لا يساوي بالضرورة فهم المعنى الذي ينسبه المستمع إليه. وهذا فارق جوهري.

فالإنسان عندما يسمع صوتا حيوانيا قد يستطيع ربطه بسلوك معين لأن لديه معرفة بسياق الحيوان وسلوكه واستجاباته. أما الخوارزمية فقد تتعرف إلى نمط صوتي متكرر من دون أن تعرف بالضرورة ما إذا كان هذا الصوت تحذيرا أو نداء أو تعبيرا عن خوف أو دعوة إلى الاقتراب.

سلوك مؤثر لأنثى دولفين يثير دهشة العلماء.. تحمل صغيرها النافق منذ أيام
الدلافين تدخل المختبر
أحد أكثر المشاريع طموحا في هذا المجال هو DolphinGemma، وهو نموذج ذكاء اصطناعي طورته Google DeepMind بالتعاون مع Wild Dolphin Project ومعهد جورجيا للتكنولوجيا.

النموذج يتعامل مع تسجيلات صوتية حقيقية للدلافين، ويحاول اكتشاف الأنماط والبنى المتكررة في أصواتها والتنبؤ بما قد يأتي بعدها. وتقول Google DeepMind إن الهدف هو مساعدة الباحثين على اكتشاف البنية المحتملة لهذه الأصوات وربما معانيها، وصولا في المستقبل إلى إمكانية إنشاء مفردات مشتركة بين البشر والدلافين.

لكن حتى هذا المشروع لا يقول إن الآلة ترجمت لغة الدلافين.

المرحلة الحالية أقرب إلى بناء خريطة للأنماط الصوتية: ما الأصوات التي تتكرر؟ ما التسلسلات التي تظهر معا؟ ومتى تصدر الدلافين هذه الأصوات؟ وكيف تتصرف بعدها؟

هذه البيانات يمكن أن تكون أساسا لفهم أعمق، لكنها ليست قاموسا يضع أمامنا كلمة دولفينية ثم يقدم ترجمتها العربية أو الإنجليزية.

الفيلة قد تنادي بعضها بأسماء
المثير أن بعض أهم الاكتشافات في هذا المجال لا تتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على «التحدث» مع الحيوانات، وإنما بقدرته على كشف أشياء لم يكن العلماء يرونها بسهولة.

فدراسة منشورة في Nature Ecology & Evolution وجدت أدلة على أن الفيلة الإفريقية تستخدم أصواتا مميزة للإشارة إلى أفراد محددين، وهو ما يشبه من بعض الجوانب استخدام الأسماء عند البشر.

استخدم الباحثون التعلم الآلي لتحليل الخصائص الدقيقة في أصوات الفيلة، وتمكن النموذج من تحديد الفيل المقصود بالنداء بمعدل يتجاوز ما يمكن تفسيره بالصدفة وحدها، كما أظهرت تجارب تشغيل التسجيلات أن الفيلة استجابت بصورة مختلفة للأصوات الموجهة إليها.

لكن هذا الاكتشاف لا يعني أن العلماء أصبحوا يعرفون «لغة الفيلة» كاملة.

ما وجدوه هو دليل على وجود نمط من النداء الفردي، أما معرفة جميع المعاني التي تحملها أصوات الفيلة وكيفية تركيبها وتبادلها للمعلومات فتحتاج إلى مزيد من البيانات والتجارب.

بعد ثلاثة عقود.. نهاية حزينة للحوت «الأكثر وحدة في العالم»
الحيتان.. مشروع يحاول فك الشفرة
الأمر نفسه يحدث مع الحيتان. ويعمل مشروع CETI، أو مبادرة ترجمة الحيتان، على استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل التسجيلات الصوتية لفهم اتصالات حيتان العنبر، التي تنتج سلسلة معقدة من النقرات الصوتية.

وتحاول المبادرة معرفة ما إذا كانت هذه الأصوات تحمل أنماطا يمكن ربطها بسياقات أو سلوكيات محددة، وما إذا كانت هناك بنية أكثر تعقيدا مما يبدو للأذن البشرية. ويشير باحثون في المجال إلى أن الذكاء الاصطناعي يمنح العلماء القدرة على معالجة كميات من البيانات الصوتية يستحيل تحليلها يدويا بالسرعة نفسها.

لكن السؤال الأصعب يبقى قائما: هل اكتشاف النمط يعني اكتشاف المعنى؟

من «اكتشاف الأنماط» إلى «الترجمة».. قفزة لم تحدث بعد
هنا تكمن أهم نقطة في النقاش العلمي الحالي.

عندما يكتشف نموذج الذكاء الاصطناعي أن صوتا معينا يتكرر عندما تقترب الفيلة من بعضها، أو أن سلسلة معينة من أصوات الدلافين تظهر أثناء سلوك محدد، فهذا اكتشاف مهم.

لكن تحويل هذه العلاقة إلى جملة بشرية مثل «تعال إلى هنا» أو «هناك خطر» يحتاج إلى إثبات إضافي.

يجب أن يتأكد الباحثون من أن الصوت مرتبط فعلا بالمعنى المفترض، ثم اختبار ذلك في مواقف مختلفة، ومراقبة استجابة الحيوان، ومعرفة ما إذا كان يمكن إنتاج الصوت مرة أخرى والحصول على الاستجابة نفسها.

وهذه هي النقطة التي يحذر عندها علماء من استخدام كلمة «ترجمة» بصورة مبكرة.

دراسة جامعة تل أبيب تذهب إلى أن فهم الاتصال الحيواني يحتاج إلى معرفة ليس فقط كيف يبدو الصوت، وإنما كيف تستقبله الحيوانات وكيف تستجيب له.

لماذا لا تكفي نماذج اللغة الكبيرة؟
الذكاء الاصطناعي الحديث أصبح ممتازا في العثور على العلاقات الإحصائية داخل كميات ضخمة من البيانات.

لكن لغة البشر لا تعتمد على الصوت وحده.

الكلمة تتغير دلالتها وفقا للسياق، ونبرة الصوت، والمتحدث، والموقف، والعلاقة بين الأشخاص، وما حدث قبلها.

والحيوانات قد تكون أكثر تعقيدا في هذا الجانب، لأن التواصل لديها لا يعتمد دائما على الصوت أصلا.

فالحيوانات تستخدم الحركة، ووضعية الجسم، والرائحة، واللمس، والإشارات البصرية، إلى جانب الأصوات.

ولهذا فإن محاولة اختزال عالم التواصل الحيواني في التسجيلات الصوتية وحدها قد تترك جزءا كبيرا من الصورة خارج النموذج.

الذكاء الاصطناعي يحاول التحدث مع الحيوانات.. هل اقتربنا من فك شيفرتها؟ – صورة 3

«محترف» كرة قدم.. فيل بري في الهند
العلماء لا يقولون إن «دكتور دوليتل» وصل
الحديث عن «التحدث مع الحيوانات» جذاب للغاية، لكنه يسبق العلم الحالي بعدة خطوات.

وتوضح مراجعات علمية حديثة أن الباحثين أصبحوا قادرين بالفعل على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط الاتصال لدى أنواع متعددة، من الحيتان والدلافين إلى الطيور والرئيسيات، لكن المسافة بين تحليل الإشارات وفهم لغة كاملة لا تزال كبيرة.

حتى الباحثون المشاركون في مشاريع التواصل بين الأنواع يتعاملون مع المسألة باعتبارها عملية بحث مفتوحة، لا تقنية ترجمة جاهزة.

وهذا يغير صياغة السؤال نفسه.

بدلا من السؤال: «هل يستطيع الذكاء الاصطناعي ترجمة لغة الحيوانات؟»، يصبح السؤال العلمي الأدق: «هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف البنية والمعاني المحتملة داخل أنظمة التواصل الحيوانية؟».

والإجابة حتى الآن أقرب إلى نعم، لكن مع حدود واضحة.

ماذا يمكن أن يحدث إذا نجح العلماء؟
إذا تمكن الباحثون مستقبلا من إثبات أن أصواتا معينة تحمل معاني محددة ويمكن التنبؤ بها وإعادة إنتاجها والحصول على استجابة متوقعة، فقد يتغير فهم البشر لعالم الحيوان بصورة كبيرة.

يمكن عندها استخدام هذه المعرفة في مراقبة الحيوانات البرية، وفهم احتياجاتها، واكتشاف إشارات الخطر، وتحسين رعاية الحيوانات في الأسر، وربما تطوير وسائل جديدة لحماية الأنواع المهددة.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أكثر من نموذج قوي.

يحتاج الأمر إلى تسجيلات ضخمة، ومراقبة طويلة الأمد للحيوانات، وتجارب سلوكية، وإعادة اختبار النتائج في بيئات مختلفة، وربط الصوت بالسلوك والسياق.

الآلة تسمع أكثر.. لكنها لا تفهم بعد
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي جعل البشر يسمعون الحيوانات بصورة أفضل، لكنه لم يجعلنا نفهمها بعد بالطريقة التي نفهم بها لغة البشر.

لقد أصبح بالإمكان اكتشاف أنماط كانت مخفية داخل آلاف الساعات من التسجيلات، وربط أصوات معينة بسلوكيات أو أفراد، وربما الاقتراب من فهم بعض وحدات التواصل.

لكن «الترجمة» شيء آخر.

فأن تعرف أن حيوانا يصدر صوتا معينا في موقف معين لا يعني بالضرورة أنك تعرف الجملة التي يريد قولها، ولا أن لديك قاموسا للغته.

ولهذا فإن الطريق إلى أول «محادثة» حقيقية بين الإنسان والحيوان، إذا كان ذلك ممكنا أصلا، لا يزال يبدأ من خطوة أكثر تواضعا: أن نتعلم أولا كيف نصغي.

🛈 تنويه: موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

زر الذهاب إلى الأعلى