“سينشري”.. تعرف إلى قاعدة أمريكا السرية في غرينلاند

معسكر “سينشري” 

لطالما سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى السيطرة على غرينلاند، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية.

 

ومنذ عودته للبيت الأبيض، ضاعف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طموحاته طويلة الأمد للاستحواذ على غرينلاند، حتى أنه لم يستبعد استخدام القوة العسكرية أو الإكراه الاقتصادي للسيطرة.

وفي حين رفضت الدنمارك دائما بيع الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي، حافظت واشنطن على وجود عسكري في غرينلاند منذ الحرب العالمية الثانية.

وبنى الجيش الأمريكي العديد من القواعد والمواقع عبر الغطاء الجليدي في غرينلاند، والتي تُرك معظمها مهجورًا أو خارج الخدمة بعد الحرب الباردة.

ومن المقرر أن يزور نائب الرئيس جيه دي فانس، الجمعة مع زوجته، القاعدة الأمريكية الوحيدة العاملة هناك، وهي قاعدة بيتوفيك الفضائية.

وخلال حقبة الحرب الباردة، كان الجليد الهائل في غرينلاند أكبر مشكلة لمشروع أسطوري سري للغاية، وهو إنشاء مدينة أنفاق تحت الجليد مصممة لتخزين مئات الصواريخ النووية على مسافة إطلاق من الاتحاد السوفيتي، وفقا لما ذكره موقع “بيزنس إنسايدر” الأمريكي.

وبعد بنائه عام 1960، تم عرض معسكر “سينشري” على الجمهور كمنشأة بحثية في القطب الشمالي، لكن الإدارة الأمريكية لم تُفصح عن سرية عملية الصواريخ حتى عام 1995.

وبدأ بناء المنشأة عام 1959، بتكلفة 8 ملايين دولار، وتقع على بُعد حوالي ١٥٠ ميلًا من قاعدة “ثول الجوية”، وهي مركز دفاعي رئيسي في القطب الشمالي.

وأطلق على المنشأة اسم “معسكر سينشري” لأنه كان من المقرر في البداية أن يقع على بُعد 100 ميل من الغطاء الجليدي في غرينلاند. 

وعانى المعسكر من ظروف شتوية قاسية، بما في ذلك رياح تصل سرعتها إلى 125 ميلاً في الساعة، ودرجات حرارة منخفضة تصل إلى -70 درجة فهرنهايت.

ونقل أعضاء من فيلق مهندسي الجيش الأمريكي 6000 طن من الإمدادات والمواد إلى الموقع لحفر ما يقرب من 24 نفقًا تحت الأرض مغطاة بأقواس فولاذية وطبقة من الثلج، ليكتمل بناء القاعدة تحت الأرض في أواخر عام 1960.

وكان أكبر خندق في معسكر سينشري، والمعروف باسم “الشارع الرئيسي”، بعرض حوالي 26 قدمًا ويمتد على مسافة 1000 قدم، وضمّ المجمع المترامي الأطراف تحت الأرض ما يصل إلى 200 فرد تحت الأرض.

وحفر المهندسون بئرًا في المعسكر لتوفير 10,000 جالون من المياه العذبة يوميًا، وجرى تمديد أنابيب معزولة ومدفأة في جميع أنحاء المنشأة لتوفير المياه والكهرباء.

كما تضمن المعسكر مطبخًا وكافتيريا، وعيادة طبية، ومنطقة غسيل ملابس، ومركز اتصالات، ومساكن. كما ضمت المنشأة قاعة ترفيهية، وكنيسة صغيرة، وصالون حلاقة.

وكان معسكر سينشري يعمل بمفاعل نووي محمول وزنه 400 طن، وهو الأول من نوعه، ونظرًا لدرجات الحرارة تحت الصفر التي تجعل المعدن هشًا للغاية، كان لا بد من التعامل مع نقل المفاعل” PM-2 ” بعناية فائقة لحمايته من التلف حيث استمر في العمل لنحو 3 سنوات قبل أن يتم تعطيله وإزالته من المنشأة.

عملية سرية

كان الهدف من المنشأة تحليل ظروف الغطاء الجليدي، وحركة الأنهار الجليدية، والقدرة على البقاء في الطقس البارد.

لكن ذلك كان مجرد غطاء لعملية أمريكية سرية للغاية، تُعرف باسم “مشروع آيس وورم”، لتخزين ونشر مئات الصواريخ الباليستية ذات الرؤوس النووية في محاولة للالتفاف على سياسة الدنمارك الصارمة الخالية من الأسلحة النووية مع استغلال قرب غرينلاند من الاتحاد السوفياتي. 

وسعى “آيس وورم” إلى توسيع المنشأة الحالية بمساحة إضافية قدرها 52,000 ميل مربع لاستيعاب 60 مركزًا للتحكم في الإطلاق.

وكان من المقرر أن تخزن المنشأة ما يصل إلى 600 صاروخ “آيسمان”، وهي صواريخ باليستية عابرة للقارات ثنائية المراحل مُعدّلة، بمدى يصل إلى 3300 ميل.

وكان يُنظر إلى المشروع أيضًا كوسيلة محتملة لتأمين التحالفات ومشاركة الأسلحة النووية مع دول أخرى في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وخاصة فرنسا.

تحديات

لكن المشروع واجه تحديات كبيرة مثل العقبات البيروقراطية، وتعديل صاروخ “آيسمان” لتحمل الظروف شديدة البرودة، ومواصلة العمليات تحت الأرض مع تزايد عدم استقرار الغطاء الجليدي في غرينلاند.

وبعد 3 سنوات فقط من بناء معسكر “سينشري”، قرر الجيش عدم المخاطرة بفقدان مئات الصواريخ في حال انهيار المنشأة، مما أدى إلى إلغاء مشروع “آيس وورم”.

واستمرت المنشأة في العمل بطاقة محدودة قبل إغلاقها عام 1967، ومنذ ذلك الوقت، لم يُجرِ الجيش الأمريكي أي عمليات إزالة للنفايات والبنية التحتية، مُفترضًا أنها ستُدفن بمرور الزمن تحت الغطاء الجليدي. 

والآن، جرد الباحثون ما تبقى ووجدوا ما يقرب من 136 فدانًا من النفايات، وأظهرت دراسة أُجريت عام 2016 أن أكثر من ٥٠ ألف جالون من وقود الديزل، و63 ألف جالون من مياه الصرف الصحي والمبردات المُشعة، وآلاف الجالونات من مياه الصرف الصحي.

كما وجدوا كمية غير معروفة من مركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور (PCBs) لا تزال مدفونة في المنشأة المهجورة.

وبمعدل ذوبان الجليد الحالي في القطب الشمالي، يُقدّر الباحثون أن النفايات قد تطفو على السطح حوالي عام 2100 لتطلق ملوثات تُشكل تهديدًا كبيرًا للأنظمة البيئية المحيطة وصحة الإنسان. 

ومع تزايد خطر النفايات البيولوجية والكيميائية والإشعاعية، يبقى السؤال مطروحًا حول من المسؤول عن تنظيف النفايات من سينشري وغيره من المنشآت العسكرية الأمريكية المهجورة المنتشرة في جميع أنحاء غرينلاند؟

وفي 2018، وقّعت غرينلاند والدنمارك اتفاقيةً تُخصّص ٢٩ مليون دولار أمريكي على مدار 6 سنوات لتنظيف بعض القواعد العسكرية الأمريكية، وتأجلت الجهود في 2021 بسبب جائحة كوفيد-19.

** مسؤلية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.