رحلة العائلة المقدسة: لماذا أدرجت اليونسكو احتفالات مصر بالرحلة على قائمة التراث الثقافي غير المادي؟

رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

Getty Images
جدارية رحلة العائلة المقدسة إلى مصر في الهواء الطلق لجوزيف كاستنر من القرن التاسع عشر في فيينا

أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” الاحتفالات الشعبية المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر على قائمتها للتراث الثقافي غير المادي.

وجاء ذلك خلال اجتماع للجنة التراث الثقافي غير المادي في المغرب الأسبوع الجاري لبحث 46 طلبا لضم عناصر جديدة لقائمة اليونسكو من دول مختلفة.

وقالت وزيرة الثقافة المصرية، نيفين الكيلاني، في بيان: “تسجيل الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة على القائمة يعتبر رسالة سلام ومحبة وأمن من الأرض التي احتضنت العائلة المقدسة وأعادت إحياء مسارها وحافظت عبر مئات السنين على الاحتفاء برحلتها إلى مصر في الوقت الذي يشهد العالم صراعات على العقيدة”.

ويعد تسجيل احتفالات رحلة العائلة المقدسة العنصر السابع لدى مصر على قائمة اليونسكو بعد إدراج “السيرة الهلالية” و”التحطيب” و”الممارسات المرتبطة بالنخلة” و”فنون الخط العربي” و”النسيج اليدوي في صعيد مصر” و”الأراجوز”.

وتحتفل مصر سنويا بإحياء ذكرى هذا الحدث الديني والتاريخي من خلال إقامة احتفالات يشارك فيهما المصريون بأعداد كبيرة، مسلمون ومسيحيون، من مختلف الأعمار في جميع المحافظات.

ويقام الاحتفال الأول، الذي يعرف باسم “عيد مجيء العائلة المقدسة إلى مصر”، في الأول من شهر يونيو/حزيران، أما الاحتفال الثاني يعرف باسم “مولد العذراء”، وهي عدة احتفالات تمتد من شهري مايو/أيار وحتى أغسطس/آب وتقام فيها الولائم والعديد من المظاهر الاحتفالية في شتى المدن المصرية.

وترتبط الفعاليات الاحتفالية بعدد من العناصر الشعبية التقليدية المتمثلة في الغناء والألعاب المحلية ورسم الوشوم على الجسد وإعادة تمثيل رحلة العائلة المقدسة فضلا عن تنظيم مواكب دينية وعروض فنية، كما لا تخلو الاحتفالات من تقديم خدمات تطوعية لمرتادي الاحتفالات (الموالد) من قبل السكان المحليين وتبادل الهدايا.

رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

Getty Images
رحلة العائلة المقدسة إلى مصر من أعمال الفنان سيدون ماوبراي حوالي عام 1915

الرحلة في الكتاب المقدس

أشار الكتاب المقدس إلى رحلة العائلة المقدسة بإيجاز شديد في هيئة أمر سماوي تلقاه القديس يوسف النجار في حلم يقول، بحسب بشارة القديس متى: “إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي ليلا وانصرف إلى مصر” (مت 2: 13-23).

كما يشير السنكسار القبطي، الكتاب الذي يضم سير القديسين وتواريخ الأعياد والأصوام، مرتبة حسب أيام التقويم القبطي، إلى أن الرحلة إلى مصر جاءت تحقيقا لنبوءات في العهد القديم، كما في سفر أشعياء (19 :1) “وحي من جهة مصر: هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها”، وفي سفر هوشع (1:11) “من مصر دعوت ابني”.

واحتلت رحلة العائلة المقدسة إلى مصر مكانة خاصة في الموروث الجمعي المصري ما دفع الكثير من المؤرخين، على مدار عصور مختلفة، إلى التنقيب في مخطوطات محفوظة في الأديرة المصرية، واجتمعوا على تحديد أماكن حلت بها العائلة المقدسة في مصر، بُنيت فيها كنائس وأديرة تاريخية تذكارا لمحطات الزيارة، وفقا لما ذكرته الميامر، (جمع ميمر، كلمة سريانية بمعنى سيرة قديس)، التي تحدثت تفصيلا عن الرحلة.

وحدد المؤرخون المواقع الرئيسية التي حل بها يسوع المسيح طفلا مع أمه القديسة العذراء مريم في مصر، ومعهما القديس يوسف النجار، وكانت بدايتها، وفقا لموسوعة “من تراث القبط”، من مدينة رينوكلورا القديمة (العريش حاليا) ثم بلوزيوم (الفرما حاليا)، وهي مشتقة من الكلمة القبطية فيرومي، ثم بوباستيس (تل بسطة حاليا).

رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

Getty Images
أشار الكتاب المقدس إلى رحلة العائلة المقدسة إلى مصر بإيجاز شديد في هيئة أمر سماوي تلقاه القديس يوسف النجار في حلم

عبرت العائلة المقدسة فرع دمياط للنيل إلى بلدة سخا، ومنها عبرت فرع رشيد إلى وادي النطرون، فإلى قرية المطرية، شرقي القاهرة حاليا، ثم حارة زويلة، التي تضم ديرا من أقدم أديرة الراهبات التابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ثم إلى بابليون (منطقة مصر القديمة حاليا)، وهناك مكثت العائلة المقدسة في كهف أعيد التعرف عليه بعد ذلك، وأقيمت عليه كنيسة القديس سرجيوس (أبو سرجة) في القرن الرابع الميلادي.

واستقلت العائلة المقدسة قاربا من جنوبي منطقة مصر القديمة (حي المعادي حاليا) إلى صعيد مصر مارة بالبهنسا ثم جبل الطير (قبالة مدينة سمالوط) ومنها إلى الأشمونين (هيروموبوليس البطلمية) ثم ديروط فالقوصية حتى جبل قسقام، حيث شُيّد فيما بعد في هذا المكان دير العذراء مريم فوق أول مذبح حجري في المسيحية ويسمى “دير المحرق”. ووفقا للمصادر القبطية، أقامت العائلة المقدسة هناك ما يزيد على ستة أشهر.

وعن رحلة عودة ومغادرة العائلة المقدسة أرض مصر تقول “دائرة المعارف القبطية” الإنجليزية، في مادة “الهروب إلى مصر”، إن العائلة ربما سلكت في طريق العودة، على أرجح التقديرات، “نفس المسار الذي سلكته في رحلة المجيء إلى مصر”، بعد أن تلقى القديس يوسف أمرا إلهيا سجله إنجيل القديس متى نصه: “فلما مات هيرودس، إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر، قائلا قم وخذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل، لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي” (مت 2 : 19-20).

رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

Getty Images
جدارية لرحلة العائلة المقدسة إلى مصر تزين الكنيسة المعلقة في القاهرة

الموالد القبطية الخاصة بزيارة العائلة المقدسة

يستخدم المصريون مصطلح “المولد” للدلالة على احتفالات وأعياد، بغض النظر عن طبيعتها الدينية، إسلامية أم مسيحية، فعلي سبيل المثال تقام احتفالات في مختلف محافظات مصر لأولياء وشيوخ مسلمين لا يعرف لهم تاريخ “مولدهم”، في أيام تعارفت عليها الأجيال، بينما يحتفل المسيحيون بالموالد القبطية في مناسبات ترتبط بالتقويم القبطي، المعروف أيضا باسم “تقويم الشهداء”.

وتشير دراسات تاريخية إلى أن أصل الكلمة ورد في اللغة اللاتينية في كتابات القديس جيروم في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وكان بمناسبة الاحتفال باستشهاد القديس بوليكاربوس، أسقف سميرنا الذي يوافق 29 من شهر أمشير القبطي.

ويقول الأب متى المسكين في دراسته “الشهادة والاستشهاد” إن مصطلح الموالد “في الأصل هي حفلات الأغابي (موائد المحبة) التي كانت تمارس قبل سر الإفخارستيا (سر التناول)، ثم أصبحت بعده … (ثم) اكتفت الكنيسة بإقامتها في موالد الشهداء والقديسين”.

وتقام العديد من الموالد (الاحتفالات) في أماكن زارتها العائلة المقدسة في مصر. ويُحتفل ببعضها في 24 بشنس/ أول يونيو/ حزيران. وهناك أيضا احتفالات لإحياء تذكار أعياد خاصة بالعذراء مريم، وتمتد لعدة أيام في أشهر مختلفة، من بينها على سبيل المثال عيد دخول العائلة المقدسة إلى مصر، وعيد مغادرة العائلة المقدسة منطقة دير المحرق، وعيد حلول العائلة المقدسة بمنطقة دير المحرق، ومولد (ميلاد) السيدة العذراء، وعيد تكريس كنيسة العذراء بالمحمة بمنطقة مسطرد وغيرها.

رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

Getty Images
رسم لرحلة العائلة المقدسة إلى مصر يعود إلى عالم 1886

رصد رحالة ومؤرخون على مدار العصور إقامة العديد من الاحتفالات القبطية، من بينهم المؤرخ الأسعد بن مماتي الوزير الأيوبي (في القرن السادس الميلادي)، الذي سجل ما يزيد على 10 احتفالات، والمؤرخ أبو المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود (في القرن 12 الميلادي)، الذي ذكر ما يزيد على 40 مولدا قبطيا في أيامه، من بينها موالد تحتفل بمسار العائلة المقدسة، بحسب دراسة جورج نسيم الياس بلامون “الموالد القبطية في مسار العائلة المقدسة”.

ويرتبط المصريون، مسلمون ومسيحيون، ارتباطا قلبيا من نوع خاص بالسيدة العذراء، وتقام العديد من الاحتفالات الشعبية تكريما لها، ومن أهم تلك الاحتفالات، الاحتفال السنوي الذي يقام في دير السيدة العذراء في درنكة، على بعد نحو 10 كيلومترات من محافظة أسيوط، في صعيد مصر، وهو من المواقع التي مرت بها العائلة المقدسة في طريق عودتها، حيث سكنت العذراء في مغارة، بنى عليها كنيسة حاليا.

كما تقام احتفالات للسيدة العذراء في كنيسة الزيتون، بمدينة القاهرة، واحتفالات أخرى في منطقة المطرية، إذ يوجد بئر البلسم الذي يقول التقليد إن العذراء مريم غسلت فيه ثياب يسوع المسيح، وشجرة تعرف باسم “شجرة مريم” يتجاوز عمرها ألفي عام، ويقول التقليد إن العائلة المقدسة جلست تحت هذه الشجرة المعمرة لتستظل من الشمس وهو مكان يذهب إليه المصريون للتبرك.

شجرة المطرية

Getty Images
“شجرة مريم” في منطقة المطرية يتجاوز عمره ألفي عام، ويقول التقليد إن العائلة المقدسة جلست تحت هذه الشجرة تستظل من الشمس

مظاهر الاحتفال

تنتشر في الموالد الفرق الشعبية، التي تستخدم في عزف الألحان آلات ذات أصول مصرية، مثل آلة “المزمار” و”الربابة” و”الناي” و”الدف”، وتقام حلقة احتفال كبيرة تعزف فيها الفرق الألحان وتُنشد المدائح الدينية الشعبية.

وتحرص الفرق على ترديد ترانيم لتمجيد العذراء والقديسين، مع إشارة إلى سيرة حياتهم، ومن أبرزهم القديس الشهيد مارجرجس، الذي تُقرأ سيرته شعرا بأسلوب أشبه بطريقة السيرة الهلالية وسيرة الظاهر بيبرس وباقي السير البطولية الإسلامية، وهو ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح فكرة استلهام “المسلمين المصريين” هذا النمط الفني الشعبي القبطي وابتكار سير موازية لشخصيات إسلامية في نفس البيئة المصرية، بحسب دراسة بلامون.

ومن بين الترانيم والمدائح التي تُردد في أعياد العذراء مديح (عليكي السلام يا مريم) والذي تتألف من 34 بيتا، من بينها هذا المقتطف:

عليكي السلام يا مريم

تاهت فيكي عقول أفهام

طوباكي طوباكي على الدوام

أهديكي سلامي …

كما يوجد مديح شعبي آخر يقول مطلعه، بحسب دراسة بلامون:

على دير العدرا وديني

أوفي ندري والرب راعيني

يا مراكبي وديني للعدرا

واعطيك من ندري شمعة

توضعها في بيتك بركة

على دير العدرا وديني

أمدح فيكي يا أم النور

مهما يكون قلبي مكسور

أمدح فيك يا أم يسوع

يا شفيعة لكل الجموع …

رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

Getty Images
لا تخلو مظاهر الاحتفال في الموالد المصرية من النشاط التجاري كبيع الحلوى الشعبية

ولا تخلو مظاهر الاحتفال الشعبي من النشاط التجاري، حيث تنتشر أماكن بيع الصور واللوحات التي تصور قديسين وشخصيات دينية بارزة، وأيقونات رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، وأيقونات من الفن القبطي للمسيح طفلا تحتضنه العذراء، فضلا عن بيع الصلبان والحلي المعدنية، وانتشار رسم الوشوم الذي يطلق عليه في اللغة الشعبية “الدق” على جسد الزائر، ورواج خاص لكتب شعبية دينية مسيحية وكتب الصلوات ومدائح العذراء والقديسين.

ويحرص المصريون في قرى محافظات مصر، على نحو خاص، على ممارسة بعض الألعاب الشعبية والبهلوانية خلال الموالد، وإقامة الأسواق لبيع لعب الأطفال، وهو تقليد تاريخي قديم في مصر، ويشهد المتحف القبطي بالقاهرة على العديد من تلك الألعاب الخشبية والفخارية.

رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

Getty Images
مسيحيون أقباط خلال احتفالات في دير السيدة العذراء في درنكة، في صعيد مصر

كما يمارس المصريون والمؤمنون طقس نيل البركة بإيقاد الشموع وملامسة أيقونة العذراء أو القديس أو تقبيلها، وتعتبر الصلاة والدعاء طقوسا أساسية في الاحتفالات، ثم الصلاة الذي تشمل طلبات خاصة لحل مشكلات، أو تحقيق أمنيات من خلال “تشفيع” العذراء في تحقيق هذه الطلبات، لاسيما إن كانت تلك الصلوات تُرفع في مكان شهد حلول العائلة المقدسة فيه خلال فترة رحلتها في أرض مصر.

واختلف المؤرخون في تحديد مدة رحلة العائلة المقدسة في مصر بدقة، بيد أن التقليد القبطي يحددها بمدة تزيد على ثلاث سنوات.

ويقول جرجس داود جرجس، في دراسته “أضواء جديدة على رحلة العائلة المقدسة”، المنشورة ضمن ملف خاص عن هروب العائلة المقدسة إلى أرض مصر ضمن أسبوع القبطيات التاسع عام 1999، إن البابا ثاؤفيلس، الـ 23 بطريرك الإسكندية (385-412 م)، يقرر في ميمره أن “الرحلة منذ الخروج من بيت لحم وحتى العودة إلى الناصرة هي ثلاث سنوات وستة أشهر، الأمر الذي يتفق مع تقدير بقاء العائلة المقدسة في مصر بمدة تناهز العامين، وقد انصرف الباقي في رحلتي المجيء والعودة”.

رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

Getty Images
يمارس المصريون والمؤمنون طقس نيل البركة بإيقاد الشموع وملامسة أيقونة العذراء

مما لاشك فيه أن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، بشخصياتها المتمثلة في يسوع المسيح طفلا وأمه القديسة مريم العذراء والقديس يوسف النجار، جمعت في موضوعها مزيجا من الجوانب الدينية والآثار التاريخية مما حرض الحجاج والرحالة من أوروبا على مدار عصور مختلفة على زيارة الأماكن الأثرية في مصر، لا سيما ما يتصل منها برحلة العائلة المقدسة وتسجيل العديد من مظاهر احتفالات المصريين في مؤلفاتهم.

كما ألهمت الرحلة الخيال الجمعي والموروث الشعبي المصري، لكونها قصة تحمل دلالة خاصة جرت أحداثها في أرض وادي النيل، توارثتها الأجيال على نحو أسهم في ابتكار نوع من الإبداع الروائي في سرد القصة والتألق الفني في تجسيد فحواها وإحياء ذكراها، بطرق احتفالية شعبية جنبا إلى جنب مع أداء بعض الطقوس الدينية تمجيدا لتذكار المناسبة.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.