هل أثرت الأزمة الاقتصادية في لبنان على القراءة واقتناء الكتب؟

رجل يحمل كتبا

Getty Images

تستضيف بيروت الدورة الرابعة والستين للمعرض العربي الدولي للكتاب الذي ينظم في الفترة الممتدة من 3 إلى 11 ديسمبر/ كانون الاول 2022. ثمة إجماع في لبنان على تراجع معدل شراء الكتب بسبب ارتفاع أسعارها. القراء، وكذلك أصحاب دور النشر والمكتبات، يقرون بهذه الحقيقة. فلا يحتاج الأمر إلى بحث طويل للتحقق من ذلك: تصفح سريع لأسعار الكتب على شبكة الإنترنت يفسّر هذا الانخفاض. لكن، كيف ينعكس الأمر على سلوكيات القراء؟ هل من ملاذ آخر للقراءة بكلفة معقولة؟

اعتدت في السنتين الأخيرتين زيارة المكتبات بشكل دوري. ألحظ ترددا دائما ونوعا من الحياء في وجوه الباعة، لدى إبلاغي بالسعر. مثلا، الكتاب الذي يبلغ سعره عشرة دولارات، يعادل حوالى أربعمئة ألف ليرة، بعدما كان يعادل خمسة عشرة ألف ليرة قبل بدء الأزمة الاقتصادية قبل ثلاث سنوات.

إذا، كيف للمواطنين الذين يكافحون يوميا لتأمين سبل عيشهم، أن يتمتعوا برفاهية شراء سلعة كمالية؟

زرت مكتبة السبيل العامة التابعة لبلدية بيروت، لاستمزاج آراء القراء هناك.

تقول سلام شعيتو، إنها لم تعد تقرأ كما في السابق. “كنت أقرأ أربعة كتب في الشهر… أما الآن فكتاب أو اثنين كحد أقصى”. لكن إلى جانب الهموم اليومية “أبعدني كوفيد عن مجتمع القراء الذي يثير الاختلاط به الحماس، فتصبح القراءة كالعدوى فيه”.

وتضيف شعيتو: “كنت أشتري خمسة إلى ستة كتب كل شهر قبل الأزمة، لكن الآن أشتري كتابا أو اثنين كل أربعة أشهر”.

أما مي حلاق، فلم يختلف نمط القراءة لديها، وتقول: “أقرأ كتابين أو ثلاثة في الشهر… في السابق كنت أشتري كتبا الآن أستعير الكتب من مكتبات عامة”.

“قلّلت من شراء الكتب بسبب الأزمة الاقتصادية”، تضيف حلاق التي ستنزل إلى معرض الكتاب هذا العام، لكنها “غالبا لن تشتري”، فبعض الكتب باتت متاحة للتنزيل من الإنترنت بصيغة “بي دي إف”.

وهذا ما تلجأ إليه رنا إبراهيم، التي تقول إنها تقرأ ستة إلى سبعة كتب في الشهر.

يُنظر إلى الكتاب كمتنفس يحمل القارئ إلى عوالم أخرى. قد يراه البعض أساسا في الحفاظ على توازنهم النفسي بينما يغص لبنان بأزمة تلو أخرى.

تعتبر شعيتو أن من بين الحلول لممارسة القراءة، التوجه إلى مكتبات عامة، ومبادرات القراء كتبادل الكتب فيما بينهم، كون “الكتاب ليس في أولويات الدولة، فالوضع الاجتماعي والأجور أهم”.

على ما يبدو توفر المكتبات العامة بديلا فعالا للقراء، فقد “ازداد إقبالهم خلال الأزمة الاقتصادية على المكتبة، لأن الناس لم تعد قادرة على شراء الكتب، سيما أن لدينا نظام إعارة مجاني”، تؤكد سمر شاهين، مديرة مكتبة السبيل في بيروت.

شخص ينتقي كتابا

Getty Images

ماذا عن دور النشر؟

على الجانب الآخر، مع ارتفاع أسعار المواد الأولية لإصدار الكتب، اضطرت دور النشر إلى اللحاق بالركب.

يقول الدكتور حسن خليل، مدير عام دار الفارابي، إن “70% من مواد إنتاجنا بالدولار، ومع انهيار الليرة انخفضت عوائدنا”.

“تكاليف الكتب واحدة على جميع المؤسسات ودور النشر، كونها تعتمد على الورق وبلاكات الحديد (المادة الخام التي يطبع منها الكتاب)ـ فالسعر ثابت عالميا، لكن في بعض الدول هناك دعم لهذا المنتج”، يوضح أحمد غريب مدير فرع دار الرافدين العراقية في لبنان.

تأثرت دور النشر مع إغلاق كوفيد، ما اضطرها إلى تغيير استراتيجيتها بعد تخفيف قيود الوقاية من الفيروس، فقرّرت دار الفارابي تقليص الربح إلى الحد الأدنى من السوق اللبنانية، التي تشكل 35% من عملها، بحسب خليل. ويضيف “كنا نطبع حوالى 160 كتابا في السنة. الآن نطبع 80 أو 90”.

كذلك انخفضت إصدارات الدار العربية للعلوم ناشرون خلال الأزمة إلى أقل من الثلث، وفق ما يقول مدير الإنتاج غسان شبارو.

ويقول شبارو: “حتى الكميات انخفضت، كنا نطبع ألفين وثلاثة آلاف نسخة في الماضي، الآن نطبع ألفا كحد أقصى”.

لكن للدار العربية شركات شقيقة: واحدة في الإمارات، والثانية هي منصة النيل والفرات الإلكترونية، إضافة إلى مخزن في السعودية، وهي “عامل مساعد لنا أكثر من غيرنا كون منتجنا يباع في الخارج أكثر من دور أخرى”.

بالنسبة لشبارو أزمة دور النشر ليست محصورة في لبنان، بل تتعداه إلى العالم ككل، فـ “هناك دور نشر تغلق في أوروبا وأمريكا”.

ماذا عن المستقبل؟ “نحاول إيجاد مصادر جديدة من خلال مواقع تسويق عالمية”، يقول شبارو.

“نعمل من أجل الاستمرار من دون ديون لا بربح”، يقول خليل، رغم المشاركة في معارض الدول العربية، ومكتبات تتعاون مع الشركة في أكثر من عاصمة عربية، ما يدر عليهم دخلا بالدولار الأمريكي، لينتقل إلى مشكلة أخرى هي احتجاز البنوك للأموال، وإعطائها لهم على دفعات.

أما دار الرافدين فعلاوة على مشاركتها الدائمة في المعارض العربية، تعتمد بحسب غريب “على استيراد الكتب من الخارج، فكون مشاركتنا كثيفة في المعارض العربية، دائما ما نعمد إلى إحضار جميع الإصدارات الجديدة”.

من جهته، يرى عباس فقيه صاحب مكتبة “فيلوسوفيا”، أن “الكتاب يعيش أزمة في الدول العربية، مع التوجه إلى استهلاك وسائل التواصل الإجتماعي”.

لكن قبل الأزمة، كانت نسبة ربح المكتبة تتراوح بين 30 إلى 40% في الكتاب، أما الآن فتقع بين 5 و10%، وفق فقيه.

رغم ذلك، يقول فقيه إن نسبة الشراء في مكتبته ازدادت، بفضل أسعاره المخفضة وتنوع كتبه، لكن “بشكل عام تراجعت نسبة الشراء” في مكتبات أخرى.

أفق غير واضح

مطلع عام 2020، قرّر نسيم الموسى تأسيس مكتبة “كوالا” في منزله، عبر شراء الكتب من المزودين المحليين، وتسويقها على منصات التواصل الاجتماعي.

اكتشف نسيم فراغا في سوق الكتب الإنجليزية، فركّز عمله عليها، ووجد “توجها لدى الطبقة الأكثر قدرة على شراء كتب للقراءة بالإنجليزية”.

ويضيف نسيم: “الإقبال من مختلف الطبقات، لكن هناك من يشتري كتابا واحدا في الشهر أو الشهرين، وآخر يشتري أربعة كتب في الشهر”.

ليس واضحا بالنسبة للموسى أفق هذه التجارة. مع سنوات خبرته الثلاث فيها، لن يتوانَ عن الانتقال لعمل آخر إذا ما سنحت له الفرصة، فهو ليس متأكدا من استمرارية مشروعه، الذي يؤمن له حاجته من المال فقط.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.