إسرائيل ولبنان: محادثات غاز المتوسط بين الطرفين على حافة الخطر

سفينة تنقيب عن الغاز في حقل كاريش

Reuters
تقول شركة “إنرجيان” إنها على وشك البدء في إنتاج الغاز من حقل كاريش

في ظل قلق أوروبي بشأن أسعار الغاز، وصلت إسرائيل ولبنان إلى مرحلة حيوية في محادثات غير مباشرة بشأن حقول غاز طبيعي في منطقة بحرية متنازع عليها.

وتشير أنباء إلى أن الدولتين الجارتين، التي تعتبر كل منهما الأخرى عدوا، أقرب من أي وقت مضى للتوصل إلى اتفاق.

وإذا مضت الأمور على ما يرام، فثمة استفادة كبيرة من موارد طاقة محتملة جديدة.

لكن أي خطأ قد يفضي إلى اندلاع حرب، في ظل توجيه تهديدات جديدة من جانب جماعة حزب الله المسلحة لإسرائيل.

ويشكل مثلث في مياه البحر الأبيض المتوسط الفيروزية بؤرة خلاف على حقوق التنقيب عن الطاقة. وتضم المنطقة جزءا من حقل غاز كاريش وجزءا من حقل غاز قانا المحتمل.

وتؤكد إسرائيل أن حقل كاريش، المرخص لشركة “إنرجيان” ومقرها لندن، يقع بالكامل في مياهها الاقتصادية المعترف بها دوليا. وتاريخيا، يقع كاريش خارج حدود لبنان التي يطالب بها، لكن البلد قال في السنوات الأخيرة إن حقل الغاز يقع جزئيا داخل حدوده.

وفي يوليو/تموز، بعد إرسال سفينة إنتاج وتخزين تابعة لشركة “إنرجيان” إلى حقل كاريش، أطلقت جماعة حزب الله ثلاث طائرات استطلاع مسيّرة في اتجاه السفينة، وقد أسقطها الجيش الإسرائيلي.

ومن المقرر حاليا أن تبدأ الأعمال الأولى لاستخراج الغاز، وهي خطوة إسرائيلية وصفها زعيم حزب الله، حسن نصر الله، بأنها “خط أحمر”.

وردا على ذلك حذر وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، نصر الله من أي هجوم قائلا إن “الثمن سيكون لبنان”.

سفينة بحرية تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) في البحر الأبيض المتوسط قبالة بلدة الناقورة جنوبي لبنان، بالقرب من الحدود مع إسرائيل (صورة ارشيفية)

AFP
أعلن لبنان وإسرائيل حدودا متداخلة في شرق البحر الأبيض المتوسط

مقايضة

يعد إنتاج حقل كاريش، على الرغم من أنه حقل صغير نسبيا، جزءا من خطة إسرائيلية لتصدير الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، إذ تبحث دول الاتحاد عن بدائل للطاقة الروسية. وتهدف إسرائيل إلى توفير 10 في المئة مما كانت تصدره روسيا قبل غزوها لأوكرانيا.

في ذات الوقت يأمل لبنان، الذي يعاني من شلل بسبب نقص حاد في الكهرباء في ظل أزمة اقتصادية، أن يعثر على احتياطيات غاز كبيرة في قانا، الذي يمتد إلى المنطقة المتنازع عليها. ويمكن أن تستخدم تلك الاحتياطيات بعد ذلك خلال سنوات طوال لتوليد الطاقة محليا والتصدير.

ويقول ديفيد وود، كبير محللي الشؤون اللبنانية في مجموعة الأزمات الدولية: “ينظر السياسيون اللبنانيون إلى هذا باعتباره الطريق المحتمل لتحقيق انتعاش اقتصادي”.

وكان مكتب الرئيس اللبناني، ميشال عون، قد نشر تغريدة يوم الاثنين يقول فيها إنه “يتوقع عرضا مكتوبا … بشأن ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل بنهاية الأسبوع”.

وإذا صح الأمر، فسوف يشكل هذا خطوة مهمة للغاية في الدبلوماسية المكوكية للوسيط الأمريكي، آموس هوشستين.

وقال مسؤول في واشنطن لبي بي سي إن هوشستين يواصل “مشاركته القوية لإنهاء مناقشات الحدود البحرية”.

وأضاف: “نواصل تضييق الهوة بين الطرفين ونعتقد أن التسوية الدائمة ممكنة”.

وعلى الرغم من عدم الكشف عن أي تفاصيل رسميا، فثمة أنباء عن أن العرض ينطوي على قيام لبنان بنقل مطالبته الحدودية من الجزء الشمالي من كاريش في مقابل السماح له بالسيطرة على قانا.

ومن الممكن أن تطلب إسرائيل مستقبلا حصة من أرباح قانا، إذا ثبتت فعالية الغاز، أو تعويضا مناطقيا.

وتوجد مسألة حساسة أخرى في المفاوضات تتعلق بما إذا كان الاتفاق على الحدود البحرية سيكون له أي آثار على السيادة على امتداد الساحل المشترك وأراض أخرى.

صورة جوية لمنصة تأسيس في حقل ليفياثان للغاز الطبيعي، في البحر الأبيض المتوسط، قبالة سواحل حيفا (صورة أرشيفية)

Reuters
تقوم إسرائيل بالفعل بتطوير حقول الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط

حسابات سياسية

بالنسبة لزعيمي البلدين، الحريصين على إظهار انتصارهما، فالوقت يمر.

من المقرر أن يغادر ميشال عون منصبه في 31 أكتوبر/تشرين الأول، ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لابيد، انتخابات برلمانية في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني.

وتقول أورنا مزراحي، الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي ومقره تل أبيب: “بالنسبة لإسرائيل، فإن الاتفاق على الحدود البحرية هو في الواقع حل لتهديد أمني استراتيجي”.

وتؤكد على أهمية الاتفاق الذي من شأنه أن ينزع فتيل مصدر صراع محتمل بين إسرائيل وجماعة حزب الله، المدججة بالسلاح والمدعومة من إيران. لكنها تقول إن ثمة حذرا كبيرا لدى المؤسسة العسكرية.

ولإسرائيل ولبنان تاريخ من الحروب الدامية، بينها غزو شنته إسرائيل للبنان خلال الحرب الأهلية في عام 1982. كما أشعلت غارة حدودية شنها مقاتلو حزب الله، في عام 2006، حربا استمرت شهرا.

وتقول مزراحي: “الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى منذ شهور وهو مستعد لكل سيناريو. ربما يستطيع نصر الله أن يفعل شيئا، ليس ضد منصة استخراج الغاز، ولكن على طول الحدود”.

وتضيف: “ربما يود (نصر الله) صراعا عسكريا محدودا يخدم مصالحه لأنه يحتاج لأن يُنظر إليه على أنه المدافع عن لبنان، ليبرر بذلك حاجة لبنان إلى هذه الميليشيا المستقلة القوية جدا”.

وبدأت المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل ولبنان للمرة الأولى قبل 10 سنوات، مع اكتشاف رواسب قيمة من الغاز الطبيعي البحري.

بيد أن الجهود السابقة التي قادتها الولايات المتحدة لحل الخلاف بين الطرفين باءت بالفشل.

ويعتقد خبراء أن الاتفاق، هذه المرة، الذي وصفه ديفيد وود، من مجموعة الأزمات الدولية، قبل أشهر بأنه “غير متوقع”، ممكن الآن.

ويقول وود إن ثمة دافعا إضافيا لدى المسؤولين الإسرائيليين وهو الاعتقاد بأن “المصالح الأمنية الإسرائيلية تُخدم على أكمل وجه عن طريق إعادة بناء الاقتصاد اللبناني بدلا من تفاقم الأزمة”.

ويضيف أن “المكاسب السياسية” الأخرى تتمثل في “إظهار أن لبنان وإسرائيل يمكنهما حل الخلافات بالطرق الودية أو الدبلوماسية من خلال التفاوض وليس اللجوء إلى العنف”.

وفي الأوقات الصعبة، قد يعطي ذلك أخبارا مشجعة للقادة الأمريكيين والأوروبيين وكذلك المستثمرين المحتملين.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.