الملكة إليزابيث الثانية: هل نشهد بوفاتها نهاية افتتان الولايات المتحدة بالتاج البريطاني؟

بالنسبة لأولئك المفتونين بعلاقة أمريكا مع النظام الملكي البريطاني، ربما قليلة جدا الأسابيع في التاريخ التي يمكن مقارنتها بذاك الذي بدأ مع وفاة الملكة إليزابيث الثانية.

تم تنكيس العلم الأمريكي جزئيا، ووضعت الزهور وعبارات التكريم أمام السفارة البريطانية، وبثت القنوات الإخبارية تغطية شاملة لوفاة ملكة لم يلتق بها سوى عدد قليل من الأمريكيين: صاحبة الجلالة الملكة إليزابيث الثانية.

قالت كريستين ماينزر، التي شاركت في تقديم بودكاست The Royal Report في نيوزويك: “لطالما أشرت إلى العائلة المالكة البريطانية على أنها أطول مسلسل من مسلسلات تلفزيون الواقع على هذا الكوكب، فقد شهد آلاف السنين من الزيجات والطلاق وقطع الرؤوس والعلاقات”.

الملكة إليزابيث الثانية: حياة في صور

كيف ارتبطت الملكة إليزابيث الثانية بأفريقيا حتى قبل أن تتوج ملكة؟

وتضيف “لقد طردنا البريطانيين من هنا – وبكل فخر – ولكن حالنا حال الكثيرين ممن ينفصلون عن شريك أو حبيب، في بعض الأحيان تبقى لدينا الرغبة في معرفة ما يفعله أو ما يخطط لفعله”.

فلماذا على الرغم من إطلاق ثورة كاملة للتخلص من الحكم البريطاني، لا يزال بعض الأمريكيين مفتونين بشكل دائم بالتاج البريطاني؟ هل يعود ذلك فقط إلى حب الأبهة والفخامة والضعف أمام اللكنة البريطانية المميزة؟

بالتأكيد لا ، هذا ما قالته غيل ستيفر، عالمة النفس المتخصصة في المشاهير وقواعدهم الجماهيرية. ترى ستيفر أن ذلك مرده هو أن الملكة عاشت كل فترة حكمها التي استمرت 70 عاما بكل ما فيها من أفراح ومشكلات أمام أعين الجمهور، فقد خلق ذلك لدى الكثيرين في جميع أنحاء العالم إحساسا حقيقيا بالتواصل معها بصورة مماثلة لما يمكن أن يكون في أي علاقة أخرى.

وقالت: “من الطبيعي تماما أن تحزن على فقدان شخص – حتى شخص لم تقابله في حياتك – إذا كان شخصا تعرف الكثير عنه… لقد منحت الملكة الكثيرين شعورا بالراحة والاستقرار فقدناه الآن بسبب رحيلها”.

في حين أنه من المؤكد أن ليس كل الأمريكيين مهووسين بالملكة وببريطانيا بطبيعة الحال، إلا أنه بالنسبة إلى أولئك المتابعين المتحمسين للملكة والعائلة المالكة في بريطانيا، كان الشعور بالحزن لفقدها عميقا للغاية.

وجهات نظر مختلفة حيال إرث الملكة إليزابيث الثانية في أفريقيا

كيف سحرت الملكة إليزابيث الثانية ملايين الهنود؟

خلال الأسبوع الماضي، كانت دونا ويرنر مترددة في الرد على هاتفها، وبدلا من ذلك، اعتكفت في منزلها في كونيتيكت على بعد آلاف الأميال من لندن، حيث اختارت أن تعيش حزنها بهدوء.

وقد قدرت السيدة ويرنر البالغة من العمر 70 عاما، والتي وصفت نفسها بأنها “من أشد المعجبين” بالملكة والعائلة المالكة، أنها زارت المملكة المتحدة مئة مرة خلال ما يقرب من 40 عاما، وكانت تلك الزيارات في أغلبها للاحتفال بمناسبات ملكية بارزة.

كانت ويرنر حاملا بابنها عندما نامت لأول مرة خارج كنيسة دير وستمنستر عشية زفاف الأمير أندرو من سارة فيرغسون. وعلى الرغم من أن لديها مشاكل صحية، إلا أنها كانت من بين المهنئين الذين احتفلوا باليوبيل البلاتيني للملكة في يونيو/ حزيران الماضي.

وقالت السيدة ويرنر لبي بي سي نيوز وهي تشاهد نعش الملكة في موكبه الأخير يجوب شوارع إسكتلندا، إن وفاة الملكة جعلتها تشعر “بالحزن والفراغ”.

و أضافت ضاحكة “أصدقائي هنا يعتقدون أنني مجنونة. لكنني لا أهتم للأمر”.

وتابعت قائلة: “كانت الملكة تمتلك شخصية فريدة امتزجت فيها شخصية الأم بشخصية النجم المشهور”.

واللافت في الأمر أن هذا الإحساس بالسحر والإجلال ما زال باقيا لدى بعض الأمريكيين الذين التقوا بالملكة شخصيا. لقد مر أكثر من 15 عاما منذ أن حظي لي كوهين، المستشار السابق للكونغرس الأمريكي، بلقاء قصير مع الملكة إليزابيث الثانية، لكن صوته لا يزال يرتعش من الإثارة لدى حديثه عن ذاك اللقاء.

على الرغم من إعطائه تعليمات صارمة بعدم الانحناء أو لمس الملكة خلال زيارتها الرسمية في عام 2006، قال كوهين إنه كان متوترا للغاية لدرجة أنه قام تلقائيا بمد يده – وشعر بالارتباك عندما صافحته الملكة على الفور.

“أعتقد أنني شعرت بقدماي ترتجفان وبأن لساني قد عُقد، لكنني تمكنت من القول بصوت متهدج: “يا صاحبة الجلالة، إنه لشرف عظيم أن ألتقي بك.. وهو شرف سأحمل ذكرياته معي إلى القبر”.

ويمضي كوهين للقول: “[الأمريكيون] يشعرون بهذا الافتتان لذاك السحر الذي لا يقاوم لأن لدينا بريق هوليوود، ولدينا فخر بكوننا أميركيين، لكن ما نفتقر إليه هو الجلال والعظمة التي تُميز الملوك”.

والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان سيُنظر إلى الملك تشارلز بنفس عين الرضا تلك، فبالإضافة إلى ما ترافق معها من مشاعر حزن لدى البعض، أثارت وفاة الملكة إليزابيث جدلا حول إرث الاستعمار والإمبراطورية البريطانية داخل أمريكا الشمالية والعالم بأسره. ويبدو أنه سيتعين على الملك تشارلز أن يحسب حسابا لهذا الإرث – وأن يتعامل مع درجة قبول لدى الجماهير أقل من تلك التي تمتعت بها والدته.

بريطانيا: بداية عهد جديد

كيف كانت علاقة الملكة إليزابيث الثانية مع الأميرة ديانا؟

من هم أعضاء العائلة المالكة البريطانية؟ وما هي مهام الملك؟

في حين تمتعت الملكة بنسبة قبول ساحقة في الولايات المتحدة – إذ قال ما يقرب من 70 في المئة من الأمريكيين إنهم ينظرون إليها بشكل إيجابي – وجد استطلاع أجراه موقع شركة YouGov لأبحاث الأسواق وتحليل البيانات عام 2021 أن الآراء حول ابنها الأكبر ووريثها كانت غير مرضية، إذ قال ما يقرب من نصف الأمريكيين (47 في المئة) إنهم يتبنون وجهة نظر غير مواتية للأمير تشارلز حينها. وفي استطلاع حديث أجراه موقع ليدجر ( Leger) لاستطلاع الآراء، قالت الأغلبية – حوالي 61 في المئة من الأمريكيين – إنهم غير مبالين بأن تشارلز أصبح الآن ملكا.

عزت كريستين ماينزر، المشاركة في تقديم بودكاست The Royal Report، عدم شعبية الملك تشارلز إلى عدم رضا الشارع على رد فعل العائلة المالكة على وفاة زوجته الأولى، الأميرة ديانا. مثل العديد من الأمريكيين، قالت ماينزر إنها وقعت في البداية في حب القصة الخيالية الرومانسية لأميرة كانت غير معروفة، وقُدر لها أن تصبح ملكة.

ومع انهيار تلك القصة الخيالية الرومانسية، قالت ماينزر إن اهتمامها بالعائلة المالكة بات من منظور واضح ربما لا يمتلكه إلا شخص خارجي. وهي تخشى الآن أن العائلة المالكة قد تكرر نفس الأخطاء مع الأمير هاري وزوجته ميغان.

وقالت: “أعتقد أن الكثير من الأمريكيين شعروا وما زالوا يشعرون بالرغبة الشديدة في حماية ميغان وهاري، إننا نشعر حيال ميغان بأن هذه هي أميرتنا.. إنها شخص يشبه الكومنولث إلى حد ما – فالعائلة المالكة كان لديها كل هذه الأشياء الرائعة في حزمة واحدة متجسدة في شخص ميغان، لكنها دمرتها ولماذا؟ لأنك لا ينبغي أن تشكو أبدا، ولا أن تشرح أبدا؟”.

(عادة ما ينسب شعار لا ينبغي أن نشتكي أبدا ولا أن نشرح أبدا، للعائلة المالكة في بريطانيا، ويعتقد أنه قاعدة غير مكتوبة تلتزم بها العائلة المالكة إذ تحجم عن التعليق على الكثير من القضايا الخاصة).

وافقت أماندا ماتا، وهي أمريكية متتبعة متحمسة للعائلة المالكة البريطانية، يتابعها الكثيرون على موقعي التواصل الاجتماعي تيك توك وإنستغرام، على أن العديد من المعجبين الأمريكيين بالعائلة المالكة قد انزعجوا بعد تخلي ميغان وهاري عن واجباتهما الملكية.

وقالت: “انتهى الأمر بجعل الناس يعيدون التفكير في المؤسسة… وبالنسبة لي أدركت أنه يمكننا التفكير بشكل نقدي، ليس فقط بشأن ما فعله أفراد العائلة المالكة في الماضي، ولكن فيما يواصلون فعله الآن وحتى في المستقبل”.

على الرغم من أنها تدرك أن النظام الملكي يحافظ تقليديا على الحياد ويظل فوق الصراع السياسي، إلا أن السيدة ماينزر قالت إنها مهتمة بمعرفة ما إذا كان هذا الجيل الجديد سيتخذ موقفا أكثر وضوحا وعلنية لمعالجة قضايا مثل العنصرية والاستعمار.

وقالت: “أعتقد أن الناس سيظلون مفتونين بالعائلة المالكة.. لكن الملك تشارلز والأمير وليام سيكون أمامهما فراغ كبير عليهما سده، إذ لن يكون أحد مثل الملكة مطلقا”.

وتتابع “لكن ربما يمكنهما أن يصنعا أدوارا خاصة بهما تكون أكثر حداثة قليلا”.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.