ملفات أوبر: الشركة ضغطت لكسب تأييد وزراء بريطانيين بارزين

تظهر الوثائق أن (وزير المالية الأسبق) جورج أوزبورن والوزير ساجد جاويد كانا من أبرز المسؤولين الذين ألتقوا بممثلي أوبر

BBC
تظهر الوثائق أن (وزير المالية الأسبق) جورج أوزبورن والوزير ساجد جاويد كانا من أبرز المسؤولين الذين ألتقوا بممثلي أوبر

كشفت ملفات ووثائق مسربة بأن شركة أوبر لسيارات الأجرة مارست ضغوطا على مسؤولين بريطانيين كبار في اجتماعات غير معلنة بينما كانت تقاوم قيوداً كانت ستفرض على عملياتها في بريطانيا.

وتظهر الوثائق المسربة أن عمدة لندن آنذاك – رئيس الحكومة المستقيل بوريس جونسون – كان “الهدف الأساسي” لاستراتيجية الضغط التي كانت تتبعها أوبر.

ويقول ناشطون إن الاجتماعات التي جمعت بين ممثلي الشركة والمسؤولين البريطانيين تفضح المثالب التي تحتوي عليها قواعد السلوك الوزاري المعمول بها.

أما السياسيون المعنيون، فيقولون إن كل أصول وقواعد محاولات كسب التأييد قد اتبعت وأن كل الاجتماعات المتعلقة بالعمل قد أعلن عنها.

وتكشف مجموعة كبيرة من وثائق ومراسلات أوبر الداخلية يزيد عددها عن 124 ألف وثيقة وملف – سربت إلى صحيفة الغارديان، واطلعت عليها الشراكة الدولية للمراسلين التحقيقيين وبرنامج بانورما لبي بي سي – عن كيفية قيام أوبر بمحاولة الضغط على كبار السياسيين من أجل كسب دعمهم في وقت كانت الشركة تحاول تقويض قطاع سيارات الأجرة في أوروبا والفوز بحق العمل في السوق البريطانية المربحة.

وفي بريطانيا تحديداً، تمكنت حملة أوبر الخفية من الوصول إلى قمة هرم الحكومة. وتسجل الملفات المسربة وقائع سلسلة من الاجتماعات غير المعلنة التي شارك فيها ممثلو الشركة وجماعات الضغط العاملة نيابة عنها وأعضاء بارزون في الحكومة السابقة.

وتشمل القائمة اجتماعات مع وزيرة الداخلية الحالية بريتي باتيل والمتنافس على زعامة حزب المحافظين الحاكم ساجد جاويد والوزير المقال مؤخراً مايكل غوف.

ومن المرجح أن يثير هذا الكشف المخاوف مجدداً من إمكانية أن تكون المقترحات التي كان من شأنها التأثير على نشاط أوبر في لندن قد تم التجاوز عنها نتيجة الضغوط التي مارسها الوزراء المعنيون على بوريس جونسون.

وحسب الملفات المسربة، فإن مسؤولي أوبر قالوا لاحقاً إن وزير المالية الأسبق جورج أوزبورن يعد نفسه “مسؤولاً” عن “النتائج الإيجابية” التي تمخضت عنها الاجتماعات.

إلا أن سو هولي، الرئيسة التنفيذية لجماعة “سبوتلايت أون كورابشن” التي تهدف للكشف عن الفساد، قالت إنه كان ينبغي الإعلان عن هذه الاجتماعات.

وأكدت، “انتهكت هذه الاجتماعات بالتأكيد روح الضوابط والشروط”، رغم أن هذه الضوابط من المرونة بحيث يمكن القول إنها (أي الاجتماعات والاتصالات) لم تخل بنصوصها.

وأضافت، “هذه الشركة مثار جدل كبير. ولذا اعتقد أنه من الغريب أن هذا العدد الكبير من الوزراء لم يعلنوا عن اجتماعاتهم مع ممثليها”.

“لندن هي الهدف الأكبر”

ووجهت أوبر منذ وصولها إلى لندن في عام 2012 بمعارضة قوية من سائقي سيارات الأجرة السوداء التقليدية في العاصمة البريطانية الذين رأوا أنها (أي أوبر) تجني أجوراً أقل منهم وتهدد مصدر رزقهم.

وفي عام 2014، تسببت الاحتجاجات التي نفذها سائقو سيارات الأجرة التقليدية بعرقلة الحركة في أجزاء من لندن.

سائقة سيارات الأجرة يحتجون في لندن في 26 مايو 2015

Getty Images
سائقة سيارات الأجرة يحتجون في لندن في 26 مايو 2015

وكان العمدة آنذا، بوريس جونسون، متردداً في التواصل مباشرة مع أوبر نظراً لطبيعتها المثيرة للجدل.

ولكن وثيقة داخلية تتعلق باستراتيجية الشركة حررت في عام 2014 وصفت لندن بأنها “هدف حيوي” من أجل نجاحها، وأن جونسون هو “الهدف الأكبر” لحملة النفوذ التي كانت تخوضها أوبر.

وجاء في تلك الوثيقة، “أن العمدة يظل الشخصية المحورية في حاكمية مدينة لندن، ولذا فهناك حاجة ملحة لإيصال صورة إيجابية عن أوبر إلى بوريس (جونسون) من جانب شخصيات يحترمها ويثق بها”.

وتكشف ملفات أوبر كيفية عمل حملة الضغط تلك.

وتظهر الوثائق أنه في شهر تموز / يوليو 2014، زار ممثلو أوبر مقر رئيس الحكومة في 10 داونينغ ستريت للاجتماع بمستشاري رئيس الحكومة آنذاك ديفيد كاميرون.

وقال هؤلاء الممثلون في تقرير رفعوه لأوبر إنهم “حصلوا على معلومات استخبارية مهمة عن مكتب عمدة لندن”.

وحسب الملفات المسربة، فإن ممثلي جماعة الضغط كانوا واثقين بأن جهودهم ستجني ثمارها. وجاء في رسالة إلكترونية أن “الأفراد الكبار في طاقم كاميرون يؤيدوننا بقوة”.

وتكشف الوثائق بأن ممثلي أوبر اجتمعوا أيضاً بساجد جاويد – الطامح حالياً للفوز بزعامة حزب المحافظين – الذي كان يتولى آنذاك حقيبة الثقافة ووسائل الاعلام والرياضة – ومات هانكوك وزير شؤون الأعمال في تلك الفترة، أثناء زيارتهم لمقر رئيس الحكومة.

وقال متحدث باسم جاويد إن “الوزارات المعنية ليس لديها أي سجل بالاجتماع الذي يقال إنه جرى.”

أما المتحدث بإسم هانكوك فقال إن سياسة الحكومة كانت تقتضي اجتذاب شركات التكنولوجيا إلى بريطانيا وإن كل جهوده (أي هانكوك) كانت قانونية وأعلن عنها حسب الأصول”.

عشاء كاليفورني صغير

في الشهر التالي، دعي الرئيس التنفيذي – المثير للجدل – لشركة أوبر ترافيس كالانيك إلى مأدبة عشاء صغيرة أقيمت في مسكن احدى كبريات موظفي شركة غوغل في ولاية كاليفورنيا الأمريكية حضرها أيضاً وزير المالية البريطاني الأسبق جورج أوزبورن.

كانت المأدبة بدعوة من راشيل ويتستون، زوجة ستيف هيلتون، الذي كان يعمل آنذاك مدير الاستراتيجيات لدى رئيس الحكومة كاميرون. وكانت ويتستون تعمل مع هيلتون في شركة تلفزيون كارلتون وفي مقر حزب المحافظين أيضاً.

وكانت ويتستون تعمل وقت المأدبة نائبة رئيس شركة غوغل لشؤون الاتصالات والسياسات العامة، وكانت غوغل واحدة من كبريات الشركات المستثمرة في أوبر. وانتقت للعمل لدى أوبر في السنة التالية.

وتوضح رسالة وجهها مدير السياسات العامة في أوبر كوري أوينز لكالانيك بأن الشركة (أوبر) تعد المأدبة بمثابة فرصة للترويج لموقفها لدى وزير المالية وليس كمناسبة اجتماعية فحسب.

وجاء في الرسالة ما نصه، “اعتقد بأنه من المفيد والمجدي أن تقوم بذلك (أي حضور المأدبة). فنحن سنرتب لك لقاءاً بأوزبورن في لندن، ولكن هذه مناسبة أكثر خصوصية يغيب عنها المسؤولون موظفو مكتبه.”

ولم يعلن أوزبورن عن هذا اللقاء.

وقالت هولي لبي بي سي “هذا (أوزبورن) شخص معروف شخصياً جداً لرئيس الحكومة، مما فتح الأبواب لغيره من الوزراء للحذو حذوه.”

ومضت للقول: “وأعتقد أن ذلك أمر مقلق جداً، ويعزز الانطباع بأن الشركات الكبرى هي التي تضع برامج الحكومة. وهذا أمر مضر جداً لديمقراطيتنا.”

ولكن محامي ويتستون قالوا إن مأدبة العشاء رتبت “نزولا عن رغبة وزير المالية الأسبق من أجل مناقشة شؤون الابتكارات مع كبار شخصيات سيليكون فالي (مكان تجمع شركات التقنية الأمريكية الكبرى في ولاية كاليفورنيا)” وأنها (أي ويتستون) لم “تستغل بشكل غير لائق علاقاتها الشخصية بسياسيين بريطانيين”.


هل ينبغي على الوزراء أن يعلنوا عن اجتماعاتهم الخاصة؟

تحدّد مدونة السلوك الوزاري ما على الوزراء البريطانيين عمله وتجنبه. والوزراء الذين يثبت انتهاكهم لبنودها يتوقع منهم أن يستقيلوا من مناصبهم.

وجاء في نسخة 2010 من مدونة السلوك، والتي كانت سارية المفعول عندما جرت هذه الاجتماعات، أن “الوزراء يلتقون بعدد كبير من الشخصيات والمنظمات ويأخذون في نظرهم طيفاً واسعاً من الآراء كجزء من عملهم على بلورة سياسات الحكومة. وعلى الوزارات نشر تفاصيل الاجتماعات الخارجية التي يحضرها الوزراء مرة كل ثلاثة شهور على الأقل”.


بحلول عام 2015، كانت سلطة النقل في لندن تتدارس تطبيق سلسلة من الإجراءات كان من شأنها تقويض تنافسية أوبر إلى حد كبير وتحجيم نموها السريع، منها الانتظار لمدّة خمس دقائق بين لحظة طلب سيارة الأجرة ولحظة وصولها.

وفي ذلك الوقت، كشف جونسون – الذي كان يشرف على سلطة النقل باعتباره عمدة لندن – بأنه تعرض للكثير من الضغوط ومحاولات التوسط لإقناعه على اتخاذ موقف ليّن مع أوبر. كتب جونسون بأنه تعرض لسيل جارف من الطلبات التي تقدم بها اليه “محافظون مؤمنون بحرية السوق” كانوا يعارضون تشديد الشروط المفروضة على سيارات الأجرة الخاصة.

وتكشف الوثائق المسربة بأن أوبر واصلت استهداف كبار شخصيات حزب المحافظين، علاوة على سياسيين من حزبي العمال والديمقراطيين الأحرار.

وفي شهر كانون الأول/ ديسمبر من تلك السنة، وفي اجتماع لم يعلن عنه أيضاً، التقى ساجد جاويد بعدد من موظفي أوبر الذين قالوا في تقرير رفعوه لاحقاً بأنه كان “مؤيداً بوضوح”.

وفي اليوم نفسه، التقى جاويد بجونسون ووزيرين آخرين في اجتماع نوقشت فيه مقترحات وطروحات سلطة النقل، وذلك حسب رسائل الكترونية تم الحصول عليها بموجب قانون حرية المعلومات ونشرتها صحيفة ديلي ميل اللندنية.

أما بريتي باتيل، التي تتولى الآن حقيبة الداخلية، فقد التقت بأحد أفراد مجموعة الضغط العاملة لصالح أوبر في باريس في كانون الثاني/ يناير 2016 عندما كانت تشغل منصب وزيرة الدولة لشؤون التوظيف. ولم يعلن عن ذلك الاجتماع هو الآخر.

“ضغوط كبيرة”

وتظهر الوثائق أن باتيل كتبت عقب الاجتماع مقترحة إقامة شراكة مع أوبر.

ولكن ناطقاً باسمها قال “لابد أن يحضر موظفون حكوميون اجتماعات كهذا، وهم مسؤولون عن تسجيل محاضر ما يجري فيها”.

وفي كانون الثاني/ يناير 2016 أيضاً، التقى مايكل غوف، الذي كان يتولى حينها منصب وزير العدل، بالسيدة ويتستون التي كانت تشغل في ذلك الحين منصب مديرة السياسات لدى أوبر. ولم يعلن عن هذا الاجتماع أيضاً.

وقال ناطق باسم وزارة العدل، “لم يجر أي اجتماع رسمي” في كانون الثاني/ يناير 2016.

وفي الشهر ذاته، صرف النظر عن مقترحات سلطة النقل التي كانت ستلحق ضربة قوية بأوبر. ووصفت أوبر ذلك بأنه “نصر للمنطق السليم”.

وقال جونسون، لدى سؤاله أمام مجلس بلدية لندن عما اذا كان تعرض “لحملة ضغط كبيرة من جانب الحكومة” نيابة عن أوبر، إنه “لا ينفي ذلك”.

وتظهر ملفات أوبر أن أوزبورن التقى بترافيس كيلينيك بعد فترة قصيرة من صرف النظر عن مقترحات سلطة النقل، وذلك في منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا. ولكن تم الإعلان عن هذا اللقاء.

وكتب أحد أفراد جهة الضغط العاملة نيابة عن أوبر في رسالة إلكترونية عقب ذلك الاجتماع أن “جورج أوزبورن داعية قوي، وأنه يحب أن يعتقد بأنه مسؤول عن النتيجة الإيجابية التي تمخضت عنها المشاورات الاستشارية”.

وقال ناطق بإسم أوزبورن، “تم الإعلان بحسب الأصول عن كل الاجتماعات التي نوقشت فيها السياسات التي تؤثر على الشركات”، مضيفاً أنه كان من صميم سياسة الحكومة المعلنة الترويج لشركات التكنولوجيا وإقناعها بالاستثمار في بريطانيا.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.