ما التحديات الجديدة التي يواجهها الفنانون السعوديون وسط التحولات التي تشهدها المملكة؟

“عندما كنت صغيرا يغالبني النوم وأنا أجلس على المقعد الخلفي في سيارة والديّ، كانت رائحة بساتين النخيل القائمة عند مشارف البلدة تخبرني بأنني على وشك الوصول إلى المنزل”…هكذا يتذكر غسان الخنيزي الذي نشأ وترعرع في مدينة القطيف بالمنطقة الشرقية بالسعودية.

يتحدث غسان بينما يجلس في منزل صديقه الفنان حسين المحسّن. ومن المقرر أن يُهدم المبنى في إطار مسيرة التحديث المستمرة بلا هوادة في المملكة، إذ سيتم إنشاء طريق سريع جديد يمر عبر الحي.

يتحدث كلاهما بإيجابية عن ذلك، إذ يقولان إن تعويضا كاملا عُرض على المتضررين، وإن ثمة حاجة لمثل هذه المشروعات لجعل الحياة في المدينة أكثر سهولة ويسرا.

وبينما يقفان في غرفة كبيرة تكتظ باللوحات والمطبوعات الحجرية والكتب، يقولان إن الذكريات الملموسة التي سيفقدانها ستظل محفوظة في وجدانهما وفي فنهما. بساتين النخيل التي يتذكرها غسان من طفولته في الستينيات اختفت بالفعل منذ وقت طويل.

هل أسهم محمد بن سلمان في تنامي “الشوفينية” في السعودية؟

تحويل قصور تاريخية في السعودية إلى فنادق سياحية فاخرة

على بعد 45 دقيقة بالسيارة، يضم مجمع متاحف ضخم بعضا من أحدث إنتاجهما الفني في معرض يجمع بين الفنانين السعوديين من شرق البلاد وغربها، ويتناول ما يعنيه مفهوم المكان لهم.

يقف ذلك الصرح الهائل على حافة طريق سريع في ضواحي الخبر، وهي مدينة مطلة على ساحل الخليج العربي تجاورها مدينتا الدمام والظهران. يهدف التصميم، وهو على شكل مجموعة من الحجارة الضخمة، إلى محاكاة السمات الطبيعية للمكان.

ويعود تاريخ مركز الملك عبد العزيز الثقافي – المعروف بمركز “إثراء” – إلى نحو عقد مضى، قبل وقت طويل من بدء التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة التي شهدتها الأعوام القليلة الماضية بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. يتدفق المواطنون السعوديون والمغتربون على المركز في المساء للاستمتاع بمعارض التاريخ الطبيعي والإسلام والفن الحديث، فيما يجلس موسيقي يعزف منفردا على العود في بهو الدخول الشاسع.

ويقول مدير “إثراء” المعين حديثا عبد الله الراشد إن المركز كان رؤية رائدة سابقة لعصرها في المشهد الفني والثقافي بالمملكة العربية السعودية، في وقت كانت قد بدأت فيه البلاد لتوها في الابتعاد عن التفسير شديد المحافظة للدين الإسلامي، حيث كان هناك حظر، سواء معلن أو غير معلن، على غالبية أشكال التعبير الفني.

ويقول الراشد إن المركز صُمم ليكون مستعدا لاحتضان التغيير عندما يحدث – على سبيل المثال، أقيمت دار عرض سينمائي بأحدث الوسائل التكنولوجية داخل المجمع في وقت كان عرض الأفلام السينمائية في الأماكن العامة لا يزال حلما بعيد المنال.

أما الآن، فتذخر المملكة بدور السينما، وتوجد قائمة متنوعة للأنشطة الترفيهية في المدن الرئيسية. لكن الراشد يقول إن هدف المركز الذي يديره لم يكن مطلقا تجاوز الحدود أو الاستفزاز، بل المساعدة على توسيع الرقعة التي يستطيع الفن والثقافة النمو بداخلها في السعودية.

السينما السعودية تخرج إلى الضوء من خلال أول مهرجان لها في جدة

لماذا أصبحت السينما في السعودية فجأة أمرا عاديا؟

عرض أول فيلم سينمائي بالسعودية منذ نحو 40 عاما

قصيدة في مدح الماضي

على الجانب الآخر من المعارض العامة بالمركز – وراء متحف الأطفال والمعرض التفاعلي لأغاني شهر رمضان التقليدية – يوجد معرض “أماكن” الذي يعد مثالا على هذه المقاربة.

وتقول فينيشا بورتر منظمة المعرض وأمينة قسم الفن الإسلامي والشرق أوسطي المعاصر بالمتحف البريطاني إنها اختارت عنوان المعرض بعد أن سمعت بأغنية “الأماكن” للمطرب السعودي الشهير محمد عبده. تتردد أصداء الإيقاع الحزين للأغنية في جنبات القاعة، بينما يصف عدد من الفنانين كيف حاولوا إيجاد مكان لهم في بلد لم يكن يعبأ كثيرا في الماضي بمثل هذه الأشكال من التعبير عن الذات، لكنه صار حاليا يخصص مبالغ ضخمة من ميزانية الدولة لتطوير ثقافة حديثة تظل داخل حدود معينة.

عكف المصور بدر عواد البلوي على توثيق محيطه في مدينة الخبر – المعمار الذي يعود إلى فترة الستينيات والسبعينيات والذي صار باليا وشبه مهجور في وسط المدينة، وحياة الناس الذين لا يزالون يعيشون هناك. هناك فنان أخر يشتهر باسم إيمي كات، هذا الفنان فعل شيئا مماثلا لمدينة جدة.

كان كات من كبار رجال الأعمل في السعودية خلال الثمانينيات، ثم عمل مصورا للأزياء في الولايات المتحدة، وهو الآن فنان مفاهيمي. أقام لبضعة شهور في منطقة البلد – وهي المركز القديم لجدة والتي يتم الآن هدمها حيا تلو الآخر.

اللوحة التجريدية ذات اللونين الأزرق والأبيض تعكس جدران جدة – المدينة التي يطلق عليها اسم عروس البحر الأحمر. يقول كات إن الأزرق يمثل المياه والأبيض رمز لفستان العروس.

في الغرفة ذاتها يوجد حائط أفقي آخر يتكون من أنقاض عثر عليها في منطقة البلد وقد كتبت عليها الفنانة أسماء باهميم رسائل بأوراق الذهب.

قريبا، ربما ستكون أعمال الفنية كهذه هي كل ما تبقى مما كان في يوم من الأيام قلب مدينة جدة التجاري.

السلطات تعتبر المنطقة مجرد مجموعة من الأحياء الفقيرة، وليس مجموعة من الأماكن النابضة بالحياة التي لا تزال تعج بذكريات يُحزن السكانَ فقدانُها، في حين يحاول الفنانون السعوديون إيجاد طرق للاحتفاظ ببعض مما تبقى من روح تلك المنطقة في أعمالهم الفنية.

الأطفال والسحرة وعربة الأيس كريم المضاءة بالنيون هم أبطال فيلم قصير للمخرج محمد حماد المولود في جدة، والذي يصف فيلمه بأنه “قصيدتي الشعرية التي كتبتها في مدح هذا المكان الذي كان في وقت من الأوقات يذخر بالعجائب وأصبح شبحا للماضي في ذاكرتنا”.

مشهد آخر يشبه الحلم – ربما كان سيبدو في غير محله في السعودية قبل وقت ليس بالبعيد – تصوره لوحة ضخمة جريئة لفنان شاب آخر من مواليد جدة هو عبادة الجفري. تحتوي اللوحة على مخلوق “قنطور” أسطوري بنفسجي اللون وشخصيات من كارتون Powerpuff Girls وكثبان رملية تطل منها أعين يقظة.

كان الجفري قلقا بشأن عرض لوحة تكشف كذلك عما يدور في أعماقه: “إنها تتنقل بين موضوعات الذكورة والأنوثة وغيرها من النقاط المتعلقة بهويتي”. الفنان – الذي لا زال يقيم في جدة – يلفت الانتباه إلى عنوان اللوحة: “ذوات مستحيلة”.

هل تغير زيارة بايدن للسعودية “نهج” إدارته تجاه الشرق الأوسط؟

واقع مزدوج

بالعودة إلى القطيف، لا يزال هناك أثر صغير بال من آثار البلدة القديمة، حيث المصاريع الخشبية لباب منزل مهجور ترتعد قليلا عندما يهب نسيم هواء لافح داخل المبنى المشبع بالغبار.

لا أحد يعرف على وجه التحديد ماذا سيحدث لذلك المنزل. جدرانه المبنية من الطوب اللبن رُممت بالخرسانة، وهو إجراء مؤقت لمجرد ضمان عدم اتساع التصدعات.

السعودية تعلن إعدام ثلاثة جنود “أدينوا بالخيانة العظمى”

السعودية تطلق سراح علي النمر الذي حكم سابقاً بالإعدام

القطيف مستوطنة قديمة تعود إلى أكثر من 3000 عام – تاريخ عصر ما قبل الإسلام الذي كان يتم تجاهله في السعودية، ولكن يجري الآن استشكافه في إطار مساعي إعادة رسم ملامح الهوية الوطنية.

المنطقة التي يقطنها الكثير من أفراد الأقلية الشيعية بالبلاد شهدت العديد من الاضطرابات في السابق. وكان من بين من نُفذت فيهم أحكام الإعدام الجماعية التي أثارت انتقادات دولية بعض سكان المنطقة الذين اتهموا بالإرهاب.

البلدة التي كانت في لب مظاهرات حاشدة شهدتها البلاد قبل عدة أعوام، بلدة العوامية، تقع على بعد مسافة قصيرة من هنا. حيها القديم تعرض للهدم، وتقول السلطات إن الغرض هو التجديد والتحديث، لكنّ السكان المحليين قاوموا تدميره. هذا هو الجانب المظلم لما يعنيه مفهوم المكان في المملكة.

مكان السعودية ذاتها على الساحة الدولية يظل ذا حدين. بينما يتأهب الرئيس الأمريكي جو بايدن للقيام بزياة رسمية للملكة، لا زالت نظرة كثيرين من خارج السعودية إلى المملكة يخيم عليها مقتل الصحفي جمال خاشقجي، في حين أن التغيير لا يمكن تجاهله بالنسبة لجيل جديد يبدو مرحبا به.

والصحفيون الذين يغطون شؤون المملكة يجدون أنفسهم بين هذه القطبين المتنافرين عندما يحاولون إيجاد طريقة لوصف البلاد تقر بكلا هذين الواقعين.

قبل عشرة أعوام، كانت الرغبة البسيطة لفتاة سعودية في أن يُسمح لها بركوب دراجة هي الموضوع الرئيسي لفيلم طويل بعنوان “وجدة” للمخرجة السعودية هيفاء المنصور، والذي حظي بالاهتمام والثناء على المستوى العالمي بوصفه تعبيرا مبتكرا عن مفهومي الهوية والمكان في المملكة.

واليوم، على كورنيش جزيرة تاروت الواقعة في الخليج، تجلس فتاة صغيرة ترتدي غطاء رأس أسود على دراجتها، تترقب ما سيحمله لها المستقبل.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.