أوزوبيس: جمهورية الطرافة والفكر الحر

كاتبة هذه السطور سفيرة لدى جمهورية مستقلة، لديها حكومة وبرلمان ونشيد وعلم ودستور، لكنها سفيرة من دون أي صفة رسمية أو حقيبة دبلوماسية، وليس للدولة التي يفترض أن تمثلها يد في تعيينها، ولا علم لها به.

ليس في الأمر أحجية، أو لعب بالكلام. فالذي عينني في المنصب هو توماس سيبايتس، وزير خارجية جمهورية أوزوبيس التي تمتد على حي مساحته أقل من كلم مربع واحد ضمن الجزء القديم من العاصمة الليتوانية فيلنيوس، ولا يفصلها عن باقي الأحياء سوى نهر فيلنيا الرقراق، الذي لا يشبه أي حدود نعرفها.

كما لم يعترض على تعييني رئيس الجمهورية، روماس ليليكس، الذي التقيته في مكتبه الرئاسي الرسمي بين طاولات وكراسي “مقهى أوجوبيس” القابع على كتف النهر.

وحسبما أخبرني سيبايتس، عميد الدبلوماسية في الجمهورية التي تعتبر من الأصغر في العالم، والمسؤول عن اتصالاتها مع الخارج، والترحيب بالسفراء (المعتمدين من طرف واحد على الأغلب)، فحكومته لديها أكثر من 350 سفيرا من دول مختلفة، ونحو 1050 قنصلا، وإن كان هذا العدد خاضع للتغيير لأسباب عديدة.

ولا يحمل هؤلاء السفراء بالطبع صفة رسمية، وإن كانت تربطهم علاقات بأوزوبيس، ولديهم ومساهمات في نشاطها المتنوع من المجال الثقافي والإبداعي إلى نشر السلام وثقافة الحوار.

ولكن كما يقول سيبايتس، فوجودهم مهم جدا، للتواصل مع شعوب ودول أخرى، ونشر أفكار جمهورية أوزوبيس.

البوابة إلى هذه الجمهورية، عبارة عن جسر حجري صغير، وهي ليست محروسة، وعبورها لا يحتاج إلى تصريح، أو جواز سفر.

ولكن في الأول من أبريل/ نيسان من كل عام، في الذكرى السنوية لإعلان استقلالها في عام 1998، يمكن للقادمين ختم جوازات سفرهم بختم جمهورية أوزوبيس الخاص، والانفاق من عملتها الخاصة غير الرسمية، بينما يستمتعون بسلسلة من العروض الاحتفالية البهيجة التي يقام الكثير منها في الهواء الطلق.

حسر على نهر فيلنيا

Getty Images
نهر فيلنيا، لا يشبه أي حدود نعرفها، وعلى الجسر الصغير يضع العشاق أقفالهم

المواطنة في أوزوبيس

إذا كان عدد المقيمين في حي أوزوبيس يقارب الثمانية آلاف شخص، منهم نحو 1000 فنان، فإن عدد مواطني الجمهورية غير معروف تماما، إذ يكفي لأي راغب حسب الموقع الرسمي للجمهورية، أن يرفع صوته معلنا “أنا مواطن في جمهورية أوزوبيس”، أو يتقدم بطلب إلكتروني يتضمن أسئلة غير تقليدية “مثل ما هو لونك المفضل؟ وهل تحب التفاح؟”، أما الدستور فلا يمنح الجنسية لأحد ولا يسحبها من أحد.

وهذا ما يؤكده الرئيس روماس ليليكس، الذي يقول لبي بي سي إن “أوزوبيس للجميع، لكنها ليست ملكا لأحد”.

لكن، يتوجب على من يريد أن يصبح مواطنا في هذه الجمهورية أن يزورها مرة واحدة على الأقل.

ومن المواطنين الفخريين لهذه الجمهورية الدالاي لاما، والمخرج الأمريكي الراحل من أصل ليتواني جوناس ميكاس، الذي يعتبر الأب الروحي للسينما الأمريكية الطليعية.

إلا أن جنسية أوزوبيس لا تقدم لحاملها ميزات المواطنة المعروفة أو تحمله واجباتها، ووثائقها لا تمكنه من عبور أي حدود في العالم.

جمهورية أوزوبيس لديها دستورها الخاص أيضا، ونشيدها الوطني، وكذلك برلمان مؤلف من خمسة أعضاء، ومقر اجتماعاته هو المقهى نفسه الذي هو أيضا مقر رئاسة الجمهورية.

كما لحكومة جمهورية أوزوبيس رئيس وزراء، وعدد من الوزاء، يتغير، كما يخبرني الرئيس روماس ليليكس، لأن التغيير حتمي والأمر مسؤولية، والوزير يترك المنصب حين يجد نفسه غير راغب أو قادر على متابعة مسؤولياته.

وقد أصبح خمسة من الذين سبق لهم تقلدوا مناصب وزارية في جمهورية أوزوبيس، وزراء في الحكومة الليتوانية، كما يضم البرلمان الليتواني عددا من مواطني الجمهورية الصغيرة، إضافة إلى أن عمدة فيلنيوس السابق من أوزوبيس أيضا.

واختيار الوزراء وأعضاء الحكومة والبرلمان يقوم أولا على رغبتهم في التطوع لخدمة لهذه الجمهورية، ومن ثم الانتخاب.

ماض قاتم

كلمة أوزوبيس، تعني بالغة الليتوانية ما بعد النهر أو الضفة الأخرى للنهر، والمنطقة تقريبا محاطة بنهر فيلنيا، وقد ظهر الاسم على سندات عمليات بيع عقارية موثقة للمرة الأولى عام 1641.

لم يكن ماضي أوزوبيس يشبه الأجواء الفنية الأدبية البوهيية المتسامحة التي تسود الحي – الجمهورية المستقلة الآن.

تاريخيا، كان أغلب سكان الحي من اليهود، لكن معظمهم قتلوا قبل نهاية عام 1941 خلال فترة سيطرة ألمانية النازية على ليتوانيا، وهجرت بيوتهم وتداعت بفعل الزمن والاهمال.

وتحول الحي إلى تجمع للفئات الفقيرة المهمشة والمشردين والعاملات في الدعارة مع نسبة جريمة عالية، بحيث كان دخوله ليلا يحتاج إلى شجاعة حقيقية أو روح مغامرة، ولكنه في الوقت نفسه كان أيضا مسكنا للعديد من الفنانين والكتاب والموسيقيين والشعراء.

وكما يقول الرئيس روماس ليليكس “أهم شيء بالنسبة لنا هو العيش معا، ومن دون عدائية. في الماضي كانت نسبة الجريمة تصل إلى 99 في المئة، في حين أنها الآن من أكثر المناطق أمانا وسلاما في العالم، مع بعض الاستثناءات بالطبع، فأوجوبيس ليست الجمهورية الفاضلة”.

ما بين الجدية والطرافة وتحقيق الأمنية

بعد عدة سنوات من إعلان جمهورية ليتوانيا استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1990، أعلن سكان أوزوبيس في 1 أبريل/ نيسان عام 1998 حيّهم جمهورية مستقلة، ومن أبرز الذين كانوا وراء هذه الفكرة روماس ليليكس المخرج وكاتب الأغاني، وتوماس سباتيس المترجم من الإنجليزية إلى الروسية والليتوانية وهو أيضا مؤلف موسيقي وكاتب مسرحيات غنائية.

وانتخب ليليكس رئيسا للجمهورية بعد إعلانها، وهو لا يزال في منصبه حتى اليوم، وإن كان قد لوح مرارا بأنه سيتركه لصالح شخص جديد جدير، وكما يقول “التغيير ضروري وحتمي مثل جريان ماء نهر فيلنيا”.

يقول ليليكس “يوجد (في أوزوبيس) فقراء وأغنياء، وما يجمعنا هو الشعور بالوطن، وبما يمكن أن نفعله معا، لم تكن أمنيتنا أن نصبح أكثر ذكاء، ولا أغنى، وإنما أن نكون معا. إنها جمهورية صغيرة جدا، وهي شبه جزيرة. كان عدد السكان عند إعلان الاستقلال نحو 7000 شخص. إنها ليست ملكا حصريا لأحد”.

ويضيف “قمنا بكل شيء، من دون مساعدة من أحد، إنه شيء يمكن القيام به معا”. وبالفعل شهدت المنطقة تغيرات ملحوظة ورمم الكثير من بيوتها.

من الصعب حقا التفريق بين الجدية وروح الدعابة والطرافة في كل ما يتعلق بأوزوبيس، من خطوة إعلانها جمهورية مستقلة في يوم كذبة أبريل/نيسان إلى رئيسها ليليكس، الذي ييتسم بمرح حين تخاطبه بـ “السيد الرئيس”، ثم يتابع الحديث بجدية عن جمهوريته.

وحين تسأله هل هذه جمهورية مستقلة حقا؟ يجيب “مستقلة في المخيلة، أو العقل”.

اتفاقيات مع “الدولة الصديقة المجاورة”

رسميا أوزوبيس جزء من ليتوانيا وتابعة لحكومتها، واستقلالها ثقافي واجتماعي، ولا علاقة فعلية له بالنظام السياسي أو التمثيل الدولي الرسمي.

أوزوبيس جزء من العاصمة فيلنيوس

Getty Images
أوزوبيس جزء من العاصمة فيلنيوس

وفي يونيو/ حزيران من عام 2004 وقع كل من ليليكس ووزير الخارجية الليتواني حينها أنتاناس فاليونيس اتفاقية صداقة وتبادل ثقافي واحترام بين جمهورية أوزوبيس وحكومة ليتوانيا، التي يصفها الموقع الرسمي أوزوبيس بـ “الدولة الصديقة المجاورة”.

يقول ليليكس “كان الطريق طويلا جدا للحصول على الاستقلال، وهناك اتفاقية بين جمهورية أوزوبيس وحكومة ليتوانيا. لقد وقعنا اتفاقية مع وزارة الخارجية الليتوانية وجاء دبلوماسيون وسفراء كثيرون من العالم لحضور الاحتفال”.

وترتبط أوزوبيس بعلاقات مع جهات ومراكز فنية في أنحاء العالم، ويزورها العديد من السفراء والسياسيين والشخصيات المعروفة، وبفضل فرادتها وأبنيتها القديمة وطرقها المرصوفة بالحجارة والنشاطات الثقافية والفنية والاحتفالات المتنوعة التي تقيمها، أصبحت مركز جذب للسياح، وقد أدى هذا إلى ارتفاع أسعار العقارات فيها.

تُشّبه أوزوبيس عادة بحي مونمارتر في باريس، أو بحي كريستيانيا في كوبنهاغن، لكن في الحقيقة رغم علاقات الصداقة مع الحيين المذكورين والتوأمة مع مونمارتر، فأوزوبيس مختلفة كما يؤكد ليليكس، الذي يشير أيضا إلى أنها ليست جمهورية الفنانين كما يصفها البعض، رغم أن الكثير منهم يعيشون فيها، وإنما “جمهورية المبدعين الخلاقين. فمن الممكن أن يكون الإنسان مبدعا في أي مجال، والأمر لا يقتصر على الفن”، مضيفا “نحن هنا نعيش حقيقتنا، ونحن مسؤولون عن ذلك”.

ويؤكد “المهم بالنسبة لنا هو الحوار والانفتاح”.

الدستور والشعار والنشيد الوطني

في ليلة من عام 1989، التقى ليليكس وسيبايتس، وقررا كتابة دستور للجمهورية الوليدة، ويتضمن هذا الدستور 41 بندا، وهو مثال للطرافة والتفكير الحر. السمتان الأوضح في أوزوبيس.

لكن كما يقول ليليكس، “الدستور ضد شيء واحد، وهو العدوانية والظلم. ليس فقط من الخارج، وإنما من داخل أنفسنا”.

وينص بنده الأول على أن “لكل إنسان الحق في أن يعيش على جانب نهر فيلنيا، ولنهر فيلنيا الحق في التدفق للجميع”.

ومما جاء فيه “لكل إنسان الحق في أن يموت، ولكن هذا ليس إلتزاما”، و”لكل إنسان الحق في أن يكون محبوبا، ولكن ليس بالضرورة”، و”لكل إنسان الحق في أن يحب القطط وأن يعتني بها”، و”القطة غير مجبرة على أن تحب صاحبها، لكن يجب عليها مساعدته وقت الحاجة”، و”للكلب الحق في أن يكون كلبا”، و”لكل إنسان الحق في أن يكون غير مميز وغير معروف”.

وترجم الدستور إلى 29 لغة حتى الآن، من بينها العربية، وهو مكتوب باللغات المختلفة على ألواح معدنية ملصقة على جدار طويل في شارع بوبيو في قلب أوزوبيس، وتتم إضافة المزيد من الترجمات إليه باستمرار، وقد باركه البابا فرانسيس حين زار ليتوانيا عام 2018.

في ساحة أوزوبيس الرئيسية، ومنذ عام 2002 ينتصب تمثال رمز الجمهورية، وهو الملاك جبرائيل الذي ينفخ في بوق كناية عن نهضة سكانها، وعودة الحياة إلى الحي.

وصانع التمثال هو النحات روماس فيلسياوسكاس، وقد جمعت كلفة التمثال من بيع نسخ مصغرة منه. والنحات هو أيضا صانع عمل فني آخر مهم في الجمهورية، وهو تمثال حورية أوزوبيس، الذي كشف الستار عنه عام 2003.

أما علم الجمهورية الذي يحمل رسم “الكف المقدسة” فهو رسم لراحة يد مثقوبة على خلفية بيضاء. ويتغير لون الكف مع دورة الفصول بالتسلسل. الأزرق في الشتاء، والأخضر في الربيع، والأصفر في الصيف، والأحمر في الخريف، وذلك “لأننا نعيش في حلقة دورة الطبيعة” كما يقول ليليكس.

وترمز الكف المفتوحة إلى الوضوح، وعدم إخفاء شيء، أما الثقب فيعني عدم قبول الرشاوى.

العلم

Getty Images
العلم على شجرة عيد الميلاد

وللجمهورية نشيد وطني، وضع كلماته ليليكس ولحنه كيبراس ماشانوسكاس.

وفي عام 2003 اصدرت أوزوبيس عملتها يوروزاس، وحددت قيمة 1 يوروزاس بكوب من الجعة.

وتوجد في أوزوبيس جامعة أيضا، شعارها “لكل الحق في أن يصبح أكثر حكمة أو أكثر حماقة”، وهي تكتفي بمحاضرات عن مواضيع تتعلق باكتشاف الغنى الداخلي، وامتلاك صوت، وتحفيز الارتجال، والخيال، والشعر، والأحلام، والكتب، وعميدها هو وزير الخارجية توماس سيبايتس.

وفي البداية، كان للجمهورية جيش مؤلف من 10 أفراد، لكن تقرر حله عام 1999 انطلاقا من مبدأ السلام الذي تعتنقه أوزوبيس.

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.