شاب لبناني يعيد ذاكرة الزمن الجميل… ومصرية ترفع ثقل الحياة فوق رأسها

للمشاركة

لم تكن الحياة يوماً مشواراً سهلاً يخلو من العواصف، خاصة في أغلب بلادنا العربية، حيث يخيم الفقر والظلم والفساد.
في بلاد ضاعت فيها حقوق الإنسان في العيش الكريم حتى أصبحت أكبر أحلام الفرد تأمين رغيف خبز يسد به جوع أسرته.
لكن رغم الخذلان الذي نعاني منه ما زلنا كما قال أولاد أحمد:


نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد
نحج إليها مع المفردين
عند الصباح وبعد المساء ويوم الأحد
ولو قتّلونا كما قتلونا
ولو شردونا كما شرّدونا
ولو أبعدونا لبرك الغماد
لعدنا غزاة لهذا البلد

لبنان نموذج حي للبلد المنكوب، معظم شبابه هاجر إلى الخارج بحثاً عن الضوء، لكن هناك من تمسك بالأرض، رغم قسوة الظروف واستحالة العيش. هناك من ارتفع عن الأزمات الخانقة بصبره وبإرادته وحبه الكبير للوطن والحياة. هناك من يحلم وسط الضباب ويتحدى الصعوبات فتستحيل أحلامه واقعاً منيراً.

أنطونيو دويهي، شاب من شمال لبنان، قرر أن لا يهزم وأن يبقى في ضيعته بين أهله وناسه، هكذا بدأ بالعمل ليل نهار لتحقيق أحد أحلامه.
لقد عمل على تحويل الحافلات القديمة بيديه القويتين إلى بيوت سياحية، بعد أن دمر زعماء الوهم الكثير من بيوت لبنان وأفقدوا أهله القدرة على الأحلام.

تلك الحافلات المرهقة أعدادها قليلة جداً، وعادة تتحول إلى أنقاض، قد يدفع أصحابها مبلغاً من المال لأشخاص أو شركة ما حتى يتخلصوا منها، لكنها صيد أنطونيو الثمين، يطاردها من مكان إلى آخر، يتنقل بين الضيع بحثاً عنها فيشتريها من أصحابها، ثم يذهب بها إلى جاره الذي يعمل حرفيا دهانا وحدادا، هناك يعملان معاً لإنتاج تحفة من نوع آخر، تحفة تصلح للتخييم أو التنزه أو حتى الإقامة فيها، فيتم تجهيزها بكل القطع اللازمة.
إنه الابداع الذي يولد من أبسط المعدات وبأقل التكاليف الممكنة. ربما لأن رأس مال أنطونيو، وببساطة شديدة، هو حبه للعمل ونشوته لحظة النجاح، فهو يعشق الابتكارات المختلفة وخاصة العمل بالخشب.
لقد تبلورت فكرة أنطونيو من حاجته الشخصية، فالحاجة، كما يقول المثل هي أم الاختراع.
لاقت تلك الفكرة رواجاً كبيراً بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي عند إطلاقه صفحة pack and go على انستغرام، لكنها ليست فكرته الوحيدة، ما زالت أحلامه كثيرة، ولكل حلم هناك خطة يسهر على تفاصيلها حتى تجهز فتأتي لحظة التنفيذ.
أنطونيو أمل لكثير من شبان لبنان الذين أحبطتهم الحياة، وما عمله هو دعوة للعودة إلى الوطن ودعوة للبناء. حافلات قديمة تحمل ذاكرة لبنان الجميل وعبق تاريخه عادت إلينا لتذكرنا بلبنان القوي. عادت من شماله، حيث يقف الأرز بصلابة وعنفوان كي نخجل من ضعفنا ونقف من جديد.
إذاً لسه الأغاني ممكنه ممكنه. والحياة كذلك.

نملة ترفع فاكهة كبيرة

من لبنان إلى مصر قصة كفاح أخرى اهتزت لها مواقع التواصل الاجتماعي لما تحمله من بساطة ومحبة وأمل.
إنها «أم سامح» أو نعمة إبراهيم، امرأة في الستينيات من عمرها، تعمل حوالي عشرين ساعة يومياً وبشكل متواصل لتعيل حفيدتيها وابنتها، التي قد تكون غير قادرة على العمل.
لقد توفي زوجها منذ زمن بعيد فلعبت دور الأب والأم، لأنها لا ترغب بأن تمد يدها وتطلب المساعدة من أي إنسان على وجه الأرض.
امرأة حديدية استطاعت أن تحارب قدرها وأن تجني محبة كل من يعرفها.
هكذا تصحو، ومن أكثر من تسع سنوات، حوالي الساعة الخامسة صباحاً لتخرج من بيتها وتبدأ بالعمل حتى الساعة 12 ليلاً.
تجول في الطرقات حاملة في يدها منشفة زرقاء قديمة تمسح بها غبار السيارات وكأنها تحاول مسح الوجع المتراكم فوق أيامها.
تمشي رافعة رأسها ولا تفارقها الإبتسامة طيلة النهار مهما تعرضت لمضايقات في يومها، فهي سلاحها الوحيد في مواجهة الضعف.
تقول بصوتها الذي يتأجج بحنان مفرط إنها تحب العمل لأنها تحب حفيدتيها «هم حياتي ورزقي في الدنيا وأتمنى من الله يطول في عمري عشانهم. دي رسالتي».
وبالرغم من حرمانها من الدراسة بعد المرحلة الابتدائية بفعل الظروف القاسية التي عاشتها في طفولتها، إلا أنها تحرص على تعليم حفيدتيها، وتنفق على دراستهما كل ما تجنيه من عرقها.
أم سامح امرأة قوية جداً، رغم نحول جسدها، فقد استطاعت حمل أعباء الحياة ومشت مستقيمة الظهر، مرفوعة الرأس. إنها طاقة من نور لكل من ضربه اليأس في مقتل، لقد ذكرتني بصورة عميقة الدلالة تناقلتها الصحف منذ سنوات وبشكل واسع،صورة التقطها المصور أكو أديانتو لنملة تحمل قطعة فاكهة أكبر من حجمها بأضعاف وتسير رافعة رأسها إلى الأعلى.
أحياناً لا نعرف مدى صلابتنا أو ضعفنا حتى تضعنا الأيام في اختبارات قاسية. في تلك اللحظات نكون أمام خيارين فقط: إما الاستسلام والموت البطيء أو القوة والولادة من جديد.
الخيار الأول سهل جداً. خيار الضعفاء الذين لا تبنى بهم أوطان.
أما الثاني فهو للأبطال أمثال أنطونيو و»أم سامح».

مريم مشتاوي – القدس


للمشاركة


لبنان
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com