بلبلة حول اقتراعهم في الانتخابات المقبلة في لبنان «يتقاتلون» بالمغتربين و.. عليهم

للمشاركة

القانون الحالي حدّد للمغتربين 6 نواب عن القارات الـ 6 والطوائف الكبرى الـ 6 • اتجاهٌ لتعليق انتخاب المغتربين نوابهم الستة وصراعٌ حول إمكان اقتراعهم في المقار الديبلوماسية • «التيار الوطني الحر» متوجس من انقلاب مزاج الاغتراب بعد الحصيلة المروّعة لسياسات العهد • «حزب الله» يشكك في جدوى اقتراع الاغتراب تحت سيف العقوبات الأميركية المصلت عليه • تجربة اقتراع المغتربين في الـ2018 جاءت مخيّبة والأسباب ربما تعود لضعف التحضيرات اللوجستية

بعد تشكيل الحكومة، غداة 13 شهراً من المنازلات القاسية المحلية بإمتداد إقليمي – دولي، انتقلت «العدسةُ» سريعاً إلى معركة قانون الانتخاب. المعركة تجري من اللحظة الأولى على وهج ضغط المجتمع الدولي لضمان إجراء هذا الإستحقاق في موعده ربيع السنة المقبلة، ما دفع القوى السياسية إلى المجاهرة بتمسكها بالموعد الدستوري لفتْح صناديق الإقتراع.

إلا أن ثمة تفاصيل صغيرة يكمن فيها شيطان تأجيل هذا الإستحقاق. ففي كل مرة تقدّم القوى السياسية، المُعارِضَة هَمْساً لإجراء الإنتخابات، أسباباً موجبة كي ترحّل الإنتخابات ويُمدَّد لمجلس النواب على غرار ما جرى مرتين مع برلمان العام 2009. وهذه المرة تشكّل المادة المتصلة بإقتراع المغتربين في قانون الانتخاب إحدى هذه الأسباب.

قصة المغتربين مع الانتخابات قديمة وطويلة، عمرها من عمر الاغتراب اللبناني، الموغل في القدم في القارات الست. وهو يحمل وجوهاً مختلفة منذ أن تحوّل قسم من اللبنانيين في إتجاه دول العالم، على مراحل عدة عرفها لبنان، سواء بسبب الهجرات الجماعية هرباً من المجاعة، أو بحثاً عن فرص عمل، أو فراراً من الحرب المتوالية في كل فصولها. في المحصلة صار للبنان عنوان «لبنان المقيم ولبنان المغترب»، وصارت عبارة «جناحيْ لبنان» رواية تتردد في خطب القوى السياسية وأدبياتها على مدى أعوام طويلة.

كان الإغتراب بالنسبة إلى السلطة السياسية بمثابة ورقة رابحة تُستثمر في مجالات الربح السياسي وميدان الأعمال، والرحلات الإغترابية التي يقوم بها السياسيون ورجال الدين لتمتين روابط طوائفهم وأحزابهم مع اللبنانيين المنتشرين في استراليا والولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية، قبل أن تصبح للإغتراب قواعد ثابتة في أوروبا والدول العربية.
على مدى أعوام طويلة، كان الإغترابُ قائماً على نجاحاتِ رجال السياسة والأعمال في الدول التي هاجروا إليها، وجرت محاولاتُ تأطيرهم في منظمات وجمعيات إغترابية، قبل أن تتفاعل تداعيات الحرب وتتعاظم الخلافات السياسية وتقسم هذه الجمعيات وتجعلها عرضة للتجاذب السياسي.
وبعد الحرب، جرت محاولات لتوحيد صفوف المغتربين، وقد برز عدد منهم في دول صناعة القرار ولا سيما الولايات المتحدة، عبر أصوات لبنانية الأصل في الكونغرس تمثّل حضوراً لبنانياً خصوصاً في مواجهة الوجود السوري. وفي المقابل بدأت حركة لبنانية في إتجاه الإغتراب لجمْع أصوات المغتربين والتأثير على الحكومات حيث هم لمساعدة لبنان. لكن العوامل السياسية والإختلافات الكثيرة التي شهدها لبنان، إنتقلت إلى الخارج مع تَصاعُد حركة سياسية تحرك الرأي العام الخارجي ضد الوجود السوري أو معه. ولا شك في أن الخلافات السياسية تنوّعتْ فبدأت تَبرز الأحزاب في بعض المحافل الدولية وفي دول الإغتراب، وصار لكل حزب ممثلوه وحضوره في الخارج.
هناك وجوه كثيرة للإغتراب اللبناني، سواء من خلال دور وزارة الخارجية والمغتربين أو من خلال الجمعيات السياسية والدينية. لكن ما شهدتْه الأعوام الأخيرة ولا سيما منذ عام 2005، ساهم أكثر في تحويل المغتربات حالة قائمة في ذاتها، وسط إنقساماتها وسعي الأحزاب اللبنانية إلى استثمارها في الإنتخابات النيابية.
وكانت البداية مع استقدام المغتربين للانتخاب في لبنان عبر ما يشبه «الجسر الجوي» لمختلف الأطراف، علماً ان موعد الإنتخابات كان يتم دائماً في الصيف، ما يساعد في جذب المغتربين لتمضية «إجازتهم» في لبنان، سواءًكانوا مغتربين في دول بعيدة أو مهاجرين للعمل في دول قريبة.
وكان الاغتراب بالمجمل يشكل خزاناً مالياً يستفاد منه لإعمار القرى والبلدات وبناء مؤسسات صحية وتربوية، وتدريجاً صار العالم المالي أساسياً في كل التعامل مع المغتربين. وحين سنحت الفرصة لإستثمارهم إنتخابياً، لم تقصر الأحزاب في ذلك، فبدأت رحلاتٌ منظّمة لقادة الأحزاب إلى المغتربات، ولرجال الدين كذلك، لحشد الطاقات الإغترابية «الحزبية» أو لجمع التبرعات وإما لرص صفوف تلك الجماعات.
في المحصلة ساهمت هذه السياسة في جعْل المغتربين عنواناً أساسياً في الخطاب السياسي الإنتخابي، في ظل وعود من المرشحين وقادة الأحزاب ورؤساء الجمهورية ومجلس النوب والحكومة على مدى أعوام في إعادة دمج المغتربين بوطنهم الأم عن طريق الإنتخابات. لكن الوعود ظلت وعوداً وسط الإنقسام الداخلي حول مدى الإفادة من المغتربين في صناديق الإقتراع.
وهناك وجهتا نظر تتعلقان بواقع المغتربين عددياً وتوزُّعهم الطائفي. فالإنتخابات سياسية وطائفية في الوقت عينه لأن قانون الإنتخاب قائم على تَوَزُّع المقاعد طائفياً ومذهبياً. ومن هنا كانت القوى السياسية منقسمة بين إعطاء المغتربين حقهم في الإقتراع خشية إختلال موازين القوى محلياً، وخصوصاً في مرحلة الوجود السوري، حيث كان الإنطباع العام بأن غالبيتهم مُعارِضة للوجود السوري، لأن جلّهم من المسيحيين وأنهم سيصوتون حكماً لنواب خارج دائرة النفوذ السوري.
وبعد عام 2005، بقيت الوعود وعوداً، وتدريجاً لم يؤخذ بإقتراع المغتربين لا سيما في مرحلة العقوبات الأميركية على «حزب الله» في ظل مقولة ان الناخبين الشيعة لن يتمكنوا من التصويت بحرية لمرشحيهم خشية العقوبات الأميركية عليهم.
حتى أنه لا يوجد إحصاء رسمي لأعداد المغتربين ولا تَوَزُّعهم المذهبي والطائفي، وهذا جوهر أزمة المغتربين وخصوصاً ان الهجرة الحديثة لم تكن محصورة بفئة معينة كما حصل خلال الحرب وفي التسعينات، بل صارت شاملة. وبقيت هناك تعميمات من نوع أن المسيحيين موجودون في أوروبا واستراليا والولايات المتحدة وبعض دول أفريقيا وأميركا اللاتينية، فيما الشيعة ينتشرون في أفريقيا في شكل أكثر تنظيماً ودول أميركا اللاتينية، والسنّة في دول عربية وأميركا اللاتينية واستراليا والولايات المتحدة. لكن هذا التعميم أصبح فوضوياً، لأن الإغتراب اللبناني أصبح مختلَطاً في كل الدول المضيفة ولا تُعدّ قارة أو بلد حكراً على طائفة أو حزب.
في الأعوام الأخيرة، وتحديداً مع تَسَلُّم رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل وزارة الخارجية، أعطى لموضوع المغتربين أهمية قصوى. ورغم أن خصومه إتّهموه بالعمل للإستثمار في هذه القضية مع رجال أعمال مغتربين، إلا أنه بفعل المؤتمرات الكثيرة التي عقدها سنوياً وكثافة الزيارات التي قام بها إلى الإغتراب، أعطى مجالاً لتحويل قضيتهم إنتخابياً واحدة من برامجه السياسية. لكن في المقابل بدأت القضية تكبر بفعل الضغط الداخلي والمنافسة السياسية المحلية بين الأحزاب لمصلحة إدخال إنتخاب المغتربين في قانون الإنتخاب.
ورغم ما شهده القانون من شدّ حبال إلا ان التحالفات السياسية أخرجت إقتراع المغتربين إلى الضوء، وإقترع المغتربون العام 2018 لأول مرة من خلال البعثات الديبلوماسية التي تَسَجَّلوا فيها. لكن الإقبالَ على عملية الإقتراع لم يكن وفق ما تشتهيه الطبقة السياسية التي لحظت مستوى مخفوضاً لتسجيل المغتربين في البعثات الديبلوماسية، وقيل إن السبب هو ضعف الإمكانات اللوجستية وعدم التحضير كفاية لهذه العملية. لكن الإقبالَ بالمجمل لم يوازِ حجمَ التطلعات والضغط السياسي لتنفيذ العملية منذ أعوام طويلة.
واليوم، عاد اقتراع المغتربين ليصبح قضية تَجاذُب سياسي حاد. فإذا كان الإقتراع في الماضي عُدّ إنجازاً إستثنائياً بإقرار الفكرة لا بالتطبيق، فإن الإنجازَ الثاني كان يُفترض بحسب القانون أن يكون بإنتخاب ستة نواب للإغتراب عن ست قارات، موزَّعين على الطوائف الست الكبرى، على أن يتم في الدورة اللاحقة أي بعد أربع سنوات من إستحقاق 2022، خفْض عدد النواب المقيمين ست مقاعد وزيادة مَقاعد الإغتراب ليعود نصاب المجلس 128 نائباً.
لكن العملية برمّتها أصبحت في مهب الريح، لأن القوى السياسية كافة بدت مُجْمِعَةٌ على أن هذه العملية معقّدة ولم يعد الوقت سانحاً لترجمتها وفق الآليات المطلوبة وتشكيل لجانِ متابعة لها. فارتأت بالإجمال ان تعلّق العملية الإنتخابية للمغتربين، أي الشق المتعلق بإنتخاب ستة نواب. وهذه العملية وإن كانت أصبحت أقرب إلى التنفيذ، إلا أن الشق المتعلق بإقتراع المغتربين ما زال قيد البحث لأن القوى السياسية منقسمة حياله.
فقوى المعارضة ولا سيما المسيحية منها مصرة على إعادة العمل باقتراعهم عبر السفارات والبعثات الديبلوماسية، وهي تراهن ومعها فريق من «تيار المستقبل» والحزب التقدمي الاشتراكي على أن المغتربين يحمّلون بعد تطورات العامين الأخيرين مسؤولية الإنهيار الحالي لـ«حزب الله» وعهد الرئيس ميشال عون، وتالياً سيشاركون بقوة في الاقتراع للنواب الـ 128 وسيغيّرون بذلك هوية البرلمان. وهذا الأمر يمكن ان يترك تأثيره المباشر على العملية السياسية برمّتها ولا سيما إنتخابات رئاسة الجمهورية.
لكن في المقابل وفي ظل ضغط الرئيس نبيه بري لتعديل بعض المواد الأساسية في قانون الإنتخاب حول النظام النسبي والأكثري المختلط وحجم الدوائر، فإن الكباش السياسي مرشّح لأن يتفاعل. فالقوى المسيحية لا تريد تغييرَ القانون الحالي، و«حزب الله» حذّر من رغبة المعارضة في العمل مجدداً لإستهداف المقاومة والعودة إلى الإمساك بالأكثرية، وهذا يعني في عُرف المعارضة أن إنتخابات المغتربين ستطير، ومعها قد يكون مصير الإنتخابات في خطر. وسيتطوّر الكباش والتنافس الانتخابي بين «التيار الوطني الحر»، العالق في الاستحقاق، وبين «القوات اللبنانية» والكتائب والمردة، وسط انطباعٍ بأن مصلحة «التيار» قد تلتقي مع حليفه «حزب الله» لتطيير الإنتخابات إذا شعر بأن كفة الميزان لن تكون لمصلحة تعزيز فوزه بحصة كبيرة في البرلمان كما كانت الحال عام 2018.

الراي


للمشاركة


لبنان
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com