ولدت الحكومة وتكشفت الأدوار

للمشاركة

بينما تنفس لبنان الصعداء مع ولادة التشكيلة الحكومية الجديدة بصرف النظر عن بعض الملاحظات، تتساءل غالبية القوى السياسية والشعبية عن السبب الذي كان يؤخر التأليف ومن الذي تجاوز الدستور وكان قد وعد بالدخول في جهنم؟ والغريب أن توزيعة الحقائب والحصص ليس فيها أي جديد، وهي ذاتها تقريبا كانت مطروحة منذ زمن طويل، مما يؤكد وجود قطبة مخفية وقفت وراء التعطيل، والأكيد أن الذي عطل هو الذي يملك التوقيع، وليس الذي كان ينتظر على حافة الصبر.

وبينما أعطت التشكيلة الجديدة بعض الأنفاس السياسية والمالية للوضع الخانق الذي يعيشه لبنان، من خلال تحسن سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي بما يقارب 20% من قيمتها المتدنية، كما بعثت بعض الأمل عند اللبنانيين بالمستقبل، فقد بدا في الوقت ذاته أن أسباب تعطيل التأليف كانت مصالح شخصية مرتبطة بالتنافر الإقليمي والدولي القائم، بمعنى أن أصحاب قرار التأليف كانوا على توافق مع محور الممانعة بعدم إصدار مراسيم الحكومة الجديدة، إلا بعد أن تتوافر لهؤلاء ظروف استثمار تسهيل التأليف في بورصة شد الحبال القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وفي الوقت ذاته تكون دوائر الحكم التي تتأثر الى حد بعيد برأي النائب جبران باسيل وبمستقبله السياسي، قد ضمنت وقوف قوى هذا المحور الذي يمتد من طهران الى بيروت مرورا بدمشق، الى جانبها، وبالتالي تأمين الحماية الشخصية والقضائية والسياسية لأفراد هذا الفريق.

لعبت فرنسا دورا مهما في تهيئة الأجواء لولادة الحكومة من خلال التنسيق مع طهران، وفي فكفكة بعض التعقيدات الشائكة الناتجة عن المواقف الأميركية. لكن ذلك لا يلغي كون التصنيف الغربي لأداء فريق الرئاسة اللبنانية كان على صورة سوداوية، وقد صدرت مواقف وصفت هذا الدور بأنه الأسوأ بتاريخ لبنان، وهو السبب الرئيسي للانهيار المريع الذي أصاب البلاد، كما أن سوء الإدارة الذي شاب عددا من القطاعات الحيوية، خصوصا قطاعي الكهرباء والنفط، لا يمكن تبريرها، وهذه القطاعات كان فريق العهد مسؤولا عن إدارتها منذ فترة طويلة، وكلام النائب جبران باسيل عن ضرورة الإسراع بالإصلاح، يبعث على السخرية، ذلك أن باسيل هو المتهم الأول بإجهاض عملية الإصلاح.

والحكومة العتيدة هي الممر الإلزامي للولوج الى خيارات الإنقاذ المتاحة، ولا خيار أمام كل المكونات السياسية التي تدعم الحكومة أو التي لا تعارضها، سوى مساندتها في خطة الإنقاذ، بما في ذلك كتلة القوات اللبنانية وكتلتا تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي.

بصرف النظر عن الأشخاص الذين قادوا عملية الوساطة لتدوير زوايا الاختلاف على الأسماء والحقائب، فقد تكشفت ملامح الصفقة التي أدت الى ولادة التشكيلة، والعامل الداخلي الرئاسي في التأخير كان يتماهى مع المواقف الخارجية، بينما التفاهمات العابرة للقارات التي رافقت المفاوضات حول النفط والبواخر، وحول إيصال الغاز المصري والكهرباء الأردنية الى بيروت، كان لها التأثير الحاسم.

من الثابت أن الرئاسة اللبنانية كانت الخاسر الأكبر من تشكيل الحكومة رغم أنها حصلت على حصة كبيرة فيها، لأن دورها التعطيلي الذي استند الى مزايدات دستورية بينما البلاد تنهار، انكشف، واللبنانيون بغالبيتهم يحملونها مسؤولية التسبب بالأزمة. أما الرئيس نجيب ميقاتي الذي تخلى عن شعار النأي بالنفس الذي أطلقه عام 2011، فقد ربح الرهان، ولكن نجاحه يتوقف على براعته في توفير ظروف الخروج من مربع الاختناق.

الانباء – ناصر زيدان


للمشاركة


آراء, لبنان
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com