لبنان على كفّ «التدمير الذاتي» و… «السنياريو الأسوأ» بدأ

للمشاركة

إنه «السيناريو الأسوأ» الذي دَخَلَ لبنان مداره منذ اعتذار الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري في حَدَثٍ جاء دوّيه الداخلي مكتوماً وكأنه امتداد لمسار «سفْك» ركائز الدولة ومقوّماتها بـ «دم بارد»، على عكس تردداته في المجتمع الدولي التي عكستْ المخاطر الهائلة المترتّبة على ما بدا أنه ضغط على زرّ «التدمير الذاتي» للوطن الصغير الذي بات وجهاً لوجه أمام انهيار… «جبل النار».

ولم يكن عابراً أن يأتي صوتُ الخارج في مقاربته التطورَ الدراماتيكي الذي شكّله عودة الأزمة الحكومية 11 شهراً ونيف الى الوراء (تاريخ استقالة حكومة الرئيس حسان دياب) أعلى بكثير من الوقْعِ الداخلي لاعتذارٍ جاء مدجَّجاً بكل العناصر المحلية والإقليمية للأزمة الحكومية التي تختزن بدورها المأزق الشامل الذي وجد لبنان نفسه فيه بعد عقد ونصف العقد من انكشافه المتدرّج والمتدحرج على «الصفائح الساخنة للمنطقة».

وحتى مع ما يشبه «حال الطوارئ» الديبلوماسية التي عبّر عنها سيْل المواقف من عواصم القرار والأمم المتحدة والجامعة العربية التي دعت للإسراع بتحديد موعد لاستشارات تكليف رئيس جديد وتشكيل حكومة «الإصلاحات والانتخابات» خشية أن يسبق «طوفان الفوضى» الجميع، فإن انطباعاً يسود بيروت بأن «الحشد الديبلوماسي» (قادتْه واشنطن وباريس بالعصا والجزرة) الذي «ذهب سدى» في الأسابيع الأخيرة بعدما لم ينجح بإحداث خرقٍ في أزمة التأليف سيبقى غير قادر على فرْض وقائعَ في الوضع اللبناني الذي لا يمكن حياكة أي شبكات حلول له من خارج تقاطعات إقليمية – دولية تبقى «ساعتها» مضبوطة على توقيت مفاوضات النووي الإيراني.

وتحت هذا السقف المخيف، ورغم التلويح بأن العقوبات الأوروبية على معرقلي تأليف الحكومة قد تنطلق في غضون أسبوعين، فإن ثمة انطباعاً بأن الحسابات المزدوجة، من فريق رئيس الجمهورية ميشال عون و«حزب الله»، التي تحكّمت بمسار تكليف الحريري وأفضتْ إلى «تيئيسه» واعتذاره، ستكون هي نفسها التي ستطبع مرحلة التكليف الجديد… إذا حصل.

وفي رأي أوساطٍ واسعة الاطلاع أن هناك معادلة من شقّيْن يصعب الفكاك منها تظلّل ما بعد انسحاب زعيم «تيار المستقبل» من التكليف، وهي أن أي شخصية جديدة سيتم اختيارها ستكون محكومةً بأن تبدأ من حيث انتهى الحريري على صعيد رفْض ما اعتبره المكوّن السني (دار الفتوى ورؤساء الحكومة السابقون) محاولةً للانقضاض على صلاحيات رئيس الحكومة عبر الشروط التي وضعها فريق رئيس الجمهورية ومجمل إدارة عملية التشكيل من خلال «ترسيم حدودٍ» من خارج «النص» الدستوري، والثاني أن أي مسعى لتشكيل حكومة تستنسخ تجربة حكومة دياب أي تشكيلة «أقْنعة» (سياسية بلباس تكنوقراط) ومن لون واحد «لن تمرّ» عربياً ودولياً وإلا لَما كانت «الحكومة الراحلة» شهدت الانهيار الكبير على يديها ولَكان الخارج مدّ المساعدة للبنان عبرها حالياً عوض البحث عن «ممرات آمنة انسانية» تقفز فوق المؤسسات الرسمية.

ومن هنا تعتبر الأوساط أنه وفي ظل الاقتناع التام بأن الحريري ورؤساء الحكومة السابقين ليسوا في وارد تقديم «مكافأة» للرئيس عون لا بتسمية أي شخصية بديلة ومنْحها «الغطاء السني» ولا بخروج أي منهم للتصدّي لهذه المهمة (وهو ما يعكسه الرفض شبه النهائي من الرئيس نجيب ميقاتي لترؤس الحكومة) وذلك على قاعدة «ترْك العهد يقلّع شوكه بيديْه»بعد التنكيل السياسي بزعيم«المستقبل»، فإن خيارات الائتلاف الحاكم تبدو ضيّقة وإن بقي حاضراً شعار أن حزب الله غالباً ما يحوّل المشكلة… فرصة.

وفي رأي هذه الأوساط، فإنه ورغم المناخات التي أوحت بأن عون قد يعمد بحلول يوم غد الى تحديد موعد للاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس للحكومة بعد عيد الأضحى المبارك، فإن دون هذا الأمر أولاً«تجرؤ»أحد الشخصيات السنية على الترشح من خارج عباءة المكوّن الذي يمثّله وثانياً عدم حماسة«حزب الله» ولا رئيس البرلمان نبيه بري للتفرّد بمسار تكليفٍ يأتي محمّلاً بفتائل فتنة مذهبية في غير مكانها وزمانها، وهو ما يرفع حظوظ«إعادة تأهيل»حكومة تصريف الأعمال، تحت سقف«القوة القاهرة»، وربما تستمرّ حتى موعد الانتخابات النيابية (مايو 2022) التي تحوّلت عنواناً مفصلياً في مقاربة الخارج للوضع اللبناني وآفاقه التغييرية (على صعيد كيفية إدارة الحُكم كما التموضع الاستراتيجي للبنان)، الأمر الذي يجعل هذا الاستحقاق أحد«الأفخاخ»الموضوعة في طريق التكليف الجديد وما بعده.

وكان بارزاً وفق الأوساط عيْنها استشعار واشنطن بمخاطر انزلاق لبنان إلى عين الفوضى الأمنية، وهو ما لاح أول مؤشراته في الساعات الماضية من خلال الاحتجاجات العارمة في الشارع التي تَشابك فيها الاعتراض على اعتذار الحريري و«التخلص من تكليفه» (من قبل فريق عون) مع هدير الغضب المتعدّد الجبهة: من «نهْش» الدولار لليرة اللبنانية في السوق الموازية حيث بقي تداول العملة الخضراء عند حدود 22500 ليرة، الأمر الذي دَفَع عدداً كبيراً من المحال والسوبرماركت لقفل أبوابها تمهيداً لرفْع الأسعار بدءاً من الاثنين، مروراً باستمرار اعتمال الأزمات الأخرى من البنزين والمازوت (وتأثيراته المدمّرة على المستشفيات والمعامل والمنازل التي تُستخدم لتزويدها بالكهرباء مولدات خاصة بديلة عن التيار الشحيح الذي توفّره الدولة)، وليس انتهاءً باكتمال نصاب الكوارث مع رفْع الدعم عن القسم الأكبر من الأدوية (لتباع بسعر دولار ما بين 4800 و12 ألف ليرة) ولكن من دون أن تُحلّ أزمة انقطاع الدواء.

وإذ شكّلت المواجهات التي وقعت في طرابلس (الجمعة) وتحديداً في جبل محسن بين الجيش اللبناني ومحتجين وتخللها سقوط عشرات الجرحى من الطرفين (بينهم 15 عسكرياً برمي حجارة وقنبلة يدوية) أقوى مؤشر إلى اقتراب البلاد من مرحلة التوترات الأمنية (الى جانب اشكالات بين مواطنين على خلية قطع طرق وازدياد السرقات المسلحة) وسط مخاوف من محاولات لزجّ الجيش في صِدامات بخلفيات سياسية، جاء معبراً تحذير نائبة مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، دانا ستراول، من أن تؤدي الأوضاع الاقتصادية في لبنان إلى تدهور أمني، معربة عن قلقها من مواجهة الجيش اللبناني للمتظاهرين في الشارع، ومؤكدة أن المؤسسة العسكرية لا تزال تحظى بدعم غالبية اللبنانيين، ومضيفة«المواطنون لا يستطيعون تأمين الطعام على موائدهم ويخشون على سلامتهم. وفي مثل هذه الأوضاع ترى اندلاع العنف».

واذ شددت على أن الولايات المتحدة تركز على دعم الجيش اللبناني الذي يقوم بمهمة بالغة الأهمية، بسبب إخفاقات الحكومة اللبنانية في تقديم المساعدات الإنسانية لاسيما بعد انفجار المرفأ، أكدت أن البنتاغون يراقب الوضع عن كثب ويشجع قادة لبنان على «اتخاذ خطوات الآن لمنع اندلاع هذا النوع من العنف».

وتزامن هذا التحذير مع تأكيد قائد الجيش العماد جوزف عون خلال تفقُّده الوحدات العسكرية المنتشرة في البقاع، في معرض تطرّقه إلى الأوضاع الراهنة «يبدو أن الوضع يزداد سوءاً، والأمور آيلة إلى التصعيد لأننا أمام مصير سياسي واجتماعي مأزوم. مسؤوليتنا كبيرة في هذه المرحلة، ومطلوب منّا المحافظة على أمن الوطن واستقراره ومنع حصول الفوضى. تجربة الأمس (في بيروت) كانت مثالاً لذلك. أهنّئكم على ضبط أعصابكم وتفويت الفرصة على من أراد إحداث فتنة».

وأكّد«أن الجيش هو الرادع للفوضى، وما يعيشه لبنان اليوم هو أزمة مرحلية وتمرّ».

وفي موازاة ذلك، وفي أول موقف من اعتذار الحريري سبق إطلالة مرتقبة لرئيسه جبران باسيل يُنتظر أن تشكل مؤشراً للمرحلة المقبلة حكومياً، أسف «التيار الوطني الحر لأن يكون الرئيس المكلف تشكيل الحكومة اختار الاعتذار بعد تسعة أشهر من تكليفه، بدل الإقدام على تشكيل حكومة تواجه التحديات الضاغطة اقتصادياً ومالياً على اللبنانيين»، داعياً جميع القوى والكتل البرلمانية الى«التعاطي مع المرحلة بأعلى درجات المسؤولية، لأن الأخطار المتزايدة تهدد وجود الدولة ومؤسساتها وتنذر بفوضى كبيرة، إذا لم تتشكل بأسرع وقت حكومة قادرة على تنفيذ الإصلاحات المالية والنقدية والاقتصادية، وعلى بدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي على أساس خطة تحقق تدريجيا التعافي المالي والنقدي».

واعتبر أنه «بانتظار الحكومة الجديدة، تقع على حكومة تصريف الأعمال مسؤولية اتخاذ كل الإجراءات المطلوبة لضبط الأمن والحدود لمنع التهريب ومعالجة الملفات المعيشية كافة، حيث من واجبها أن تخرج من حال شبه الاستنكاف ومعالجة مشاكل الناس، وتقع على الحكومة أيضاً مسؤولية ترشيد الدعم وبدء العمل بالبطاقة التمويلية تنفيذاً للقانون الذي أقره مجلس النواب».
الراي – من وسام أبو حرفوش وليندا عازار 


للمشاركة
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com