استفحال الأزمة المالية يفاقم مشكلة نقص الأدوية في لبنان

للمشاركة

تنذر أزمة القطاع الصيدلي في لبنان بسبب الأزمة المالية الخانقة بعجز صحي تاريخي وغير مسبوق بسبب تكاليف الدعم الباهظة المنجرّة عن جفاف السيولة النقدية وانهيار الليرة، الأمر الذي يضاعف أزمة فقدان الأدوية من السوق بعد غياب أنواع منها عن رفوف الصيدليات منذ شهور طويلة.

تجمع أوساط الصحة في لبنان على أن شيوع فقدان الأدوية من الصيدليات دخل منعطفا خطرا وأصبح يمثل خللا كبيرا في نظام الرعاية الصحية باعتباره يختزل ارتباك إدارة الطبقة السياسية الغارقة في صراعاتها، لهذا القطاع الحساس.

وتلقي الكوادر الطبية وأصحاب الصيدليات باللوم على السلطات في وصول البلد إلى هذه المرحلة الحرجة من سوء إدارة الوضع بعد أن أثبتت فشلها في تطويق الأزمة في مجال يعاني أصلا من الفساد الذي ينخر معظم مفاصل الدولة منذ سنوات.

ودخل القطاع الصيدلي بداية من الجمعة في إضراب مفتوح احتجاجاً على نضوب الأدوية من رفوف الصيدليات منذ عدة أسابيع، في خطوة تعكس وجهاً جديداً من تبعات الانهيار الاقتصادي غير المسبوق للبلد.

وعلى وقع شحّ احتياطي الدولار لدى مصرف لبنان المركزي شرعت السلطات منذ أشهر في ترشيد أو رفع الدعم تدريجياً عن استيراد سلع رئيسية من بينها الوقود والأدوية. وأدى ذلك الى تأخر فتح اعتمادات للاستيراد، مما تسبّب في فقدان عدد كبير من الأدوية، من مسكنات الألم العادية وحليب الأطفال الرضّع، وحتى أدوية الأمراض المزمنة.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية لعضو تجمّع أصحاب الصيدليات (نقابة الصيادلة) علي صفا قوله إن “قرابة 80 في المئة من الصيدليات التزمت بالإضراب في بيروت والمدن الكبرى، مقابل خمسين الى ستين في المئة في المناطق الأطراف”. وربط عدم الالتزام الكلي بعدم تأييد نقابة الصيادلة للإضراب، وطلبها مهلة للتفاوض مع وزارة الصحة.

وأقفلت غالبية الصيدليات، وبينها صيدليات كبرى، أبوابها على طول الخط الساحلي بين مدينتي جبيل وجونية شمال بيروت كما التزم عدد كبير من الصيدليات في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بالإضراب. فيما تفاوتت نسبة الإقفال بين منطقة وأخرى في أحياء العاصمة.

علي صفا: على وزارة الصحة اعتماد لوائح للأدوية وفق الأولويات

ويقول الصيدلي سامر سوبرة وهو صاحب إحدى أكبر الصيدليات في بيروت التي لا تغطي سوى 20 في المئة من حاجيات المواطنين إن قطاع الصيدلة شارف على النهاية بسبب الأزمة التي بدأت منذ سنتين، إلى أن وصلت إلى ذروتها اليوم.

وأوضح أن المواطنين يتنقلون بين أكثر من صيدلية بحثا عن الأدوية، وسط خوف يراودهم من عدم توفرها مستقبلا ليقدموا على شراء كميات منها، وقد تمخض عن ذلك سوق سوداء لبيع الدواء.

وأضاف إن “الصيدليات وصلت إلى مرحلة الخطر والناس تخشى تفاقما أكبر في الأزمة ولم يعد لدينا الدواء بسبب عدم تلبية حاجاتنا من المستوردين، فهم يدّعون أنهم يمولون الصيدلية بحاجاتها، لكن عمليا لا نحصل إلا على 5 في المئة منها”.

ومنذ مطلع هذا العام يبحث اللبنانيون عبثاً عن أدويتهم في صيدليات نضبت محتوياتها تدريجيا، في حين ينشر مستخدمون لمواقع التواصل الاجتماعي يومياً أسماء أدوية يحتاجونها، وبات الكثير من الناس يعتمدون على أصدقائهم وأفراد عائلاتهم في الخارج لتأمين أدويتهم، بأسعار مرتفعة جداً مقارنة مع السعر المحلي المدعوم.

وبدأت ملامح أزمة نقص الأدوية في السوق المحلية منذ مطلع العام الماضي بسبب عدم توفر الدولار اللازم للاستيراد، حالها حال القمح والوقود بأنواعه.

وحذّرت نقابة مستوردي الأدوية الأحد الماضي من نفاد مخزونها من “مئات الأدوية الأساسية التي تعالج أمراضاً مزمنة ومستعصية”. وقالت إن “مستحقاتها المتراكمة لدى المركزي تجاوزت 600 مليون دولار”.

واعتادت الشركات تقديم فواتير الاستيراد إلى مصرف لبنان لتسديدها، في إطار سياسة الدعم، لكن مع شحّ الدولار وازدهار عمليات التهريب إلى الخارج، باتت تطلب موافقة مسبقة من وزارة الصحة على الأدوية التي يراد استيرادها ويسدد لاحقاً الفواتير، وهو ما أدى إلى تراكم مستحقات الشركات.

وبينما توقفت وزارة الصحة منذ قرابة شهرين عن توزيع ما يوجد في مخازنها من أدوية ثم تجميد عمليات الاستيراد، كثف مصرف لبنان المركزي من ضغوطه على الوزارة حتى تضع جدول أولويات بالأدوية التي تجب مواصلة دعمها.

وعادة، يؤمن المركزي الأموال اللازمة لدعم استيراد الأدوية من الخارج، إلا أن انخفاض احتياطي العملات الأجنبية لديه تسبب في نقص المخصص للاستيراد. وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن المركزي إلى أن احتياطات لبنان من العملة الصعبة تراجعت من متوسط 38 مليار دولار في 2019، إلى أقل من 16 مليار دولار حاليا.

ويدعم المركزي استيراد الأدوية تجنبا لعدم ارتفاع أسعارها من خلال تغطية الفارق بين سعر الصرف الرسمي للدولار البالغ 1510 ليرة، وسعره في السوق الموازية البالغ 17.5 ألف ليرة.

ويقول صفا إن “المطلوب اليوم هو أن توقّع وزارة الصحة على لوائح الأدوية وفق الأولويات، فتبدأ الشركات تسليم الأدوية غير المدعومة إلى الصيدليات وفق سعر الصرف في السوق السوداء، وتلك المدعومة وفق السعر الذي تحدّده الوزارة”.

600 مليون دولار حجم المستحقات المتراكمة لمستوردي الأدوية لدى مصرف لبنان المركزي

وأعلن حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة الاثنين الماضي أنّ البنك سيقوم بتسديد الاعتمادات والفواتير التي تتعلق بالأدوية المستوردة من الخارج خاصة أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية ضمن مبلغ لا يتعدى 400 مليون دولار يغطي مستوردات أخرى بما فيها الطحين. وبحسب نقابة مستوردي الأدوية لن يتخطى الجزء المخصص للأدوية حاجز الخمسين مليون دولار شهرياً، وهو ما يعادل نصف الفاتورة الاعتيادية.

واعتبر رئيس لجنة الصحة النيابية النائب عاصم عراجي في تصريح سابق للأناضول أن قطاع الأدوية “وصل إلى ما هو عليه اليوم بسبب انهيار الليرة، وعندما انتُهجت سياسة الدعم من مصرف لبنان باتت الأدوية تهرّب إلى الخارج”. وقال إن “المشكلة تتمثل في تراجع كميات الواردات الدوائية لنقص الدولار والتهريب الحاصل، والأدوية المقطوعة يتم تهريبها إلى الدول المجاورة”.


للمشاركة
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com