باسيل يستعمل البطاقة التمويلية في حربه ضدّ سلامة

للمشاركة

وجد جبران باسيل وسيلة جديدة لإظهار حاكم المصرف المركزي رياض سلامة في مظهر “عدوّ الشعب”. وإليكم كيف السبيل إلى هذه الشعبوية الجديدة:

فقد بات ملفّ البطاقة التمويليّة بعهدة لجنة فرعيّة نيابيّة يُفترض أن توفّق ما بين مشروع القانون الذي أحالته حكومة الرئيس حسّان دياب إلى المجلس النيابي، وما بين اقتراح القانون الذي أعدّه تكتّل لبنان القوي بدفع من جبران باسيل.

وتوحي ركاكة بعض جوانب اقتراح قانون “لبنان القوي”، وإصرار باسيل على تقديمه بهذا الشكل ومزاحمة مشروع قانون الحكومة، بأنّ ثمّة نقاط اشتباك مع رياض سلامة قرّر باسيل تحريكها داخل هذا الاقتراح، الذي يُعنى بملفّ حسّاس جدّاً على المستوى المعيشي. مع أنّ مشروع قانون الحكومة يعاني أيضاً ثغراتٍ لا تقلّ أهميّة.

منذ البداية، كان باسيل صريحاً في تشديده على ضرورة تمويل مشروع البطاقة بالدولار من الاحتياط الإلزامي الموجود في مصرف لبنان، متخطّياً بذلك السجال الدائر حول حساسيّة المسّ بهذا الاحتياط. وقد أصرّ تكتّله على تضمين اقتراح القانون بنوداً تربط المشروع بالودائع المصرفيّة وسيولة المصارف المودعة في المصرف المركزي، من قبيل شطب قيمة بطاقات الأسر التي تملك حسابات مصرفيّة من الودائع التي تملكها، مقابل أن يوفّر مصرف لبنان الدولارات من الاحتياط المتبقّي لديه من دولارات المودعين. أمّا الأسر الأكثر حاجة، التي لا تملك ودائع مصرفيّة، فبإمكانها الاستفادة من بطاقات مموّلة على حساب الدولة، على أن تعتمد الدولة أيضاً على احتياطات المصرف المركزي لتوفير هذه الدولارات.

بمعنى آخر، كان مقترح باسيل يتخطّى نطاق البطاقة كوسيلة دعم للأسر الأكثر حاجة، ليطول مسائل أخرى كآليّات السحب من الودائع العالقة في المصارف. وهذا النوع من الأفكار غير المألوفة لا يستلزم تعاون مصرف لبنان من ناحية توفير السيولة بالدولار فحسب، بل أيضاً إنشاء مركز معلومات للاستقصاء عن أيّ حسابات مصرفيّة يمكن أن يملكها أصحاب طلبات البطاقات، لتُفرز ما بين مودعين يمكن شطب قيمة بطاقاتهم من حساباتهم المصرفيّة، وأُسَر تحتاج إلى الدعم على حساب الدولة من احتياطات مصرف لبنان. وفي الحالتين، يجب على اقتراح القانون أن يجبر حاكم مصرف لبنان والمجلس المركزي للمصرف على التنازل عن فكرة رفض المساس بالاحتياطات الإلزاميّة المتبقّية في مصرف لبنان.

بالتأكيد يدرك جبران باسيل وتكتّل لبنان القوي أنّ مجرّد الدخول في سجال المسّ باحتياطات مصرف لبنان المتبقّية سيشعل اشتباكاً كبيراً مع حاكم مصرف لبنان، المتسلّح بغطاء المجلس المركزي الرافض بالإجماع لهذه الفكرة. وإنّ إجماع المجلس المركزي على هذا الرفض يعني ضمناً غطاء رئيس المجلس النيابي أيضاً. من جهتها، عبّرت القوات اللبنانيّة عن وقوفها ضدّ أيّ مساس بهذه الاحتياطات.

بالنظر إلى كلّ هذه العوائق، يصبح مقترح باسيل أقرب إلى مناورة تحاول وضع سلامة، ومن بعده الكتل النيابيّة الرافضة للفكرة، في موقع المعرقل لتوفير التمويل للبطاقة، على أعتاب مرحلة رفع الدعم وما سيصاحبها من ضغوط قاسية على المستوى المعيشي. ويبدو من الواضح أنّ بعض عناصر المقترح تنطوي على صعوبات تقنيّة كبيرة لا يمكن تذليلها خلال فترة قصيرة، كتأسيس مركز معلومات بهذه الضخامة في مصرف لبنان، بصلاحيّات تصل إلى حدّ البحث عن حسابات اللبنانيين وأرصدتهم في جميع المصارف، وهو ما يدلّ على عدم جدّيّة هذا الجانب من المقترح.

في المقابل، ترك مشروع قانون الحكومة مسألة التمويل فضفاضة، من دون حسمها نهائيّاً، ولو أنّ التوجّه الأساسي لدى الغالبيّة الساحقة من الكتل هو لحصر التمويل بالدولار الأميركي، لتفادي سيناريوهات المزيد من التضخّم المفرط في حال طبع النقد بالليرة اللبنانيّة لتمويل البطاقة. وفي ظل الاعتراض الواسع في المجلس النيابي على فكرة تمويل البطاقة من الاحتياطات، يمكن الرهان خلال المرحلة المقبلة على تعديل مجموعة من برامج دعم وقروض البنك الدولي والمؤسسات الدوليّة الأخرى التي لم تُدفَع بعد، في محاولة للاستفادة منها في مشروع البطاقة.

وكان رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان أشار إلى أنّ البنك الدولي مستعدّ لإعادة تخصيص قروض بقيمة 959 مليون دولار متعلّقة بمشاريع غير منفّذة بعد في لبنان.

لا ينطوي مقترح قانون لبنان القوي على أيّ تمييز بين الأسر من ناحية الوضع الاجتماعي، إذ ينصّ على منح دعم مقطوع بقيمة 100 دولار أميركي لجميع الأسر اللبنانيّة، باستثناء تلك التي ستستفيد من قرض البنك الدولي المخصّص للعائلات الأكثر حاجة، وتلك التي لا تقدّم طلبات الاستفادة من البطاقة، فيما يستفيد أصحاب الودائع المصرفيّة وفقاً للآليّة التي ذكرناها. ولهذا السبب، لا يعطي مقترح القانون أيّ دور لوزارة الشؤون الاجتماعيّة لإدارة المشروع، ولا يعطي أيّ دور للوائح الأسر الفقيرة أو الأكثر حاجة، سواء تلك الموجودة أو التي يمكن إعدادها حتى توزيع بطاقات الدعم. أمّا آليّة التسجيل فستكون من خلال منصّة Impact للتفتيش المركزي، أو من خلال الفروع المصرفيّة، فيما يصل عدد الأسر التي يمكن أن تستفيد من البطاقة إلى نحو مليون أسرة، وفقاً لتقديرات تكتّل لبنان القوي.

يبدو مقترح لبنان القوي ضبابيّاً في هذا الجانب، إذ لا يتّضح سبب تحديد هذا المبلغ المقطوع بالذات، وبناءً على أيّ دراسة لأنماط استهلاك الأسر. ولا تتّضح أساساً كيفيّة تقدير عدد الأسر المستفيدة، التي يمكن أن يختلف عددها فعليّاً عن العدد المقدّر في مقترح التكتّل. ولم يفسّر المقترح سبب منح جميع الأسر المبلغ نفسه من دون أيّ اعتبار لعدد أفرادها أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي، أو درجة حاجتها إلى هذا الدعم.

لكنّ مشروع قانون حكومة دياب يعاني بعض الثغرات في هذا الجانب أيضاً، إذ يستهدف الوصول إلى نحو 750 ألف أسرة تُحدَّد حسب معيار الحاجة الاقتصاديّة، بمعدّل وسطيّ يبلغ حدود 137 دولاراً. لكنّ المشروع ما زال يواجه مصاعب كبيرة على مستوى إعداد لوائح المستفيدين، وتحديد الفئات المستحقّة، خصوصاً في ظلّ قِدم المعلومات المتوافرة من برامج أخرى، في حين يحتاج تحديث هذه اللوائح أو إعداد لوائح جديدة فترة زمنيّة طويلة لا تتناسب مع المدّة المتبقّية قبل رفع الدعم أو ترشيده. ويواجه المشروع مشكلة ضعف آليّات الرقابة القادرة على منع الاستنسابيّة في تحديد العائلات المستفيدة من البرنامج.

لهذه الأسباب، من المتوقّع أن يكون ملفّ البطاقة التمويليّة محور سجال ساخن في المجلس النيابي طوال الأسبوع المقبل، مع إنجاز اللجنة الفرعيّة مهمّة دمج مشروع الحكومة مع مقترح تكتّل لبنان القوي. أمّا السجال فسيتركّز تحديداً على سبل التمويل، خصوصاً في ظلّ الفيتو الواضح الذي شهره حاكم مصرف لبنان على فكرة الاعتماد على الاحتياط الإلزامي لهذه الغاية، فيما يبدو أنّ إعادة توجيه قروض البنك الدولي مسألة ستحتاج إلى بعض الوقت قبل إنجازها. أمّا موضوع السجال الآخر، فسيتركّز على نوعيّة المستفيدين من برنامج البطاقة، وكيفيّة تحديدهم في حال لم يشمل المشروع كلّ الأسر.

إنّها لعبة جديدة من باسيل ضدّ سلامة… وضدّ اللبنانيين الذين ستتعطّل بطاقتهم التمويلية بسبب السجال والخلاف الذي سيندلع.

المصدر – أساس


للمشاركة
,
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com