متحدون: “موجب الطاعة لأولياء النعمة” يجعل من أهمّ قرار لأعلى هيئة قضائية كأنه صادر عن أقل من قاضٍ متدرج

للمشاركة

صدر بتاريخ 18 شباط 2021 قرار عن محكمة التمييز، الغرفة السادسة الجزائية، المؤلفة من الرئيس جمال حجار والمستشارين ايفون بو لحود وفادي العريضي، أبرز ما جاء فيه لناحية الشكل بأنه:

أولاً: أكّد على صلاحية المحكمة المذكورة بالنظر في طلب النقل، نافياً صلاحية المحكمة لتعيين قاضي تحقيق بديل.
ثانياّ: عالج إشكالية توجيه طلب نقل الدعوى ضد المحقق العدلي، فأكد على هذا الأمر كون نقل الدعوى للارتياب المشروع هو من المبادئ العامة فيطبق على جميع المراجع القضائية، بحسب القرار، عادية كانت أم استثنائية (الصفحة 16 إلى 22 من القرار رقم 5/2021).

أما بالنسبة لناحية الموضوع، فقد تطرّق القرار التمييزي إلى:

أولاً: موضوع الحصانات التي تذرّع بها طالبَي النقل، الوزيرين الأسبقين علي حسن خليل وغازي زعيتر، اللذين جمعا صفة محامٍ ووزير ونائب في آن واحد، وذلك ليؤكدا على افتراض الارتياب المشروع لكي تجيز محكمة التمييز نقل الدعوى، حيث لجأت المحكمة إلى الاجتهاد لتفسير الارتياب المشروع أو الشّك المبرّر في حياد القاضي، متفادية إثبات ما إذا كان القاضي صوان قد خالف هذه القوانين أم لا، لتصل بالقول بأن الفصل في طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع لا يتناول تقييم سلوكية القاضي المشكو منه، فيكفي أن يتوفر السبب الذي يبرر الشّك في حياده. وقد اعتبرت هذه المحكمة وفقاً لقرارها بأن الشّك هذا توافر، وتصرفات القاضي تدلّ على خلفية مسبقة، استناداً لأقوال القاضي صوان عندما صرّح بأنه “لن يتوقف أمام أي حصانة” على الرغم من إلزامية القانون للقاضي الذي ينحصر دوره في تطبيق القانون بمعزل عن رأيه الشخصي، وألا يقدّر مدى ملاءمة القانون أو مدى انطباقه على العدالة وفقاً لمفاهيم القاضي نفسه (الصفحة 22 إلى 25 من القرار رقم 5/2021).
ثانياً: كون القاضي صوان وفق قرار المحكمة المذكورة متضرراً من الانفجار بحيث أن منزله الكائن في الأشرفية قد تضرر مادياً، ما يجعله متضرراً شخصياً بصورة مباشرة. وبالتالي يتوفر مبرر اعتبار افتقار المحقق العدلي إلى التجرّد عند اتخاذ القرارات في الدعوى (الصفحة 25 إلى 26 من القرار رقم 5/2021).

عقب صدور قرار محكمة التمييز الجزائية بشأن طلب نقل الدعوى هذا، خرجت إلى العلن تساؤلات حول توقيته وخلفياته ونتائجه الفعلية على التحقيق: ألا يُعتبر هذا الأخذ والرّد المسرحي لكلّ الوقائع التي كانت أمام جميع المعنيين بالملف منذ البداية والذين قرروا أن يستعرضوا تلك المسرحية، استخفافاً بعقول اللبنانيين عامةً وبحقوق الضحايا خاصةً؟

انطلاقاً من واجب محكمة التمييز أن تكفّ يدّ أي قاضٍ لنقل الدعوى إلى مرجع آخر متى تبيّن أن هناك سبب للارتياب المشروع منعاً لأي استنكاف عن إحقاق الحق، يتساءل أي مراقب أولاً وقبل الغرق في “الشكليات القضائية” عن مصير حق التقاضي المكرّس للضحايا والمتضررين في الدستور والقانون وشرائع حقوق الإنسان، وهذا ما نادى به محامو متحدون منذ البداية وحتى يومنا هذا إزاء المخالفات الجسيمة للقانون والمرتكبة خلال إجراءات التحقيق في ملف انفجار مرفأ بيروت. فمِن رفض تسجيل الشكوى المباشرة في جريمة المرفأ لدى قاضي التحقيق الأول في بيروت بالإنابة شربل بو سمرا، إلى ردّ القاضي صوان للشكوى المباشرة نفسها (الوحيدة التي سمّت الأمور بأسمائها سيّما المدعى عليهم، والتي أصبح الجميع ينادي بالمطالب الواردة فيها بعد انقضاء سبعة أشهر على التحقيق) بعد تبلغ الفريق المدعي قرار القاضي صوان عن طريق الإعلام حينها، على وقع الصدمة، مما وضع التحقيق برمته على المحك مذّاك فكان ردّ تحالف متحدون حينها: سقط التحقيق العدلي وسقط معه القضاء، لتعود وتتأكد صوابية موقف التحالف بعد مضي زهاء سبعة أشهر تحوّلت إلى مجرّد فصل من مسرحية طويلة ودماء الضحايا لم تجفّ بعد. ناهيك عن التجاوزات الأخرى الجمّة والثابتة في الملف، كحجب حقوق الفريق المدعي المحامي رامي علّيق ومعه وكلائه محاميّ التحالف بالكامل في الاطلاع على ملف التحقيق وفق ما ينصّ عليه القانون، كما والتمنّع عن إبلاغ المدعي عدداً من مواعيد جلسات استجواب المدعى عليهم وسوى ذلك، رغم إقرار القاضي صوان بنفسه وقتها بأن إجراءات التحقيق ذات الصلة تعدّ باطلة في هذه الحالة!

فإن أصابت محكمة التمييز في قرارها تنحية القاضي صوان (تبعاً لأسباب ودوافع قانونية فقط)، تراها أغفلت ذكر المخالفات الفاضحة الأخرى، كعدم استدعاء القاضي صوان للقضاة المسؤولين عن تعويم السفينة “روسوس” وتخزين نيترات الأمونيوم، والآخرين الذين أبقوا على هذا المواد الواضحة الخطورة لأكثر من ست سنوات، إلخ، متذرعاً بوجود أصول خاصة لملاحقة القضاة لا تدخل ضمن صلاحيته كمحقق عدلي، بحسب صوان.

وبالتالي يُطرح التساؤل عمّا إذا كان قضاة محكمة التمييز، وما يمثّلونه من صمام أمان قانوني كأعلى سلطة قضائية، يعيشون في بلد آخر غير لبنان، أو في بلد أرادوه أن يبقى ساحة لجرائم بلا مجرمين؟

الأسباب المُدلى بها في طلب نقل الدعوى من يدّ القاضي صوان، منذ زمن ليس بالقريب، من شأنها ان تُشكل سبباً للشّك في حيادية وكفاءة المحقق العدلي. ولكن أين كانت كل هذه الأسباب (المعروفة والواضحة) عندما تم طرح اسمه كمحقق عدلي؟ ولماذا الانتظار أكثر من ستة أشهر عقب الجريمة؟ يبدو أننا أمام فصول متعددة للمسرحية والمشاركين فيها؛ والثمن: عرقلة العدالة من قبل قضاة قرروا أن يكرّسوا أنفسهم كشركة تأمين ضد ملاحقة أو محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن جريمة فتكت بحياة أكثر من مئتي شخص وجرحت وهجرّت الآلاف ودقّت إسفيناً في نعش ما تبقّى من وطن!

والمضحك في المسرحية هذه، أن القاضي صوان أصرّ في تصريحاته بأنه لن يتوقف عن ملاحقة أي مسؤول أو أمام أي خط أحمر، فالأمر هذا يدخل في صميم عمله كمحقق عدلي يسعى لكشف الحقيقة مهما علا شأن المرتكب الذي يكشفه التحقيق. شعارات رنّانة وكلمات جميلة (ونهفات وجدانية) على وقع نغمات أوركسترا دفن العدالة، اتخذها المحقق العدلي، الملمّ بالقوانين الواضحة والصريحة، متراساً لأعمال عرّضت تحقيقه لشكوك مشروعة مادّية وحسيّة، لتنتهي بعرقلته لا محالة. فكل وعاء بما فيه ينضح، ولا داعي للتعجب (أو الهلع). هي سلطة فاسدة أنتجت القاضي صوان، تبرع في ركوب الأمواج الشعبوية لمطالب مُحقّة توصلها إلى طريق مسدود، كي تبقى الجريمة بلا مجرم ودم الضحايا مهدور.

يتحفنا عدد من قضاة محكمة التمييز المشار إليها آنفاً في قرارهم، الذي لا يرقى إلى أدنى التوقعات (وقد اختبر محامو متحدون قسماً منهم في تواطئه والنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات لدى رد كل طلبات ردّ القاضي عويدات المقدّمة من قبل هؤلاء المحامين، ليعود القاضي عويدات تحت الضغط ويتنحى عن الملف من تلقاء نفسه، كما يقتضي سيناريو المسرحية، طبعاً)، اعتبار موقف المحقق العدلي من الحصانات النيابية والدستورية دليلاً على “خلفية مُسبقة” في مقاربة مسألة الحصانات القانونية. كذلك أخذوا بأقوال القاضي صوان بأنه أصلح أضرار بيته الناشئة عن الانفجار وأكمل عمله كمحقق عدلي في الدعوى دون أي انحياز، معتبرين أن هذه الواقعة ثابتة بمجرد إقرار صوان بها.

إلى متى سيبقى همّ القاضي، الذي يشيح بنظره عن تحقيق العدالة، أداء “موجب الطاعة” لـ “أولياء نعمته” من خلال التذرع بشكليات لا تصبّ إلا في طريق التحايل على القانون وعرقلة سير العدالة؟!

عسى أن تبدأ المحاسبة، وليس فقط إقصاء القضاة الذين أساؤوا استعمال سلطتهم، كالقاضي صوان وآخرين، وأن يكون زمن الإفلات من العقاب، للقضاة من باب أولى، قد ولّى.

ميرا العجمي، تحالف متحدون


للمشاركة
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com