طرابلس «عاصمة البؤساء»… صندوقة استثمار سياسي لـ «انتفاضة الجياع»

لم تتأخّر السياسة في الطغيان على المنزلق الأمني الخطير، الذي أطلّ برأسه من قلب «انتفاضة جياعٍ»، انطلقتْ قبل أيام في عاصمة «البؤساء» طرابلس التي يختصر واقعُ غالبية أبنائها حال لبنان، الذي يتدحرج على سلّم أسوأ المؤشرات المالية والاقتصادية والمعيشية والكورونية، فيما الائتلاف الحاكم يُمْعِن في استرهان مدخل الحلّ الذي يشكله استيلاد حكومةٍ تنال ثقة المجتمعين العربي والدولي بذريعة اعتباراتٍ سُلْطوية تتخذ لبوس مصالح طائفية، وحساباتٍ مرتبطة بالامتداد الإقليمي للوضع الداخلي.

وإذ كانت طرابلس تستيقظ أمس، على وهج أعنف ليلة من المواجهات بين محتجين على الوضع المعيشي الذي ازدادت قسوته مع إجراءات الإقفال التام المتصل بمواجهة تفشي «كورونا»، شخصت الأنظار بالتوازي على الجانب الميداني من «الغضبة الشعبية»، كما البُعد السياسي الذي سرعان ما لَفَحَ «الاشتعال السريع» لفتيل الشارع، والذي يُخشى أن يكون مرشحاً لجولات أكثر سخونة لم يعُد ممكناً فصْلها عن «فالق» المأزق الحكومي الموصول بدوره بـ«خط زلازل» المنطقة.

مقتل 5 أشخاص وإصابة 10 إثر تسرّب مواد كيميائية قرب «أتلانتا» الأميركية
منذ ساعة

البابا سيلتقي السيستاني خلال زيارته للعراق
منذ ساعتين
وغداة المواجهات التي أدت إلى وفاة شاب وجرْح نحو 250 شخصاً (نُقل نحو 35 منهم إلى المستشفيات) في أعقاب تحوّل طرابلس ومحيط سرايا المدينة ساحة معارك حقيقية تخللها رمي قنبلة يدوية حربية على القوى الأمنية (والحجارة وقنابل مولوتوف ومفرقعات) وردّ الأخيرة التي أصيب 9 من عناصرها بينهم 3 ضباط بجروح أحدهم حاله خطرة باستخدام الرصاص الحيّ (وفق بعض التقارير) بعد المطاطيّ إلى جانب حرق سيارات وتكرار محاولة اقتحام السرايا، جاءت أول إشاراتٍ نهارية أمس، مدجّجة بعناصر توحي بأن الوضع في «الفيحاء» – التي تُعتبر ثاني أكبر مدينة في لبنان ومن الأكثر فقراً على ساحل المتوسط – تفوح منه رائحةُ تصعيدٍ قد يخرج عن السيطرة في ظلّ تشابُك 3 مكوّنات: وجع الجوع، الخشية من طغيان «الحلّ الأمني»، والأزمة السياسية المحتدمة على جبهة تأليف الحكومة بين فريق رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري الذي تُعتبر عاصمة الشمال من معاقل تياره التي لطالما استُخدمت «صندوقة بريد» بعد 2005 في كل معارك «ليّ الأذرع» السياسية.

وشكّل تشييعُ الشاب عمر فاروق طيبا الذي توفّي متأثّراً بجِراحه بعد إصابته برصاصة في ظهره في مواجهات ليل الأربعاء – الخميس محطةً رَفَعَتْ منسوبَ الغليان الشعبي وسط تسجيلِ مسيراتٍ جابت المدينة وعرّجت على منازل نوابها ولم تَخْلُ من هتافاتٍ مندّدةٍ وداعية لاستقالة هؤلاء وحرْق إطاراتٍ وقطع بعض الطرق، قبل استعادة مشهد التجمع قبالة السرايا وبدء رمي الحجارة في اتجاهها في ظل مخاوف من تكرار تَمَدُّد التحركات وقفل الطرق إلى البقاع وبيروت والجنوب على غرار ما حصل الأربعاء وقبله.

وفي موازاة ذلك، كانت الخشية تتعاظم من «استثمار» صرخة الشارع في الصراع الداخلي الذي تحكمه ملامح «ارتداد سياسي» على تكليف الحريري لإخراجه أو أقلّه جعله يرضخ لشروط التأليف التي يريدها فريق الرئيس عون وتتقاطع في جوانب منها مع حسابات «حزب الله» للواقع اللبناني وتوازناته.

وكان الأكثر تعبيراً عن هذه الخشية أمران:

  • الأول بيان «تيار المستقبل» الذي يترأسه الحريري والذي تحدث بوضوح عن «أيادٍ مشبوهة تعمل على إغراق طرابلس بالفوضى، وأمر مريب يعود بالذاكرة إلى مراحل الفلتان الأمني والاشتباكات المسلحة التي كانت تحصل غب الطلب»، متحدثاً عن مواقف «في الساعات الماضية، أكدت على وجود جهات حزبية وسياسية وفعاليات محلية، اشتغلت على تسلُّق أوجاع المواطنين، وقامت بتمويل مجموعات بعضها استُقدم من خارج طرابلس والشمال»، ومؤكداً «أن الحل الأمني للأزمة المعيشية ليس حلاً، والذين يراهنون على استدراج طرابلس إلى ساحات الفوضى يعلمون جيداً أن الأكثرية الساحقة من أبنائها لن يجاروا هذا المخطط الدنيء الذي يطل برأسه من أقبية المخابرات سيئة الذكر وأزلامها المعروفين»، ولافتاً إلى أن الدماء التي سقطت «هي بالتأكيد دماء طاهرة افتدت كرامة المدينة ومطالبها وسلامتها، وشكلت عنواناً لتضحيات القوى الأمنية دفاعاً عن القانون ومنعاً لسقوط الشمال وعاصمته في المجهول».
  • والثاني لرئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، الذي كان غمز من قناة «المستقبل»، معتبراً «أن تحريك الشارع المعروف الانتماء والتمويل، وأصابع بعض المنسقين ومسؤولي بعض الأجهزة السابقين والحاليين واضحة فيه، لن يحمي منظومتكم السياسية والمالية ولن يحيّد أنظارنا عن فسادها وسنبقى نلاحقكم كلّكم حتى تعيدوا ما سطت عليه أيديكم».

وجاء موقف باسيل في معرض تعليقه على «الإجراء القضائي السويسري في قضيّة حاكم مصرف لبنان والذي يشكّل سابقة على المستوى اللبناني تؤسّس لمثيلات لها على مستوى الدول التي تستضيف مصارفها حسابات تتلقى تحويلات لبنانية، سواء جرى تهريبها باستنسابية، ‏أو كانت مشبوهة تتعلق بتبييض الأموال»، معتبراً «أن على القضاء اللبناني، أن يواكب القضاء السويسري، لا أن يقف موقف المتفرّج والمتلقي، إن لم نقل المتهرّب، لأن المحاسبة ستطول المقصرين منه والفضيحة ستلاحق المتورطين فيه»، ولافتاً إلى «أن التدقيق الجنائي هو الوسيلة الفضلى لكشف الفجوة المالية في مصرف لبنان، ‏وأسبابها والمسؤولين عنها، وهو يشكّل مرتكز المبادرة الفرنسية».

وترافق موقف باسيل مع ادعاء النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون، على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيسة لجنة الرقابة على المصارف مايا دباغ، بجرم الإهمال الوظيفي وإساءة الأمانة (في موضوع الدولار المدعوم). كما ادعت على صاحب شركة استيراد الدولار من الخارج م.م والصراف ع.ف، بجرم مخالفة قرار إداري، وأحالتهم على قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضي نقولا منصور لاستجوابهم.

وعلى وقع هذا التقابُل الداخلي الحاد، أعطى المنسق الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش، إشارة اهتمامٍ دولي بمجريات الواقع اللبناني هي أقرب إلى «ناقوس الخطر» عبّرت عنه تغريدته التي اعتبر فيها أن «ارتفاع مستوى العنف لا سيما أثناء احتجاجات طرابلس وسقوط عدد من الجرحى بين المتظاهرين وقوات الأمن بعضهم بحالة حرجة، هو رسالة جديدة للسياسيين بضرورة تشكيل حكومة فاعلة دون مزيد من التأخير». وأضاف: «لم يعد بإمكان الناس تحمل هذا السقوط الحر في الهاوية».
الراي – من وسام أبو حرفوش وليندا عازار

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com