عن نهر الهموم السياسية اللبنانية

يحمل نهر الهموم السياسية اللبنانية جرفا هائلا من المآسي والويلات، ويحتوي على أنواع العذابات المختلفة، منها المالي، ومنها المعيشي، ومنها الأمني، ومنها الوبائي الصحي، ومنها الخوف على المستقبل. والنهر يجري بين وديان الاضطرابات الإقليمية والدولية الوعرة، ينبع من عدة روافد لكن لحمله الثقيل مصب في واحد في البحر اللبناني الضيق. لا تبعث رؤيته على التفاؤل والخير، كما في الأنهار الطبيعية، وعلى ضفافه تنمو طحالب سياسية وعسكرية وميثولوجية في غير مكانها وزمانها، وعلى أرض لا تحب التلوث.

قد يكون الكلام عن لبنان الراقي والجميل والمعطاء بهذه اللغة، ضربا من ضروب الشؤم، لكن الوقائع السياسية والمعطيات الميدانية التي انتهى إليها العام المنصرم، والتي استفاق على سوداويتها العام الجديد، كبلت الوطن الجريح بمشاكل فاقت كل التوقعات، وبدا الذين خططوا للفراغ الرئاسي ومن ثم للتسوية الرئاسية قبل أكثر من 4 سنوات، ضريري سياسة، وكالأميين الذين لا يعرفون قراءة الوطنية باللغة العربية. منهم من كان يدرك أنه سيصل الى مرسى المهالك التي نعيشها، وهو ربما يريد ذلك لأن رهانته أبعد من وطن الأرز، ومنهم من لحقت بهم شهوة الحكم الى مراحيض الخلاء، فأدملوا عيونهم بسموم السلطة، او التلسط، فصدموا عربة الدولة بالحيطان القاسية، ثم دفعوها لتتدحرج الى منحدرات الهاوية.

ورغم الحديث عن جهود دولية غير منظورة بأم العين حتى الآن، والتي ترسم سيناريوهات إنقاذية اسطورية، يبدو الانطباق السياسي والأمني والمعيشي متمكنا من رقاب اللبنانيين، وهياج نهر الهموم اللبنانية الجارف، يحمل صورا قاتمة بعدة ألوان من أبرزها:

الأرانب السياسية والأمنية التي تخرجها قوى الممانعة بمناسبة الحشرة التي تعاني منها على كل المستويات، عن طريق استحضار ذكرى أشخاص قضوا وليس للبنان علاقة بهم، وتنشر صورهم أمام أعين الناس الجائعة في شوارع بيروت وبعض المناطق، ومن خلال التهديدات الصحافية من الداخل ومن الخارج والتي لم تصب بالبلاء العدو، بقدر ما أصابت اللبنانيين والعرب، وشريط حشرات الممانعة طويل جدا هذه الأيام، يبدأ من ملف الإرهاب مرورا بملفات التهريب وصولا الى القضايا الصاروخية والنووية الكبرى.

ومن الصور القاتمة في المشهد اللبناني ايضا، ذلك التفكك السياسي والحزبي الهائل الذي يصيب الأجنحة اللبنانية المتكسرة. وإذا كان بعض التعاون موجودا بحده الأدنى لدى القليل من القوى المتقاربة من حيث موقفها العام من القضايا الوطنية والعربية، لكن الغالب على المشهد هو حالة الضياع التي تتخبط بها معظم القوى، وفي المقدمة منها القوى الممسكة بزمام الأمور في الدولة، وبعض ما يعرف «بمرجعيات الطوائف الكبرى» وهذه لا تحزم أمرها تجاه أي من المقاربات الوطنية الوجودية، لحجج واهية تتعلق «بحق الطائفة» بينما كل الطوائف تذرف دما من جراء جراح الوطن، والمسيحيون منهم في المقدمة.

سنة جديدة تطل، ولكنها تواجه برؤية قديمة، ويبالغ الفاشلون في سنوات حكمهم الماضية بإثارة النعرات الطائفية لإخفاء طموحات وأطماع شخصية، كما أن الفريق الضامن لجوقة الحاكمين يستثمر في ويلات الوطن لحسابات خارجية سمعنا بعض خطاباتها بالأمس. أما بعض الهواة من أصحاب المقامات السياسية التمثيلية «الخارقة» فيغلب عليهم الضياع كي لا نقول الارتهان، وهم يقفون على مفترقات طرق، وجاهزون للسير على أي منها إذا ما كانت أقرب لإيصالهم الى حيث المنال.

صحيح أن بلدانا كثيرة تعاني من صعوبات كبيرة في محيطنا العربي وفي العالم، ولكن الاختناق الذي يصيب لبنان أكثر مما كان متوقعا، وقد أقفل الجناة كل نوافذ الانتعاش أمامه لاعتقادهم بأنه سيحتضر ببطء. وهم يخططون للفوضى لإبقاء الرئاسة في قبضتهم على حد تعبير النائب القواتي فادي كرم.

رغم كل ذلك، فاللبنانيون عادة لا يستسلمون أمام الفجور الى وقت طويل، ومشهد الأمل القادم لا يغيب عن ناظريهم. لكن الأمر يحتاج الى مزيد من الصمود.

الانباء ـ د. ناصر زيدان

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولك عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com