سجون لبنان.. “حظائر حيوانات” فكيف لا يهرب منها البشر؟

(Photo by ANWAR AMRO / AFP)

“عندما يكون الظلم قانونا، يصبح التمرد واجبا”، هذا القول للفيلسوفة الألمانية روزا لوكسمبورغ، وجد سبيله بطريقة ما إلى سجناء لبنان، فرفعوه شعارا لإعلانهم التمرد مع بداية انتشار جائحة كورونا في البلاد ووصولها إلى السجون منتصف العام الجاري، تناقلوه في تسجيلات وبيانات ونشروه عبر حسابات بعضهم على وسائل التواصل الاجتماعي، مطالبين بالعفو العام عنهم وبإنهاء معاناتهم داخل السجون في ظل الانهيار الشامل الذي يصيب الدولة.

قبل أيام شهد لبنان أكبر عملية فرار لسجناء في تاريخه، لم تأت من سجن رومية المركزي أو سجن زحلة أو القبة في طرابلس، وهذه أكبر السجون اللبنانية التي شهدت الاحتجاجات ومنها خرجت تهديدات المساجين، وإنما أتت من نظارة قصر العدل في بعبدا التي كانت تضم 128 موقوفا، فر منهم 69، لقي 5 منهم حتفهم بحادث سير خلال هروبهم، وألقي القبض على نحو 27 منهم خلال الأيام الماضية فيما يتابع الباقون رحلة فرارهم.

تعاطف شعبي !

اللافت في حادثة الفرار التي هزت البلاد، أنها خلقت تعاطفا شعبيا كبيرا مع الموقوفين في وجه الدولة اللبنانية، وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي رسائل التأييد للسجناء ومنشورات التضامن معهم، بخلاف ما أرادت السلطات اللبنانية التي عممت صور الفارين وطلبت من المواطنين التعاون معها.

هذا التضامن والسخط على الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية، جاء كردة فعل على الاهتراء الظاهر في المنظومتين الأمنية والقضائية في البلاد، والذي أدى قبل هذا الفرار إلى أزمة سجون خانقة وملحة بحيث باتت تزدحم بما نسبته نحو 300 في المئة من قدرتها الاستيعابية، فيما يعاني نزلاؤها من فقدان لأبسط المعايير الإنسانية المرعية في القوانين المحلية والمعاهدات الدولية. يدرك معظم اللبنانيين هذا الواقع، قبل حادثة الفرار، التي أتت مجرد تجسيد له وتذكير به.

“بإمكانك أن تصف هذه الأماكن بأي وصف إلا السجن”، يقول وزير الداخلية السابق مروان شربل في حديثه مع موقع “الحرة”، مضيفا “بحكم تجربتي كضابط في قوى الأمن لـ40 عاما ووزيرا للداخلية، أعلم أن أي سجين في العالم يفكر ويخطط دائما للهرب، فكيف إذا كان في سجون لبنان التي يشعر فيها الإنسان أنه حيوان؟”

ويشرح شربل أن “نظارة قصر العدل التي فر منها الموقوفين تتسع بالأصل لما لا يزيد عن 20 شخص، يجري تبديلهم كل 48 ساعة كحد أقصى للتوقيف في النظارات بحسب القانون اللبناني، فكيف اتسعت لـ125 شخصا؟ ثم ظهر وجود من قضوا 4 أشهر و5 أشهر فيها، هذه مخالفة واضحة للقانون من قبل القضاة، تعرض الموقوفين لظروف غير إنسانية ومخالفة للمعاهدات الدولية”.

لماذا تكتظ السجون بالموقوفين؟

تجدر الإشارة إلى أن الموقوف هو مشتبه به لم يتم الحكم عليه بعد وبالتالي فإنه لا ينفذ عقوبة وإنما محتجز رهن التحقيق والمحاكمة، ولأن هذه العملية تتم ببطء شديد في لبنان، فإن عدد الموقوفين بات يتجاوز الـ50 في المئة من السجناء بحسب المحامية من “المفكرة القانونية” غيدة فرنجية.

تشرح فرنجية في حديثها لموقع “الحرة” أن “السبب الرئيسي لاكتظاظ السجون ومراكز التوقيف في لبنان يعود إلى إفراط القضاة في اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي. فوفقا للقانون، أن التوقيف الاحتياطي قبل المحاكمة هو استثناء في حالات الضرورة فقط في حين أن حرية المشتبه بارتكابه جريمة هي الأساس. لكن في الممارسة، غالبا ما يعمد القضاة إلى توقيف العديد من المدعى عليهم دون تبرير أسباب التوقيف وتوضيح ضروريتها.”

والأخطر، بحسب فرنجية، “أن القضاة غالبا ما يتجاوزون المهل القانونية المفروضة في القوانين كمهلة مثول الموقوف أمام قاض للمرة الأولى والمهل القصوى للتوقيف (شهرين في الجنحة وستة أشهر في الجناية، مع إمكانية تجديدها مرة)، الأمر الذي أدى إلى هذا الاكتظاظ في السجون (يصل إلى 200 في المئة في السجون فقط)، وتحولت نظارات التوقيف المؤقتة إلى سجون يحتجز فيها الموقوفين لمدة أشهر، في حين أنها مجهزة لآماد قصيرة قبل نقلهم الى السجون.”

كما سمح القانون باستبدال التوقيف بوضع المدعى عليه تحت المراقبة القضائية من أجل التخفيف من حالات التوقيف، لكن القضاة نادرا ما يلجؤون إلى استخدام تدابير المراقبة (كمنع السفر والخضوع لفحوصات طبية دورية…)، كما لم تعمد وزارة العدل وقوى الأمن الداخلي إلى وضع آليات تطبيقية لتنفيذ هذه التدابير (كفرض الإقامة في بلدة معينة واثبات الوجود دوريا في مركز المراقبة…) بحسب المحامية فرنجية.

عينات 

فهد ألقي عليه القبض بتهمة تعاطي وترويج المخدرات، يتحدث كيف عانى من عوارض الانسحاب داخل نظارة إحدى فصائل قوى الأمن في بيروت، دون وجود أي مختص للتعامل مع حالته كما يجب، وهذا ما دفع به ليكون عنيفا داخل النظارة، حيث قام بإيذاء نفسه وضرب رأسه، والتعرض بالعنف لغيره من المساجين، ثم اشتبك مع عناصر مكافحة الشغب الذين تدخلوا لضبطه، الأمر الذي زاد من تعقيد قضيته وألبسه تهمة جديدة أودت به إلى المحكمة العسكرية بتهمة معاملة عناصر الأمن بشدة.

أمضى فهد أكثر من 6 أشهر في النظارة، قبل أن يعرض على قاض لأول مرة، “كانت المرة الأولى التي أرى الشمس فيها حين حددوا لي جلسة استماع، السجن في النظارات بحد ذاته تعذيب، فالنظارات تدار وفق قوانين مختلفة عن السجون، لكونها مخصصة للتوقيف المؤقت، فإن حقوقا كثيرة للسجناء لا يحصلون عليها، ومن بينها أبسط حقوق الإنسان كالأكل والشرب والحاجات اليومية، كلها اضطررت لشرائها طيلة مدة توقيفي عبر عناصر قوى الأمن، أحيانا يشترون هم لنا طعاما ودخان ومياه من حسابهم بسبب تعاطفهم مع حالاتنا.”

“إضافة إلى ذلك، في السجون مثلا، يحق للسجين أن يجري اتصالات هاتفية ليتابع قضيته مع المحامي، أو مع الأهل لتأمين الغرامات المالية، أما النظارات فتخضع لقانون التوقيف الذي يسمح للموقوف بإجراء اتصال واحد لحظة توقيفه لإبلاغ ذويه أو المحامي، وفيما تتحول النظارات إلى سجون يحرم الموقوفين من هذا الحق الذي يخضع في النهاية إلى مزاجية الحراس وآمري الفصائل.” يقول فهد.

الأمر نفسه بالنسبة إلى سلمان، الذي أمضى أكثر من 8 أشهر هو الآخر موقوفا في إحدى نظارات بيروت قبل أن يتم الاستماع إليه ونقله إلى سجن النبطية. يستذكر كيف نام أول 3 أيام وقوفا في النظارة التي تضم نحو 70 موقوفا فيما تتسع بالأصل لنحو 30 شخصا بالحد الأقصى، بسبب عدم وجود أماكن تتسع للنوم، وينسحب الأمر على كرسي حمام واحد موجود في النظارة، الطعام هناك مقرف بكل معنى الكلمة، وكثير من الأوقات لا يصل الطعام أصلا، حتى ضوء النهار لا يدخل إلى هنا، العفن يضرب كل شيء، وحشرات البق تتولى الباقي، هذه الأماكن تثير جنون الإنسان.”

ويتحدث سلمان عن مشاهداته في السجن، لمساجين وصل بهم الأمر إلى حد تحطيم عظامهم وتشطيب أجسادهم طمعا بساعات خروج إلى المستشفى هربا من هذه النظارات، بعضهم جرى توقيفه لأسباب تتعلق بضبط قديم مسطر بحقه لم يكن يعلم به أو لا يملك المال الكافي لتسديده، بقي في السجن إلى أن سدد مليوني ليرة لبنانية من أيام حياته، على حساب 10 آلاف ليرة بدلا عن كل ليلة في السجن كما ينص القانون. حالة أخرى أوقفت بسبب حادث سير، ولا يزال الشاب موقوفا حتى اليوم (منذ 5 أشهر) لكون الطرف الآخر في الحادث دخل في غيبوبة، بانتظار أن يستفيق منها لمتابعة التحقيق.

كورونا يكشف المستور

بعد انتشار وباء كوفيد-19، تجلت مخاطر هذه السياسات القضائية بوضوح، بحسب ما تشير المحامية غيدة فرنجية، “حيث تبين أن الاكتظاظ في السجون يشكل خطرا صحيا ليس فقط على السجناء بل على المجتمع ككل. فالسجناء يجدون أنفسهم في حالة من “التجمعات القسرية” حيث من المستحيل اتخاذ إجراءات الوقاية لمنع انتشار الوباء بين السجناء والعاملين في السجون وعائلاتهم.”

وفي محاولة للتخفيف من الأضرار، اتخذت وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى ونقابتي المحامين في بيروت وطرابلس إجراءات عديدة من أجل التخفيف من الاكتظاظ: من خلال تشجيع القضاة على تجنب التوقيف الاحتياطي، إلا في حالات الضرورة القصوى وتسهيل البت بطلبات إخلاء سبيل الموقوفين وطلبات تخفيض العقوبات للمحكومين، بالإضافة إلى تسهيل عقد جلسات التحقيق إلكترونيا (الاستجوابات عن بعد) وعقد جلسات محكمة الجنايات في قاعة المحكمة الموجودة داخل سجن روميه المركزي. وقد ساهمت هذه الإجراءات إلى الافراج عن مئات الموقوفين (2717 سجين بين فبراير وسبتمبر 2020 وانخفضت نسبة الموقوفين إلى 43 في المئة في أيلول 2020)، وفقا لـ “المفكرة القانونية”.

لكن هذه الاجراءات بقيت غير كافية من أجل خفض الاكتظاظ بشكل ملحوظ بسبب عدم تعاون بعض القضاة، تؤكد فرنجية، “لكن السبب الرئيسي يعود إلى تقاعس مجلس النواب عن إصدار أي تشريعات قد تشكل حلا سريعا للإفراج عن أعداد كبيرة من السجناء، كإصدار قانون لإعفاء السجناء الذين أنهوا محكوميتاهم من دفع الغرامات أو تعليق أحكام التوقيف الاحتياطي في بعض الجرائم البسيطة. وهو ما أدى إلى انتشار الوباء بشكل واسع وسريع داخل العديد من مراكز الاحتجاز.”

المسؤولية الضائعة

يتوزع على الأراضي اللبنانية 25 سجنا، تبلغ طاقتها الاستيعابية بالأساس 2526 سجينا، وترتفع في قدرتها القصوى إلى 4 آلاف نحو سجين، و261 نظارة تتوزع على مختلف الأجهزة الأمنية والمرافق وقصور العدل (بحسب إحصاء نقابة المحامين). في المقابل يناهز عدد السجناء اليوم الـ10 آلاف بين نحو 7 آلاف سجين وأكثر من 2500 موقوف في النظارات (هذه الأرقام تتغير بشكل يومي).

وتدار هذه السجون وفقا لمرسوم تنظيم السجون 14310، الصادر في فبراير 1949، والذي لم يعد يتناسب في نصوصه ومرحلته الزمنية مع التطورات والمستجدات التي طرأت على السجون والمساجين ونوعية الجرائم وغيرها بعد 71 عاما على صدوره، وهنا تبداً فوضى الإدارة التي تتم اليوم بموجب مذكرات وتعليمات تصدر عن جهات عدة منها وزير الداخلية والمدير العام لقوى الامن الداخلي ومدعي عام التمييز وقائد الدرك. وفي ظل غياب قانون حديث يحدد الاجراءات والصلاحيات بوضوح، هناك هامش واسع لتضارب الصلاحيات والتدخلات والفساد والهدر.

وأكبر الأخطاء، بحسب الوزير السابق مروان شربل التي ترتكب في لبنان، أن مسؤولية السجون لا تزال تقع مؤقتا على عاتق وزارة الداخلية بدلا من أن تنتقل إلى وزارة العدل وفقاً للقانون، وهذا الأمر قائم من نحو 50 عاما. “كل مؤقت في هذا البلد يتحول إلى وضعٍ دائم، في عام 2013 اتخذنا قرار في الحكومة بإعادة السجون إلى عهدة وزارة العدل، على أن يتم ذلك بمدة أقصاها العام 2018. تبدلت الحكومة وتوقف المشروع ولا أعلم حتى الآن ما الذي يعيق هذه العملية في ظل وجود مديرية عامة للسجون في وزارة العدل وموظفون يتلقون أجورهم وعلى رأسهم مدير عام.”

والمشكلة هنا أن وزارة الداخلية، تفتقد إلى الاختصاصيين في التعامل مع السجناء، وبحسب وزير الداخلية السابق، فإن “العسكري غير مؤهل للتعامل مع السجناء، وإنما تقتصر مهمته على الحراسة الخارجية للسجون، وهو ليس مختصا نفسيا ومهنيا في التعامل مع هذه الحالات على اختلافها فبأي منطق تسير الأمور بهذا الشكل؟” يتساءل شربل، مؤكدا أن هذا الأمر يؤدي إلى تجاوزات في التعامل مع السجناء ويعرض الطرفين للمظلومية، والأمر نفسه ينطبق على النظارات غير المؤهلة لتكون سجنا دائما مع حراسها.

وتكشف مصادر “الحرة” في قوى الأمن الداخلي أن مشكلات عدة يواجهها عناصر الأمن خلال تأديتهم لواجبهم فيما يتعلق بالتوقيف والسجن، أبرزها مشكلة العديد والسعة، حيث يجري بين الفصائل توقيفات متبادلة كل حسب نطاقه واختصاصه، فأزمة العديد في قوى الأمن تنعكس نقصا في دوريات “السوق” لنقل الموقوفين من مراكز الاحتجاز الأولية إلى مراكز التحقيق والتوقيف، كذلك بالنسبة إلى وجود أماكن شاغرة في مراكز التوقيف التابعة لتلك الفصائل، وهذه العملية وحدها قد تتطلب 10 أيام إلى 15 يوما لإتمامها، ما عدا “مكافحة المخدرات” الذين يتحركون سريعا لتسلم الموقوفين وإجراء الفحوصات اللازمة لهم بالعادة.

وتضيف المصادر أن عناصر قوى الأمن لا يتلقون دورات تخصص في التعامل مع السجناء، فقط الضباط ورتباء التحقيق يتلقون هذا النوع من التدريبات للتعامل مع الموقوفين، لكن الحقيقة أن معظم التعاطي يتم بين السجين والعنصر الحارس له بالدرجة الأولى، وهذا الحارس غير مؤهل لذلك.

من السجن وإلى السجن

نسبة مرتفعة من السجناء والموقوفين الحاليين، كانوا قد زاروا السجون في وقت سابق وعادوا إليها بنفس الجرائم أو غيرها، وهو ما ينعكس أيضا على نسب الاكتظاظ. مرد هذا الأمر يعود إلى غياب أي خطة تأهيلية وإصلاحية للمساجين من شأنها أن تؤمن للسجين اندماجا في المجتمع وحياة جديدة خارج الأسوار.

ويقول وزير الداخلية السابق مروان شربل: “لو أدخلوني إلى سجن رومية ليوم واحد سوف أموت، فهو سجن تعذيبي وليس سجنا تأهيليا.” ويضيف “على الدولة أن تضع خطة اصلاح شاملة في السجون تبدأ من البنى التحتية، إلى خطة تأهيلية بإشراف مختصين، ولا بد من تأمين أعمال مهنية لتمكين السجناء والسماح لهم بتحصيل مردود مادي يمكنهم من إعالة أنفسهم وعائلاتهم من داخل السجن، وتأمين رأسمال صغير للاستثمار بعد الخروج من السجن، أو تأمين الغرامات المالية المفروضة عليهم، وإصلاح نفسي وأخلاقي ليتابع حياته كإنسان، ولكن لسوء الحظ يتخرج السجين من لبنان ليرتكب مزيدا من الجرائم لأنه لم يتعالج في هذه السجون بشكل صحي وسليم.”

وعلى الرغم من قدم مرسوم تنظيم السجون (1949) إلا أنه تضمن نصوصا صريحة (من المادة 117 إلى 131) على وجوب أن يزاول السجين أعمالا مهنية مقابل أجور مالية، تستحصل الدولة منهم على 10 في المئة، والباقي يحتفظ للسجين بنصفهم إلى حين الإفراج عنه ونصفهم الآخر لمصاريف السجن، وذلك كإجراء إصلاحي. إلا أن هذا القانون لا يطبق اليوم.

“في ستينيات القرن الماضي كان هذا الوضع القائم، وكان نموذجا ناجحا في السجون، حاولنا عام 2013 البدء بخطة لتمكين المساجين، أقمنا ورشة حدادة وبويا وافتتحنا فرنا للخبز في سجن رومية، وأتت هذه المبادرات بنتيجة واضحة وسريعة، لكن ذلك لم يستكمل”. بحسب شربل.

حظائر حيوانات ومرآب للسيارات

سجن رومية هو الأكبر في لبنان، يعاني بالإضافة إلى الاكتظاظ ظروفا مأساوية من حيث الإدارة والطبابة والتأهيل والبنى التحتية، منه تنطلق عادة الاحتجاجات والعصيان، ويستحوذ دائما على الأضواء الإعلامية والشعبية، لكن الواقع يقول إن حالته تبقى أفضل بكثير من سجون أخرى تقبع تحت الأرض وفي ظروف لا تلائم أدنى معايير حقوق الإنسان.

سجن القبة في طرابلس مثلا، كان في السابق إسطبلا للأحصنة إبان حقبة الانتداب الفرنسي، حولته الدولة اللبنانية إلى سجن يخالف أبسط المعايير الإنسانية بعد أن كان مخصصا للاستخدام الحيواني، وبات اليوم ثاني أكبر سجون لبنان. الأمر نفسه بالنسبة إلى سجن صور، حيث أنشئ في مبنى تراثي واقع على شاطئ البحر، ويصلح أن يكون مرفقا سياحيا غير مؤهل لإقامة السجناء.

لكن أكبر الفضائح تبقى في نظارة قصر العدل في بيروت، أو ما يسمى “نظارة العدلية”، التي كانت في الأصل مرآب للسيارات أسفل جسر تحت الأرض، حوله الأمن العام اللبناني إلى نظارة للتوقيف، من ثم تسلمته قوى الأمن الداخلي واستخدمته في احتجاز الموقوفين في قصر عدل بيروت.

لم تكن عملية الفرار من نظارة قصر عدل بعبدا وحيدة في الأشهر الماضية. ففي زحمة الأحداث التي رافقت انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي، جرى التعتيم على قصة أخرى شهدتها نظارة العدلية لحظة الانفجار، حيث دفع الانفجار بالغبار إلى باحة النظارة تحت الأرض وأحدث فوضى كبيرة في المكان الذي يضم 230 سجينا.

كسر السجناء أقفال 11 زنزانة وحاولوا خلع الباب الرئيسي للسجن، بحسب رواية قوى الأمن الداخلي. وهنا استقدمت أفواج من قوى مكافحة الشغب إلى النظارة حيث استخدمت العصي والرصاص المطاطي لإعادة المساجين إلى زنازينهم، مما أدى إلى وقوع إصابات.

وبحسب اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب التابعة للهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان التي أجرت زيارة مفاجئة إلى النظارة في 7 أغسطس 2020، فقد “نفذت إدارة السجن إجراءات عقابية من ضمنها حلق الرؤوس، ومصادرة العديد من المقتنيات الشخصية، وفتح محضر تحقيق” مؤكدة وجود آثار عنف على عدد كبير من السجناء، الذين يقبعون في مراكز اعتقال “تخالف أبرز المعايير الدولية الدنيا لمعاملة السجناء واتفاقيات مناهضة التعذيب”، وهذه جريمة ترتكبها الدولة دون رادع.
 حسين طليس – الحرة

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولك عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com